ما تزال الأندلس، بقرونها الإسلامية الثمانية وأخبارها، وعلوِّها، وسقوطها، ونسيبِها، ومراثيها، وأفراحها، وأتراحها، وفتوحها، ونزوحها، حاضرة في الوجدان العربي الإسلامي، بالرغم من أن أكثر من خمسة قرون تفصلنا عن الفصل الأخير من رحلة السقوط الشجيَّة، التي أنستْ ما تقدَّمَها.

ولأن التاريخ لا يمل من تكرار نفسه – وإن اختلفت بعض التفاصيل – لاسيَّما لدى الأمم التي لا تجيد الاستفادة من دروسه القاسية، فلا غروَ أن نعود إلى صفحات التاريخ الأندلسي، لنرى في مرآتها بعضًا – أو كثيرًا – من حاضرنا ومستقبلنا. لا سيما وأن الأندلس كانت تجربة إنسانية حافلة، كاملة المنحنى، صعودًا وعلُوًّا، وذروةً فانكسارًا، فسقوطًا؛ ففناءً.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
بصمات العرب لا تزال حاضرة.. مدن أوروبية ظلت محتفظة بأسمائها العربية

الطريق إلى الأندلس من هنا

بدأت إرهاصات فتح الأندلس بعد فتح مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 20هـ. في ظل الصراع المفتوح بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية، كان من الطبيعي أن يبادر المسلمون بالانطلاق غربًا، وافتتاح الولايات الرومانية في شمال قارة أفريقيا، والتي كانت تسمَّى اختصارًا بولاية إفريقيَة. شهد عام 27هـ انتصارًا ضخمًا للمسلمين على حاكم إفريقيّة الروماني جرجيروس في موقعة سُبَيْطِلة في تونس الحالية، ثم استولوْا على عاصمته سبيطلة، وخرَّبوها.

على مدار عشرات السنين التالية، وفي موجاتٍ متتالية من الكر والفر، وعبر عشراتٍ من المعارك والحروب الضارية، خاصة في حقبة الإمبراطورية الأموية، والتي تميَّزت بالنشاط العسكري والتوسعي، في طرفيْ الدولة شرقًا وغربًا، تمكَّن المسلمون من إحكام سيطرتهم على كامل ولاية إفريقيَّة حتى ساحل المحيط الأطلسي، مستغلين سوء أحوال تلك المناطق تحت الحكم البيزنطي، وتفكك أجزاءٍ هائلة منها تحت حكوماتٍ محليةٍ عدة.

كان من المنطقي أن يتطلع المسلمون بعد ذلك إلى الشاطيء الشمالي من الزقاق – مضيق جبل طارق حاليًا – والذي تراه عيونهم المجرَّدة في الأيام الصافية، حيث الأندلس. ظروفٌ أندلسية شبيهة بما كان في إفريقيَّة، جعلت الأندلس كالثمرة الناضجة، التي لا تنتظر من المسلمين سوى مد أيديهم والتقاطها. لقرنين من الزمان، كانت الأندلس تحت حكم القوط، والذين تعود أصولهم إلى القبائل البربرية التي اجتاحت أوروبا من شمالها إلى جنوبها في القرن الخامس الميلادي، وأجهزت على الإمبراطورية الرومانية الغربية، وتقاسمت السيطرة على مختلف مناطق القارة.

قبل عقود من الفتح الإسلامي، كانت حكومة القوط في الأندلس قد نخرها الفساد حتى النخاع، واستأثرت طبقة متناهية الصغر من الأمراء ورجال الدين بالشطر الأعظم من خيرات البلاد، بينما كان يعاني الغالبية العظمى من الشعب لتأمين ما يسد الرمق. كذلك كان الصراعات السياسية على الحكم تزيد الدولة وهنًا على وهن، وتغرس الأحقاد بين المتنافسين، حتى آل الحال إلى استعداد بعضهم للتحالف مع الغزاة المسلمين ضد خصومهم، وإن كان الثمن هو خروج الأندلس من الحكم القوطي إلى الأبد.

«علموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا، ذهبت ريحكم وتعوضت. القلوب عن رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة». من خطبة منسوبةٍ إلى طارق بن زياد

في رمضان عام 91هـ، جسَّ المسلمون النبض بغزوة عابرة قادها القائد البربري طريف، والذي عبرَ الزقاق، ثم أغار على جنوبي الأندلس، وعاد بالسلامة والغنيمة، ودونما مواجهة أية مقاومة تُذكَرْ. في العام التالي اقتحم طارق بن زياد المضيق بصحبة 12 ألف مقاتلًا مسلمًا جلُّهم من البربر، بأمر والي إفريقية والغرب موسى بن نصير، وتوغّل شمالًا، حتى اصطدم بملك القوط لذريق – كما تسميه المراجع العربية – في معركة فاصلة جنوبي الأندلس، انتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا، وخسر لذريق خلالَها عرشه وحياته، وكان ما تلا تلك الموقعة الفاصلة أشبه بتحصيل الحاصل.

أرسل طارقُ مغيثًا الرومي في 700 فارس، فاقتحم قرطبة عبر ثغرةٍ في سورها. ثم تتابع سقوط قواعد وسط وجنوبي الأندلس دون مقاومة تذكر في أسابيع معدودات، ثم افتتح المسلمون طُليطلة عاصمة الأندلس القوطية دون كبيرَ مقاومة. ثم عبر موسى بن نصير بنفسه إلى الأندلس ليستكمل مع عامله طارق بن زياد رحلة الفتح الظافرة، فتوغلا شمالًا إلى أقاصي مملكة القوط الآفلة، حتى ساحل المحيط، وخط التماس مع جنوب فرنسا.

كان المسلمون الفاتحين الأقل وطأة في تاريخ تلك البقاع، وهذا ما فسّر السقوط الذريع السريع للحكم القوطي، دون بواكٍ من الغالبية العظمى من أهل الأندلس، رغم كونهم مسيحيين كالقوط، بل ساعد بعض هؤلاء المسلمينَ في بعض مراحل الفتح، كفتح مدينة قرمونة شديدة التحصين، ولعل للتسامح الديني النسبي الذي طبقه المسلمون دورٌ في ذلك القدر من الانفتاح الذي استقبلهم به الأندلسيين الأصليون. لتبدأ مرحلة طويلة ومتصلة من الانصهار بين عناصر الفتح عربًا وبربرًا وسواهم، وهؤلاء السكان. وتغلغل الإسلام شيئًا فشيئًا في التربة الأندلسية،  ليتشكّل من هذا المزيج، الشعبُ الذي صنع الحضارة الأندلسية التي كانت إحدى ذرى سنام قرون المجد الإسلامية في الزمن الذهبي.

لكن ما كان لبريق الانتصار الحاسم، أن يخفيَ وجهًا آخر، كانت رحِمُ النصر فيه حبلى بأجنّة الهزيمة، التي ترعرعت شيئًا فشيئًا حتى أهلكت أمها، وورثَتْها، وجحدتْها، وألقتها منبوذة على قارعة طريق التاريخ.

  «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد العزيز إلى تدمير، أنه نزل على الصلح، وأنه له عهد الله وذمته أن لا ينزع عنه ملكه، ولا أحد من النصارى عن أملاكه. وأنهم لا يقتلون ولا يسبون، أولادهم ولا نساؤهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا تحترق كنائسهم ما تعبد ونصح، وأنه لا يأوى لنا عدوًا، ولا يخون لنا أمنًا ولا يكتم خبرا علمه». *من كتاب صلح عبد العزيز بن موسى بن نصير، إلى أحد الزعماء المسيحيين في شرق الأندلس.

الأندلس.. ما بين الفتح والسقوط ليس 8 قرون

في الرواية التقليدية لقصة الأندلس الإسلامية، فإن الفاصل بين فتحها عام 92هـ، وسقوط غرناطة عام 897هـ، آخر المعاقل الإسلامية، في قبضة الاسترداد الإسباني الكاثوليكي، هو ثمانية قرون. لكن فعليًا لم يكن الفاصل بين الفتح والسقوط بكل ذلك الطول، إذ كان أقصر كثيرًا، فقد غُرسَت بذور السقوط مع أيام وشهور الفتح الأولى، بل سبق بعضُها الفتحَ بسنواتٍ طويلة، والتي كان من أسبابها.

1. الاستبداد والاستئثار الأموي

بالرغم من القوة الظاهرة للإمبراطورية الأموية، وهيمنتها على شطر واسع من العالم القديم، من حدود الصين شرقًا حتى الأندلس غربًا، فإن شرعية حكم الأسرة الأموية للأمة الإسلامية، وتوارث عرش الخلافة، كانت دائمًا محل شكٍّ وتنازع، خاصة مع التباين الكبير في فلسفة الحكم ووسائله مقارنةً بعصر الخلفاء الراشدين. لم تمرُّ بضعة سنوات من العصر الأموي دون ثورة عاتية أو تمرد كبير، كان يقمعها الأمويون بسقفٍ مفتوح من الدماء والدسائس والمؤمرات، وكان الأساسُ لدى الأمويين في اختيار ولاة أقاليم الدولة، هو الولاء قبل الكفاءة، والاستعداد لحرق الأخضر واليابس في سبيل تثبيت الحكم الأموي، وحفظ هيبة دولته، وكذلك الجد في جباية الأموال من الناس، ولو عسفًا.

Embed from Getty Images

إذًا لم يحمل المسلمون إلى الأندلس مبادئ الإسلام العظيمة، وأحكامه العادلة، وروح شرعه المنفتحة للاختلاف وللجدال بالتي هي أحسن فحسب؛ إنما أتوها وهم محمّلون أيضًا بالميراث الاستبدادي الأموي، وواقع الملك العضوض، وما يحفُّ به من عصبية ومطامع وتنازع على الثروة والسلطان. فكان تاريخ الأندلس السياسي والعسكري أشبهَ بدوامةٍ متصلة من الحروب الداخلية، والتي نخرتْ في دعائم صرحها الحضاري، وجعلت انحدارَها وسقوطَها مسألة وقت.

خلال نصف قرن بعد فتح الأندلس، وهو ما يُعرَف بعصر الولاة، حيث كان يحكم الأندلس مبعوثٌ بكتابٍ من دمشق البعيدة، لم تستقر أحوال الأندلس إلا قليلًا،  وشاعت الصراعات بين قادة الجند، وزعماء القبائل العربية والبربرية على منصب الإمارة، وآل مصائر عدد غير قليل من ولاة الأندلس إلى القتل أو العزل. وكانت أعنف الفتن والاضطرابات في عصر الولاة، تلك التي اندلعت بين قبائل العرب المضرية واليمنية، وهلك فيها عشرات الآلاف، واستغلها خصوم الأندلس، فطرد الفرنجةُ المسلمين من جنوبي فرنسا، ودفعوهم ما وراء جبال البرينيه، إلى داخل شبه جزيرة أيبريا.

2. إشكالية العرب والبربر

بالرغم من قيام القائد البربري طارق بن زياد بدورٍ قياديٍ في فتح الأندلس، فإن القاعدة العامة في جيوش الأمويين، ومنها جيوش فتح الأندلس، كانت التمييز السلبي بين العرب والبربر، فاستأثَر الأولون بمعظم  المناصب القيادية، ومغانم الحكم والثروة في الأندلس، وسكنوا غالبية المدن الخصيبة، والسهول الغنية، فكان هذا التمييز سببًا دائمًا في نقمة الأخيرين، ونزوعهم على مدار فترات التاريخ الأندلسي للثورة، والرغبة في القفز على عرش الأندلس، ليتمكنوا من ذلك لاحقًا في عصر الفتنة الأندلسية الكبرى أوائل القرن الخامس الهجري – والتي يمكن اعتبارَها حربًا أهلية كبرى بس الأندلسيين من عرب وسواهم، والبربر – وما تلاه من عصر الطوائف.

تلك الفتن والصراعات القبلية استنزفت الكثير من قوى الأندلس، وأضعفتها أمام الغزو الخارجي، وكذلك أمام مطامع ذوي القربى على الجانب الجنوبي من الزقاق، لتفقد الأندلس استقلالها بعد أربعة قرون من الفتح، ليحكمها الدول المغربية كالمرابطين، ثم الموحدين، قبل أن تسقط القواعد الأندلسية الكبرى تباعًا في النصف الأول من القرن السابع الهجري، عندما هَرِمَت دولة الموحدين، وأصبحت الأندلس بلا سيفٍ ولا ترس أمام ضربات حرب الاسترداد المسيحية.

3. غواية الأندلس

كانت الأندلس تفيض بالخيرات والموارد الكثيفة، والتي أسالت لعاب الفاتحين المسلمين عربًا وبربرًا، وأطلقت المطامع إلى عنان السماء، إذ لم تكن الدنيا والمغانم بعيدةً عن أذهانهم البشرية ووجدانهم. لم يكن غريبًا أن يحدث بعض المشاحنات أثناء توزيع غنائم الفتح، واتهام بعض القادة للبعض الآخر بالاستحواذ على ما ليس من حقهم منها. لم يقتصر التنازع على ثروات الأندلس على فترة الفتح، وإنما استمرت العدالة الغائبة في توزيع تلك الثروات في غالبية العصور الأندلسية، وقودًا للكثير من الفتن والثورات.

خلال الفاصل الإصلاحي القصير الذي مثّلَه عصر الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز، والذي كان بدأت خلافته بعد سبع سنواتٍ من فتح الأندلس، أوشك الرجل على إلغاء فتح الأندلس، وسحب المسلمين منها، قبل أن يُفني بعضهم بعضًا في صراعات الحكم والثروة، خصوصًا مع بعدها عن عاصمة الخلافة، والذي يشجع نوازع التمرُّد والأثرة، لكن عدل عمر عن هذا القرار، وأرسل عام 100هـ السمح بن مالك الخولاني واليًا من طرفه على الأندلس، فأحسن السيرة لعاميْن، قبل أن يسقط في أثناء في موقعة تولوز عام 102هـ، أثناء توغله في جنوبي فرنسا. وتعود أحوال الأندلس ثانية إلى التذبذب بين الاستقرار والفوضى، والصعود والهبوط.

4. ما بين موسى وطارق

من أكثر الفصول إثارة للجدل والتعجب، والتي تُؤطِّر الجانب الفارغ من كوب فتح الأندلس، الفصل المتعلق بالعلاقة بين الرجلين اللذيْن اقترن اسمهما في التاريخ بفتح الأندلس، وهما موسى بن نصير، وطارق بن زياد، وكذلك مصير كلا الرجليْن.

بعد سيل الانتصارات السريعة التي حققها طارق بعد اقتحامه الأندلس، عبر قائده موسى بن نصير بنفسه إلى الأندلس، وبدلًا عن الاحتفاء بقائد جيشِه طارق، تنقل كتب التاريخ صدامًا كبيرًا بين الرجليْن، اتهم موسى خلاله طارقًا بالسرقة من الغنائم، وعصيان أوامره، والاندفاع في التوغل في أرض العدو دون مشورة، وتصل بعض الروايات إلى حد ادعاء أن موسى جلد طارقًا بالسوط، ثم سجنه، قبل أن يعفو عنه بعد حين، بعد أن استرضاه طارق، ثم استكمل بنفسه – موسى – فتح ما تبقى من الأندلس. عزَّزت تلك الأحداث، ظن الكثيرون أن الغيرة قد تمكَّنت من موسى تجاه طارق، وأنه خشيَ من استئثار الأخير بكل أمجاد الفتح.

بعد حين، ورد كتابٌ من الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك، يستدعي كلا الرجليْن – موسى وطارق – إلى دمشق. رجحت بعض المصادر التاريخية أن السبب وراء هذا الاستدعاء كان ما وصل إلى الخليفة من أخبار الغنائم الهائلة في فتح الأندلس، وكذلك الخلاف الشديد بين القائديْن، وخطورته على وضع المسلمين الحرج في تلك البقعة البعيدة.

ترك موسى ابنه عبدَ العزيز واليًا على الأندلس، وعاد بصحبة طارق، ومعهما قدر عظيم من الغنائم والتحف. ما لبث موسى أن وصل إلى دمشق، حتى توفي الوليد بن عبد الملك، وخلفه أخوه سليمان، والذي كان ناقمًا على معظم رجال عصر أخيه الراحل، فاستقبل موسى بشكلٍ سيئ، واتهمه باختلاس الكثير من غنائم الفتح، وألقى به إلى السجن مهانًا، بعد أن صادَر أموالَه. ثم أطلق سراحَه بعد أشهر – بعد وساطة يزيد بن المُهلَّب، وكان مقربًا من الخليفة سليمان، وصديقًا لموسى – بل ثبَّت ابنيْه عبد الله وعبد العزيز على حكم إفريقية والأندلس على التوالي. ثم توفي موسى بعد خروجه من السجن بقليل، وكان في الثمانين من العمر.

صخرة جبل طارق في القرن 18

أما طارق، فقد أوشك سليمان على تعيينه واليًا على الأندلس، قبل أن يثنيه قائد آخر من قادة الفتح وهو مغيث الرومي – وقيل أن مغيثًا هذا كان من أهم أسباب نقمة سليمان على موسى بن نصير حتى نكبه – ويدعى أن لطارق نفوذًا كبيرًا، وشعبية جارفة في الأندلس، يُخشى منها أن تشعل نوازعه للاستقلال بها عن الخلافة. ثم تنقطع رواية التاريخ فجأة عن طارق بن زياد بعد تلك الواقعة، فلا تذكر أين عاش بعد ذلك، وماذا فعل، وإلام آل مصيره.

وفي تلك المصائر الصادمة أو المجهولة لفاتحيْ الأندلس، دلالة رمزية على ما حفَّ به هذا الفتح من شجون، وما فعلته به، وبالأندلس، أفاعيل السياسة ومكائدها، والتي كثيرًا ما حسمت مصائر الأندلس في المنعطفات التاريخية الكبرى.

5. صخرة الاسترداد

لم يصدق عشراتُ المقاتلين المنهكين أن بإمكانهم الآن مغادرة الكهوف والمغارات التي احتلُّوها، واحتلَّ ظلامُها نفوسَهم لأيامٍ طوال، لم يعرفوا ليلَها من نهارها. لم يُطِل الأعداء القادمون من وراء الزقاق – المسلمون – حصارَهم لتلك البقعة الجبلية، في أقصى شمال الأندلس، في المنطقة التي كانت تعرَف باسم جلِّيقية. لا غرو أن الفاتحين لم يكونوا مهتمين كثيرًا بإكمال القضاء على جيوب المقاومة المتحصنة في جوف جبال تلك المنطقة الجرداء، والتي كانت تُعرَف بالصخرة، فقد كانت سهولُ وجنات وسط وجنوبي الأندلس تناديهم للعودة إليها، بدل من قضاء شهورٍ صعبة، في جوف الجبال، يطاردون أشباح القوط البائدة، والذين كان عددهم لا يزيد عن 300 مقاتل صحبة ملك جلّيقيّة القوطي الفار.

في سكرة متوالية الانتصارات الساحقة  التي حقّقها المسلمون، والتي أمَّنت فتح الجزيرة الأيبرية بشكلٍ شبه كامل في بضعة أشهر، لم يتصور المسلمون أن تلك البقعة الجبلية الصغيرة، في أقصى الشمال الغربي، ستكون هي النواة الأولى للممالك المسيحية الشمالية، التي ستبدأ كفاحًا طويلًا ضد الوجود الإسلامي في الأندلس، تستغل فيه الفتن الكثيرة التي شغلت المسلمين عن مواصلة الجهاد شمالًا، والانكفاء إلى وسط وجنوب الأندلس، لتعزز هيمنتها على كامل شمال شبه الجزيرة الأيبيرية على مدار القرن الأول بعد الفتح الإسلامي، وتبدأ في تهديد الثغور الإسلامية على نقاط التماس.

وعلى مدار القرون التالية، كانت تلك الممالك تتقدم جنوبًا رويدًا رويدًا في خطواتٍ بطئية لكنها أكيدة، ثم تستغل الاضطرابات الكبرى في الأندلس للقيام بوثباتٍ خطيرة، كانتزاع ألفونسو السادس ملك قشتالة لطليطلة – قاعدة وسط الأندلس، وعاصمة القوط قديمًا – أواخر عصر ملوك الطوائف عام 478هـ، واحتلال سرقسطة، قاعدة الثغر الأعلى أواخر عهد المرابطين عام 512هـ، ثم الوثبة الضارية في النصف الأول من القرن السابع الهجري، والتي انتُزِعَت فيها قواعد الأندلس الوسطى والشرقية والجنوبية الكبرى، كقرطبة، وإشبيلية، وبلنسية، في أعقاب انهيار دولة الموحدين.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز.. عندما سبقت الحلول السياسية حد السيف!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد