يسلط المجتمع الضوء على حياة الناجحين، ويتحدث مدربو التنمية البشرية والمتحدثون التحفيزيون عن الإنجازات، عوضًا عن الحديث حول الصعوبات، والإخفاقات، والدموع، ولحظات الشك بالنفس، ورغبات الاستسلام.

درب النجاح مليء بالعثرات والكد والعرق، ولا يوجد طريق واحد يؤدي إليه. إلا أن الثقافة المعاصرة، تروج للفشل باعتباره علامة على الضعف، ومرادف للانهزامية، لكن قصص العظماء في التاريخ تؤكد لنا أن الفشل مقوم أساسي للنجاح.

بيب روث (1948-1895):أسطورة البيسبول الأمريكية الذي أعاد تعريف الفشل

بيب روث

غير «روث» بمضربه رياضة البيسبول للأبد، فقد تربع على عرش اللعبة برصيد من الانتصارات بلغ 714، إلا أنه مثلما حاز نقاطًا ناجحة، حقق رقمًا قياسيًا فاق عدد انتصاراته بعدد الضربات الخاطئة التي بلغت 1330. ظل سجل الرميات الخاطئة لروث صامدًا على مدار ما يقرب من عقود ثلاثة، بعد أن حطمه غيره من اللاعبين بعده. فمشي من جاء عقبه على آثاره. ولم يعد لتلك الكرة نفس التأثير أبدًا.

تربى روث في حي فقير، وكان واحدًا من ثمانية أطفال، لم ينجُ منهم سوى طفلين كان هو أحدهما. وأرّق سلوك روث المثير للمتاعب والديه منذ أن كان في السابعة.

كان روث يتسكع، ويشرب الكحول، ويتعاطى الحشيش، ويثير المشاكل مع ضباط الشرطة؛ فأرسلاه والداه إلى دار أيتام وإصلاحية آوته 12 سنة.

دله بعض الرهبان على لعبة البيسبول، التي أظهر فيها تفوقًا ملحوظًا؛ فجذب انتباه أحد أصحاب الفرق الرياضية، لتصبح بداية طريق روث في الرياضة.

بجانب أنه حقق رقمًا قياسيًا بعدد ضربات خاطئة، بلغت 94 في موسم واحد. كسر هذا الرقم من قبل أكثر من مائة لاعب رئيسي بالدوري. يظن البعض أن ذلك نوع من الفشل، إلا أن اللاعبين الذين حطموا هذه الأرقام كانوا من أساطير هذه الرياضة، فلم تعد الضربات الخاطئة وصمة عار للاعبين بعد ذلك.

ومع أنه حقق رصيدًا قياسيًا من النقاط الناجحة، ندر أن يقاربه غيره من اللاعبين. إلا أنه كان يعتبر في ذلك الحين فشلًا نوعًا ما، فطالما كان الاعتقاد بأن النجاح ضرب مستقيم من الكمال.

سخر روث قائلًا إن «كل رمية تقربه من النقطة التالية». ولكن لم يوافقه كثير من الناس وقتها؛ بل رأوا أنه يعكس إحساسًا بالتهور وانعدام المسئولية.

فعلى ما يبدو أن الفشل الملحمي يقابله نجاح غير مسبوق، فقد غير روث مفهوم الفشل المذموم إلى أمر مسموح بشكل أكبر لطريق نجاح أعظم.

ريتشارد بوكمينستر فولر (1895-1983) حائز 47 دكتوراة فخرية وفصلته هارفارد

يعتبر «فولر» أحد أهم الشخصيات الرائدة في القرن العشرين، نظرًا لإنجازاته باعتباره كاتبًا ومخترعًا ومعماريًا وأستاذًا جامعيًا.

القبة الجيوسيدية الأولى التي بناها فولر لمتحف بايوسفير في مونتريال بكندا 1967

فصل فولر من جامعة هارفرد عام 1914، وتعرض مرة أخرى للفصل، عندما حاول العودة في السنة التالية. قالت إدارة الجامعة في حيثيات فصله إنه «ينقصه الطموح».

عمل فولر بعدها في مصنع لتعبئة اللحوم، ثم التحق بتدريب في البحرية الأمريكية. وعندما رزق بابنته الأولى «ألكسندرا» عام 1918، أصيبت بالتهاب السحايا وشلل الأطفال؛ فترك العمل للبقاء بجانب العائلة، إلا أن ابنته توفيت في عام 1922، وتركته المأساة في حالة من الأسى والعجز، لعدم قدرته على توفير مأوى لها.

طور فولر بعدها مع والد زوجته «جيمس مونرو» طريقة جديدة لإنتاج المباني الخرسانية عام 1927باستخدام الطوب المضغوط، لبناء مبانٍ قوية.

فشلت محاولات فولر في تحقيق أية أرباح من الشركة، فبيعت لشركة أخرى، وطُرد فولر من عمله بصفته رئيسًا للشركة.

رأى فولر أنه فشل فشلًا ذريعًا، وفكر في الانتحار، لكنه صرف نظره عن الأمر، بعد أن أدرك أن عليه مسؤولية لوضع خبراته في خدمة الآخرين؛ فعكف عامين منعزلًا لتحقيق ذلك.

بحث فولر عن طرق تكنولوجية لتغيير طريقة بناء المنازل بشكل ثوري. وفي عام 1933 أسس فولر شركة «ديماكسيون» لبناء منازل رخيصة الثمن تشبه الطبق الطائر، ويمكن تفكيكها بسهولة ونقلها لأي مكان وتركيبها. تبعها بنماذج لسيارات جديدة، عُرضت بمعرض شيكاغو الدولي عام 1935، ولكن قوبلت بردود فعل سيئة من الصحافة، بعد تعرضها لحادث غير متوقع.

كانت البيوت التي صممها وأطلق عليها «ديماكسيون»، بداية الطريق لسلسلة من الاختراعات حاز عن طريقها 25 براءة اختراع. انطلق بعدها فولر فقدم للعالم القبة الجيوديسية التي كان أول من صممها عام 1948، وهي قباب خفيفة تتحمل الوزن والظروف القاسية وقليلة التكلفة.

كتب فولر 30 كتابًا، وحاز العديد من الجوائز في الهندسة والعلوم والصناعة والتصميم، وفي عام 1983 تسلم الوسام الرئاسي للحرية اعترافًا بمساهماته، وهو أعلى وسام يقدم للمدنيين، وأصبح الطالب الذي طردته جامعة هارفرد، أستاذًا جامعيًا وصاحب 47 شهادة دكتوراة فخرية من جامعات داخل الولايات المتحدة وخارجها.

كانت تصميمات فولر تتولد من فلسفته الخاصة بـ«فعل الكثير بواسطة القليل»، ولكن على ما يبدو فإن فولر نجح في فعل الكثير حقًا، لكن بعد أن بذل الكثير أيضًا.

جاك لندن (1876-1916)الكاتب الذي رفضت أعماله 600 مرة

بدأت معركة جاك في التفكير فيما يريده في الحياة. عاد لمنزله عازمًا على أن يصبح كاتبًا أو يهلك في طريقه لذلك.

جاك لندن

كان جاك مزاجيًا ويكره القيود، ويقول عن نفسه أنه مهمل؛ لكنه يعود فيضيف أنه حارب هذه الصفات بشخصيته. فعُرف وسط زملائه بتمكنه من تحويل هذه الطبيعة لانضباط صارم، ودافع نحو النجاح لا يتزعزع.

عكف جاك على كتابة ألف كلمة يوميًا، لمدة ستة أيام في الأسبوع، يقول لصديقه في أحد خطاباته إنه: «واثق من تطوره بشكل أفضل بهذه الطريقة، عن العمل على فترات متقطعة وغير منتظمة».

ظل جاك يكتب الألف كلمة يوميًا بقية حياته، مهما كان متعبًا أو مريضًا، وبغض النظر عن حالته النفسية والصحية، وسواء كان في عطلة، أو ضربت عاصفة البلاد، أو كان ذاهبًا للحرب. و ظل يكتب سواء كان يشعر بالإلهام أو لا؛ فلطالما آمن أن النجاح يعود للمجهود والإرادة، وأن التحجج بعدم وجود الإلهام، ذريعة للكسل والجبن.

انكب جاك على صقل موهبته بدراسة أعمال كبيرة لكتاب آخرين. انفجرت حاسة الكتابة لديه؛ فواصل الليل بالنهار على آلته الكاتبة، يكتب بغزارة المقالات والقصص والقصائد.

أرسل جاك أعماله إلى الصحف والمجلات، وتوقع أن يقرع النجاح أول أجراسه؛ لكنه مُني في كل مرة يرسل فيها أحد أعماله برسائل تعج بالرفض. ونصحه أحد المحررين بالبحث عن مهنة أخرى.

لكنه جمع رسائل الرفض جنبًا إلى جنب أعماله، وعاد ثانية إلى آلته الكاتبة. ضاعفت شهور من الرفض جهوده الكتابية، التي استنفدت قواه العقلية والجسدية، فبعد خمسة أشهر من المحاولة لم تُنشر له سوى قطعة واحدة من خمسين أخرى.

أصبح جلد شاك شاحبًا لعدم تعرضه للهواء والشمس، وبرزت عظامه ونحل جسمه، واضطر لرهن عديد من ممتلكاته لشراء الغذاء، لكنه أصبح مدينًا لصاحب المقالة مع ذلك.

داهمته الوحدة والاكتئاب، وشعر جاك برغبة في التخلي عن الكتابة، وحتى عن الحياة.

وفي سن الثالثة والعشرين، استسلم جاك لإرضاء أهله ورفاقه؛ فعمل ساعي بريد ليؤمن لنفسه ولعائلته المال المطلوب. شجعته والدته فيما بعد على ترك العمل وملاحقة حلمه، لكنه رفض خوفًا من أن يكون الفشل حليفه؛ ولكنه استمر في مساعيه نحو الكتابة.

لاحت بارقة ضوء بعد ستة أشهر، عندما تسلم جاك رسالة مفادها قبول عمليه«To the Man on Trail» و«The White Silence».

إلا أن ضوء أعمال جاك سطع أخيرًا في عام1899 ، بعد نشر عمله «An Odyssey of the North»، لتنهال عليه بعدها تعليقات النقاد الإيجابية، فاتخذ جاك الكتابة أخيرًا عملًا بدوام كامل.

بلغ نجاح جاك العنان برائعته الكلاسيكية The Call of the Wild عام 1903. بيعت ملايين النسخ من هذا الكتاب على مدار أكثر من قرن، وأصبحت أكثر الروايات قراءة في الأدب الأمريكي.

هنري فورد (1863-1947): الرجل الذي خسر سمعته

هنري فورد مع زوجته يركبان أول نموذج سيارة من صنعه

تعد شركة فورد، إحدى أضخم إمبراطوريات صناعة السيارات في عصرنا الحالي، وهي علامة بارزة على النجاح الفائق والجودة العالية في هذا الميدان. إلا أنه يصعب تصور كون السمعة التي تتحلى بها هذه الإمبراطورية، تعود لتاريخ فشل سيء، أفقد صاحبها سمعته وثقة العملاء والمستثمرين معًا.

كان «هنري فورد» شابًا في الثالثة والعشرين من عمره، عندما وقع نظره على محرك يعمل بالغاز جذب انتباهه، فالتحق بالتدريب باعتباره ميكانيكيًّا، و عمل على كل الأجهزة التي وقعت تحت يديه.

عمل فيما بعد كبير مهندسين في شركة «إديسون» المسؤولة عن توفير الإضاءة لكامل المدينة، ومع ضغوط عمله الكبيرة؛ كان يقضي أوقاته خارج العمل في التعرف على المحركات الجديدة في ذلك الوقت، على أمل تحقيق حلمه في صناعة سيارة تسير بالبنزين. فبنى ورشة خاصة لبناء المحركات من الخردة.

أطلق هنري نموذجه الأولي من السيارات، ولكنه فشل؛ فلم يكن ليصمد وسط العالم التنافسي في صناعة السيارات. وانطلق في العمل على تطوير نموذج آخر، كان أفضل كثيرًا من سابقه.

احتاج هنري دعمًا لمشروعه، فبحث عن وسيلة لرأس المال. وجد ضالته في «ويليام ميرفي» أحد أبرز رجال الأعمال في ديترويت.

أنشأ الاثنان «شركة ديترويت للسيارات»، وبعد عشرة أيام ترك هنري عمله المربح في شركة إديسون التي عمل فيها على مدار ثمانية سنوات.

ولكن سرعان ما بدأت المشاكل في الظهور. تلقى هنري عديدًا من شكاوى العملاء حول ارتفاع الأسعار وتدني الجودة. اكتشف أن نموذجه يحتاج الكثير من التعديلات، وتغيير قطع الغيار، وهو ما احتاج لوقت طويل. أضاع فورد أموال المستثمرين وبدأت الشركة في الانهيار وأفلست عام 1900.

منح المستثمرون هنري فرصة ثانية، وجعلوه كبير المهندسين. إلا أن جهود هنري باءت بالفشل. أثار الأمر أصحاب رأس المال، الذين فقدوا ثقتهم في فورد، والذي بدوره شعر بالضيق من تدخلاتهم المستمرة في أساس العمل. أعلنت الشركة إفلاسها وقام مجلس إدارة الشركة بحلها في 1901 بعد عام ونصف من بدايتها.

تعلم هنري من أخطائه، وقرر البحث عن مستثمر يمنحه الاستقلال الكافي للعمل. كان من الصعب على هنري إيجاد مستثمر آخر نظرًا لسمعته بعد فشل شركته مرتين، وخسارته لنقود المستثمرين مرتين.

وضع هنري رهانه على الفرصة الثالثة، ولكنه تمكن من العثور على شريك مناسب يتحلى بروح المغامرة مثله. أطلق الاثنان شركة فورد للسيارات عام 1903، والتي أصبحت إحدى الشركات القلائل، التي صمدت في العصر التنافسي لسوق السيارات في ذلك الحين وحتى الآن. وصار فورد أحد أغنى الأثرياء على مر التاريخ.

عرض التعليقات
تحميل المزيد