تعتبر الشركات العائلية في منطقة الخليج العربي بمثابة العمود الفقري لاقتصاد هذه الدول، إذ تشكل 70% من الثقل المالي والاقتصادي فيها، وتشغل 20 ألف شركة منها أكثر 15 مليون موظف.

اليوم تحيط بهذه الشركات مجموعة من المخاطر، أدت إلى تجميد 13 مليار دولار من أموالها في الأيام الأخيرة، ويرجع خبراء الاقتصاد ذلك إلى الخلافات الناجمة عن انتقال ملكية الشركات للجيل الثاني. إذ تحذر الإحصاءات العالمية من أن 15% فقط من هذه الشركات ستكون قادرة على مواصلة خلق قيمة أفضل للجيل الثالث، كما أن هناك تحديات أخرى تواجه هذه الشركات، يذكرها تقرير “ساسة بوست” التالي.

 

ماذا تعرف عن الشركات العائلية في منطقة الخليج؟

 

تحتل الشركات العائلية قطاعًا اقتصاديًّا كبيرًا في دول الخليج، وتتوزع بين أهم مرافق الدول الاقتصادية كالتطوير العقاري والسفر والسياحة والطيران والخدمات اللوجيستية.

وعلى مدى العقدين الماضيين، تسارعت مساهمة الشركات العائلية في دول الخليج حتى أصبحت حوالي 80% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وتمثل كذلك 35% ضمن أكبر 500 شركة عالمية فهناك 20 ألف شركة عائلية خليجية يصل مقدار استثماراتها المحلي إلى أكثر من 750 مليار دولار، ويبلغ إجمالي ثرواتها واستثماراتها العالمية أكثر من تريليوني دولار، مما يعني أن إجمالها المحلي والعالمي يبلغ 2.75 تريليون دولار.

بدأت هذه الشركات كمنظمة مشاريع قبل 50 أو 60 عامًا، تتوزّع على نحو عشرة آلاف شركة ومؤسسة تجارية وصناعية وخدمية، توظّف الآن هذه الشركات 15 مليون عامل مواطن وأجنبي أي 75% من العاملين في القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ما هي التحديات التي تواجه الشركات العائلية في الخليج العربي؟

 

الخلافة

يؤكد خبراء الاقتصاد أن الخطر الأكبر الذي تواجهه هذه الشركات هو الجيل الثالث الذي يفتت الثروة المتراكمة، فنقل الإدارة بين أفراد العائلة أحد أبرز التحديات التي تواجه الشركات العائلية، إذ أن الغالبية من هذا الجيل يتمتع بأداء إداري سيء، من السهل أن يبدد الثروة الضخمة التي جمعها المؤسسون طوال السنوات الماضية، وذلك بسبب عدم وجود إستراتيجية واضحة بين الورثة حول الإدارة والصلاحيات.

وتكشف التقارير أن 70% من الشركات العائلية تواجه خطر الزوال بسبب تعاقب الأجيال، إذ يدير 33% من هذه الشركات الجيل الثاني من العائلة، فيما 15% فقط يديرها الجيل الثالث من العائلة.

ويوضح تقرير أعدته شبكة الشركات العائلية لمجلس التعاون الخليجي أن: “80% من الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي ستواجه تحديًا يتعلق بنقل الخلافة من جيل إلى آخر خلال السنوات الـ10 المقبلة، أي انتقال أصول تبلغ قيمتها التقديرية نحو تريليون دولار (نحو 3.67 تريليونات درهم) إلى الجيل التالي من الشركات العائلية على مدار 10 سنوات مقبلة في الشرق الأوسط”.

العولمة

واحد من أهم التحديات التي تواجه الشركات العائلية بالخليج هي العولمة، فتحول الاقتصاد العالمي إلى ما يشبه السوق الكبيرة المتداخلة والمنفتحة على بعضها البعض وانفتاح الأسواق وإزالة القيود أمام الحركة التجارية والاستثمارية عبر دول العالم انعكس بالسلب على هذه الشركات، وبقي تأثير العولمة على تلك الشركات رغم أنها واجهته بعدة إستراتيجيات، كالتحول إلى شركات مساهمة عامة، وتوسيع وتنويع نشاطاتها سواء جغرافيًّا أو قطاعيًّا، وبناء نموذج أعمال متميز يسمح لها بالبقاء.

الحوكمة

أخذ تراجع وعدم استقرار أسعار النفط يشكل تحديًا جديدًا لتسريع حوكمة الشركات العائلية، فدخول الشركات العالمية إلى السوق المحلية فرض نظامًا يجبر تلك الشركات على التحول صوب الحوكمة خلال السنوات العشر المقبلة، لتزيد عدد الشركات المساهمة في الخليج بنسبة تراوح بين 15 و20%.

ويدعو المختصون إلى حوكمة تلك الشركات عبر إنشاء مجالس العائلة وفصل الملكية عن الإدارة وبناء إستراتيجيات فعالة وإعادة الهيكلة والاستعانة بالموظفين الأكفاء، لبقاء الشركات العائلية بقوتها الراهنة.

هل هناك حلول لمواجهة التحديات الخاصة بالشركات العائلية؟

رغم المعيقات السابقة إلا أن الشركات العائلية ما زالت تتمتع بالمرونة والصمود، ويحاول مالكوها وخبراء الاقتصاد البحث عن أفق للخروج من الأزمات التي تحيط بهذه الشركات.

ويوضع على رأس هذه الحلول – حسب الخبراء الاقتصاديين – تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة، فالشركات التي تحوّلت للمساهمة نجحت في الخروج من الأزمات ورفعت قيمتها السوقية، كما تنهي المساهمة مشكلات الملكية والتمويل الإدارية من خلال توفير الخبرات الإدارية التي تتولى وضع هيكل إداري واضح للشركة.

ويرى الرئيس التنفيذي لمجموعة “سدكو” القابضة أنيس أحمد مؤمنة أنه: “من أجل اتباع نظام حوكمة سليم في سبيل نجاح نمو الشركات يجب تكريس مفاهيم الحوكمة الرشيدة التي تعدّ صمام الأمان لاستمرارية هذه الكيانات التي ما زالت تسهم بشكل فاعل في نمو الاقتصاد السعودي”، وأضاف إن: “تطبيق نظام الحوكمة يمنح الشركة القدرة على تحليل الفرص الاستثمارية ويعزز السمعة التي تجعل من الشركة شريكًا مثاليًا للشركات الباحثة عن المستثمرين ورؤوس الأموال”.

من جانبه، يشير عضو مجلس الغرف السعودية عبد الله مرعي بن محفوظ إلى أن: “وزارة التجارة وهيئة سوق المال، ذهبت لمساعدة هذه الكيانات الكبيرة للتحوّل إلى شركات مساهمة عامة وتدرج في السوق، فيما تتمثل المرحلة الثانية بسرعة حوكمة الشركات، من خلال وضع نموذج تتمكن فيه الغالبية في الشركة من وضع إستراتيجيتها”.

كما تطرق إلى أن: “وزارة التجارة تعمل منذ خمس سنوات على نظام الشركات الجديد، الذي من المتوقع أن يصدر قريبًا، وهذا النظام سيسهّل من عملية دخول الشركاء، ومن خلاله توزّع المهام ويفصل مجلس الإدارة عن الإدارة التنفيذية”.

ما مدى مساهمة المرأة الخليجية في الشركات العائلية؟ وما هي التحديات التي تواجهها؟

تشغل المرأة الخليجية في الشركات العائلية مناصب مرموقة، سواء كانت مساهمة أو عضوًا في مجالس الإدارات، إذ ارتفعت نسبة تقلد المرأة في الشركات العائلية الخليجية للمناصب الإدارية العليا من 19% في 2004 إلى 24% في 2014، محدثة نقلة نوعية في الشركات التي تعمل بها، بعد أن طورت معايير تحسين الظروف الاقتصادية والفرص المالية لهذه الشركات.

ورغم أن الشركات الخليجية عززت من مكانة المرأة وإسهامها في النمو الاقتصادي إلا أنها تعاني من معوقات في الشركات العائلية، أهمها المفاهيم الثقافية للمجتمع الشرقي، و الفجوة بين متطلبات العمل ومستوى تعليم وتدريب المرأة، إضافة إلى قلة الاهتمام أو ضعف التحفيز لدى المرأة للمشاركة في أعمال العائلة، كما أن احتدام المنافسة في العائلات الكبيرة للحصول على مناصب محدودة في الإدارة العليا قد يأتي على حساب المرأة كونها امرأة فقط.

تقول المديرة التنفيذية لمركز السيدة خديجة بنت خويلد بسمة العمير أن من أهم المعيقات التي تواجه المرأة في تلك الشركات: “سيطرة الخلفية الثقافية للمجتمع الذكوري والفجوة الشاسعة بين متطلبات الأعمال ومدى تعليم المرأة أو تدريبها، إلى جانب فقدان المرأة للاهتمام أو الحماس فضلًا عن المنافسة الشرسة داخل العائلات الكبرى على عدد محدود من الأدوار الرئيسية”.

وتحدد دراسة مشتركة صادرة عن مركز السيدة خديجة بن خويلد بالغرفة التجارية بجدة وشركة “ستراتيجي &” ثلاث مجالات أساسية يمكن أن تدعم مساهمة المرأة في الشركات العائلية الخليجية، تتمثل تلك المجالات في: “مستوى التعليم العالي للمرأة، بالإضافة إلى نمو مشاركة المرأة في القوى العاملة وفي ريادة الأعمال بشكل تدريجي، إلى جانب مبادرة الشركات العائلية بإعادة النظر في سياسات الحوكمة وخطط نقل الإدارة والملكية للأجيال القادمة”.

وأكدت الدراسة على أهمية التركيز على هذه التوجهات الأساسية من قبل الأفراد الأكبر سنًّا في العائلة ومن قبل الحكومات أيضًا، “إذ تساهم التوجهات الثلاث في إحداث التأثير المنشود في تدعيم الميزات التنافسية للشركات العائلية التي تأتي نتيجة إشراك المرأة في الإدارة. ويمكن لقادة الشركات العائلة الاستفادة من هذه التوجهات من خلال ضمان تسخير التعليم الرسمي والتدريب لجميع أفراد العائلة من أجل تأهيلهم لتولي أدوار إدارية في أعمال العائلة” حسب ما جاء في الدراسة.

المصادر

تحميل المزيد