هل تعرضت يومًا لمصطلح «العَلم الزائف» أو التحذير الزائف؟ هل تعرف أن الجيوش تستخدمه عادة لتبرير التدخلات العسكرية في دول أخرى؟ ذُكر المصطلح للمرة الأولى باعتباره تعبيرًا مجازيًا يدل على التدليس والتحريف، ومع زيادة الصراعات البشرية وجدت فيه الجيوش إستراتيجية ونظرية عسكرية تعتمد عليها لتكون ذريعة لتبرير أسباب شن الحروب والهجمات، وأصبحت نظرية ذات قواعد وأسس تدرس، فما هي قصة «العلم الزائف»؟

القراصنة أول من استخدموا «تكتيك» العَلم الزائف

العَلم الزائف هو مصطلح عسكري سياسي، يقصد به عملية سرية يقوم بها طرف ليلقي باللوم على طرف آخر؛ مما يمهد الطريق لأي رد فعل من جانب الطرف صاحب عملية العَلم الزائف، تهدف عملية العَلم الزائف لخلق قصص، مشاعر، وأفكار، تشغل عقول الجمهور، وتجعله يتعاطف، ويدعم، أو يكره وينفر من القصة المطروحة.

اشتق المصطلح من ممارسة القرصنة في أعالي البحار، ويقصد بكلمة العَلم، قطعة القماش الملونة المنقوشة التي تدل على اسم دولة بعينها، العَلم الذي ترفعه السفن ليعرف الجميع جنسية السفينة، كان القراصنة في الماضي حين يقتربون من سفينة تجارية للاستيلاء عليها يقومون بإنزال علم القراصنة ورفع علم دولة صديقة للسفينة؛ مما يسمح لهم بالاقتراب دون مقاومة، ومهاجمة السفينة بنجاح، ومن هنا اشتق مصطلح «العلم الزائف» للكناية عن حدوث عملية خداع.

حاليا تستخدمها الجيوش ذريعة لبدء الحروب، ويستخدمها السياسيون ضد بعضهم البعض في الحروب الحزبية، ويطلقها الحكام على الشعوب لتمرير القوانين، وتستخدمها أجهزة المخابرات لخلق وتحفيز حالات التمرد والثورة، وانتشرت الفكرة على نطاق واسع مع بداية الحرب العالمية الثانية، واستمرت في التطور على يد الولايات المتحدة الأمريكية وحروبها.

فعلى سبيل المثال انفجرت سفينة أمريكية عام 1898 في ميناء هافانا التابع للتاج الإسباني في ذلك الوقت، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية أصابع الاتهام إلى الحكومة الإسبانية وحمّلتها مسؤولية الحادث، لكن بعض المصادر زعمت بناءً على تحقيقات أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت إستراتيجية «العلم الزائف» لإشعال الحرب؛ مما مهد لإعلان الحرب على إسبانيا فيما عرف بالحرب الإسبانية الأمريكية 1898- 1902.

لكن بالعودة إلى الوراء نجد أن أولى حالات العلم الزائف الحربي ظهرت في القرن 18، حين أراد ملك السويد بولد الثالث الثأر من روسيا بسبب هزيمة حرب 1741، وكان يريد دعم الشارع والبرلمان لإعلان الحرب على روسيا، لكنه لم يتلق أي دعم، فأعطى الملك أوامر للجنود السويديين عام 1788 بارتداء الزي العسكري الروسي، ومهاجمة قرية سويدية تقع على الحدود الروسية السويدية؛ مما سمح له باتهام روسيا وإعلان الحرب عليها، فيما عرف بالحرب الروسية السويدية 1788- 1790!

هتلر وستالين يستخدمون الأعلام الزائفة لخدمة مصالحهما!

حاول الحزب النازي الانفراد تمامًا بالسلطة وقمع المعارضة عام 1933، فقام باستخدام إستراتيجية «العلم الزائف» للقضاء على الشيوعية والمعارضة في البلاد. فأُحرقت مقرات الحكومة في الرايخ بشكل متعمد، ثم ألقي القبض على شخص شيوعي واحد فقط، لكن الحكومة استطاعت إلصاق تهمة الحرق بالمعارضة، وخاصة الشيوعية، لتعطي عملية العلم الزائف – هذه – هتلر سببًا وجيهًا للقضاء على المعارضة.

وفي السياق نفسه قامت مجموعة من الجنود الألمان بتنفيذ عملية علم زائف على الحدود البولندية الألمانية قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، عندما تنكر الجنود الألمان في زي جنود بولنديين، وتوجهوا إلى قرية حدودية، وقاموا بالاستيلاء على مركز راديو وإذاعة أخبار معادية لألمانيا والحزب النازي، فاستغل هتلر عملية «العلم الزائف» تلك مبررًا لاحتلال بولندا عام 1939، وعرفت الحادثة تاريخيًا باسم «عملية جلايفتز».

احتاج النازيون للدعم الداخلي والخارجي لشن الحرب، وكانت إستراتيجية العلم الزائف هي سلاحهم السري لبدء تلك الحرب، وعليه راح النازيون يروجون قصص عن كون اليهود أعداء ألمانيا، واتهموهم بأنهم السبب في هزيمة الألمان في الحرب العالمية الأولى، ولذلك يجب التخلص منهم. وقتل هتلر الملايين اعتمادا على تلك العملية الكاذبة والتي صنفت لاحقًا عملية علم زائف، وكانت أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939.

الجيش السوفيتي أيضًا استخدم «إستراتيجية العلم الزائف»؛ ففي عام 1939 وقع قصف مدفعي شديد لقرية ماريانيلا الروسية بالقرب من الحدود الفنلندية. بعدها ألقت السلطات السوفيتية بالمسؤولية على فنلندا، واستخدم ستالين الحادث ذريعة لغزو فنلندا، إذ كانت عملية علم زائف مقنعة، أدت إلى بدء ما سمي «حرب الشتاء بين فنلندا والاتحاد السوفيتي».

جدير بالذكر أنه مع تورط أمريكا في الحرب العالمية الثانية زعم مناهضو الحرب أن الهجوم على ميناء بيرل هاربور من قبل القوات اليابانية كان عملية «علم زائف» لحث الشعب على دعم قرار دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية بجوار الحلفاء.

إستراتيجية العَلم الزائف تزدهر على يد أمريكا وحلفائها

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية زاد استخدام إستراتيجية العلم الزائف على يد الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وإسرائيل طوال فترة التسعينات.

فقد اعترضت بريطانيا على قرار رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بتأميم شركات النفط، وطلبت مساعدة أمريكا في عمل ثورة تطيح بمصدق من الحكم، وتأتي بالشاه الأكثر مرونة في مسألة النفط، تدخلت أمريكا في الثورة الإيرانية عام 1953 تحت عملية علم زائف، عندما دعمت الشاه الإيراني محمد رضا، وشنت أعمال عنف وتخريب، ومن ثم إلصاق التهمة بالشيوعيين، وعرفت هذه العملية باسم «تي بي أجاكس (TP-Ajax)».

على جانب آخر رفض الرئيس الأمريكي جون كينيدي «خطة نورث وودز» عام 1962 المقدمة من الحكومة الأمريكية لتبرير التدخل العسكري في كوبا، والتي شملت تنفيذ أعمال عنف وتخريب وتفجيرات على أرض الولايات المتحدة، يقوم بها الجيش الأمريكي بزي وشكل القوات الكوبية لتأجيج الرأي العام ضد كوبا ودعم الحرب عليها!

ومن أشهر عمليات العلم الزائف الأمريكية ما يعرف باسم حادثة «خليج تونكين» في فيتنام عام 1964، حين ادعت أمريكا تعرض إحدى المدمرات الأمريكية لمحاولة تفجير وإطلاق نار من زوارق فيتنامية، بعدها قامت المخابرات الأمريكية بتلفيق هجوم آخر كاذب بعد يومين من حادثة تونكين؛ ما سمح بإصدار الكونجرس الموافقة على زيادة التدخل العسكري الأمريكي في فيتنام.

وفي السياق ذاته نشرت وثائق عام 2003 توضح محاولة أمريكا وبريطانيا تنفيذ إستراتيجية العلم الزائف في سوريا عام 1957، وذلك عبر شن عدة هجمات حدودية على سوريا لخلق حالة من الارتباك والتمهيد لدول مجاورة موالية للغرب دخول سوريا عسكريًا، ولم تكن تلك محاولة العلم الزائف الوحيدة في الوطن العربي.

فقد ألقت السلطات المصرية القبض على مجموعة يهودية في مصر عام 1954 حاولت تنفيذ عملية «علم زائف» لصالح إسرائيل، من خلال القيام بمجموعة من عمليات التخريب، والتفجير للمباني الأمريكية والبريطانية في مصر، وإلصاق التهمة في النهاية بالإخوان المسلمين، والشيوعيين، وأنصار الحكومة، من أجل إقناع بريطانيا بعدم سحب القوات الإنجليزية من قناة السويس. واتُهمت إسرائيل أيضًا بين عامي 1979- 1983 بمحاولة تنفيذ عمليات تفجير سرية في لبنان، باعتبارها «علمًا زائفًا» وذريعة للتدخل العسكري، وراح ضحيتها العديد من المدنيين، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تعترف قط بهذه العمليات.

وأخيرًا.. نظرية المؤامرة تحارب «العلم الزائف»

اتهم البعض الحكومة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بتنفيذ عملية 11 سبتمبر (أيلول) 2001 باعتبارها عملية «علم زائف»، الهدف منها الحرب على الإسلام، واحتلال أفغانستان، والعراق، للاستفادة من الموارد الطبيعية في البلدين.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تغير مفهوم «العلم الزائف» الذي تأكد وجوده في التسعينات وأصبح المصطلح بمثابة تفسير لكل ما هو غير مفهوم وغير واضح، وجرى التسويق للعلم الزائف فيما بعد باعتباره نظرية مؤامرة يصدقها ضعاف العقول، في محاولة للتشويش على واقع العمليات السرية، واختلطت الأوراق بين معنى «نظرية المؤامرة» ومعنى إستراتيجية «العلم الزائف»، وأي حدث يقع حاليًا بسبب إستراتيجية العلم الزائف يصنف على أنه نظرية مؤامرة ومحتوى كاذب.

فيعتقد الكثيرون أن أحداث 11 سبتمبر أحداث مفتعلة وعملية علم كاذب، كما يرون أيضًا عملية إطلاق النار العشوائي عام 2012 في مدرسة ساندي هوك الابتدائية، عملية علم زائف، لمساعدة الرئيس أوباما على تمرير قوانين حظر على الأسلحة الصغيرة.

واتُهمت روسيا بقيادة عملية علم زائف بشكل إلكتروني، مع ظهور جماعات التمرد الإسلامي وانتشارها في الشرق الأوسط، واستخدام الكرملين عشرات الهاكرز من الجماعات المتشددة وغيرها في التجسس لصالح الكرملين. بينما يرى البعض أن الهجوم على الجريدة الفرنسية الساخرة «شارلي إيبدو» كان عملية علم زائف هدفها تشويه مسلمي أوروبا والمهاجرين.

حتى أن البروفيسور ستيفين غرير يؤمن أن ظاهرة «الأطباق الطائرة» ما هي إلا عملية علم زائف تقوم بها أمريكا لتوحيد العالم تحت قيادتها يومًا ما ضد الغزو الفضائي المحتمل!

وأخيرًا وصلت نظريات العلم الزائف إلى ساحة الحروب الحزبية الأمريكية، ففي مسح أجرته جريدة «واشنطن بوست» عام 2014 أجاب أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالإيجاب وبالتساوي على ما إذا كانوا يؤمنون بجملة: «يجري التحكم في جزء كبير من حياتنا من خلال مؤامرات محاكة في أماكن سرية!».

وفي عام 2018 ظهرت معارك حزبية بين الديموقراطيين والجمهوريين اتهم فيها كل منهما الآخر بمحاولة تنفيذ عملية علم كاذب للتأثير على الانتخابات؛ إذ امتلأت الأخبار بإرسال طرود تحتوي قنابل تفجير لكل خصوم ترامب السياسيين، ومنهم جو بايدن، وباراك أوباما، وبيل وهيلاري كلينتون، وحتى مبنى «سي إن إن»، وفي المقابل اتهم ترامب وأنصاره الخصوم بمحاولة تنفيذ عملية علم زائف للتأثير على الناخبين لصالح طرف ما. لكن – وكما ذكرنا في بداية هذه الفقرة – أصبح من الصعب التعرف على أية عملية من عمليات «العلم الزائف» في الوقت الحالي؛ إذ يصعب حاليًا التفريق بين «العلم الزائف» و«نظرية المؤامرة»!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد