خلال الفترة الممتدة بين عامي 1866 و1868، وبينما كان الاحتلال الفرنسي جاثمًا على صدر الجزائر، تعرض الشعب الجزائري إلى أشد درجات الفقر والمرض والجوع، وعانى في تلك السنوات من الجفاف والجراد والمحاصيل القاحلة والزلازل والكوليرا والتيفوس ثم المجاعة.

هذه السلسلة من الكوارث التي شهدتها الجزائر في ربيع عام 1866، واستمر بعضها لنحو ثلاث سنوات، تسببت في وفاة 500 ألف جزائري بينما كان عدد السكان وقتها 2.9 مليون نسمة، أي أن الخسائر البشرية لتلك الكوارث طالت نحو 17% من مجموع السكان. بينما ترتفع بعض التقديرات إلى أنه راح ضحية هذه الكوارث 30.7% من الجزائريين مما أحدث خللًا ديمغرافيًا في الجزائر في ذلك الوقت.

في كتابه الذي يحمل عنوان «قرن من الأهواء الجزائرية» (Un siècle de passions algériennes) يكتب بيير دارمون، الخبير في تاريخ الطب أنه «إذا قارنا هذه الأرقام بالنسبة لبلد مثل فرنسا في بداية القرن الحادي والعشرين، فكأنها شهدت مقتل 11 مليون نسمة! (عدد سكان فرنسا 60 مليون في عام 2000) أي بما يعادل أكثر من خمسة أضعاف قتلاها في الحرب العالمية الأولى (1.4 مليون قتيل و4.2 مليون جريح)، وأكبر 10 مرات من قتلاها في الحرب العالمية الثانية (550 ألف قتيل تقريبًا)».

«المجاعة السوداء».. سنوات البلاء العظيم

كانت أزمة المجاعة تلك من أخطر ما ألم بالجزائر تحت عهد الاستعمار الفرنسي، وترجع أسبابها وفقًا لما وثقه محمد الصالح العنتري في كتابه «مجاعات قسنطينة» إلى «حدوث الجوائح (الآفات) التي نزلت بالزروع والنباتات وأتلفتها، وانتشار مرض «الرهمة» الذي أهلك المواشي سنة 1867 من قلة علفها وتبنها في فصل الشتاء، وزحف الجراد ﻋﻠﻰ اﻷراضي سنة 1868 وما أحدثه من تلف النباتات والأشجار».

وتسببت هذه المآسي في حدوث أهوال أخرى منها «انعدام وجود الحبوب في الأسواق، وموت المواشي وارتفاع أسعار الحبوب ارتفاعًا فاحشًا طيلة ثلاث سنوات، وانتشار وباء الكوليرا والتيفوس وغيرهما من الأمراض الفتاكة، وضياع الأملاك والثروات التي تركت أصحابها السابقين فقراء».

Embed from Getty Images

وحاول صالح العنتري وصف المعاناة الناتجة عن ذلك بقوله: «وفي هذه السنوات أشرف الناس على الهلاك الأليم، والبلاء العظيم، بحيث إنه لم يسمع في الزمان بمثلها، وقد حصل فيها لضعفاء عامة الخلق، بل ولكثير من خواصهم أيضًا بادية وحاضرة من التشتت والفناء وأكل الحشيش وغيره».

ولشدة هول المجاعة وتأثر الناس كثيرًا بويلاتها وصفها الكاتب بعبارة «المجاعة السوداء» وفيها صار معظم المتضررين يقدمون على أكل ما تعافه النفس ويحرمه الشرع، مثل أكل القطط والدم والميتة وغير ذلك، بسبب أن الناس لا يجدون ما يأكلون.

وعن آثار هذه المجاعة وما فعلته بالطبقات الاجتماعية والاقتصادية بالبلاد في ذلك الوقت، يقول العنتري: «إن هذه الأزمة قلبت أوضاع الملكية بين الناس في قسنطينة وعمت بالبلاء كل إنسان، فالغني من أهلها أفقرته وصيرت أحواله ضيقة وحرجة، والضعفاء قد أهلكتهم في حينهم ودمرتهم تدميرًا، وما ترك الزمان بعدهم ديارهم إلا خالية، وذلك هو البلاء العظيم وكفى به شاهدًا على تلك المجاعة السوداء».

الاحتلال الفرنسي يتحكم في المحاصيل الزراعية

بالإضافة إلى كل ذلك، كان من أهداف المشروع الاستعماري حمل المزارعين على العمل في مجال الزراعة الصناعية (الزراعات التي تخدم الصناعات الفرنسية) وذلك على حساب الزراعات الأساسية التقليدية للأهالي، ولتصب كل جهود الفلاح الجزائري في خدمة الاحتلال الفرنسي، ويظل أبناء الجزائري يتخبطون في الأزمات ويعانون من أجل البقاء.

وكان من لم يستجب للخطة الزراعية التي تفرضها سلطات الاحتلال تقوم بمصادرة الأرض منه، وتجبر بعضهم على إصلاح الأرض البور والدخول في قروض ربوية. في الوقت الذي كان يعيش فيه الجزائريون مجاعات حادة وأوبئة فتاكة أدت إلى تلاشي قبائل وفناء قرى بأكملها، في حين لم يقدم سلطات الاحتلال يد العون واستمرت في سياساتها التي تخرب الجزائر.

سكان الريف يزحفون نحو المدن

بعدما تفاقمت أزمة نقص الطعام في الأرياف «زحف أهلها إلى المدن جماعات ووحدانا، رجالًا ونساء، فالطرق بهم ممتلئة يمينًا وشمالًا وجوههم مقشعرة بالية، وأرجلهم حافية وظهورهم عارية».

هؤلاء الوفود من المتشردين كانت تمتلئ بهم الطرقات من كل جوانبها «وأعدت السلطات لهم ملاجئ وألزمت الشرطة بحبسهم وكانت الشرطة تطارد من يتسللون منها إلى خارج الطرق للتسول، وأنكرت الناس هذا القحط والجوع وارتفاع الأسعار، وعدته من أعظم الأشرار، لكون المجاعات التي وقعت قبله في الزمان هينة في أمور وشديدة في أمور أخرى».

Embed from Getty Images

وانتقد الكاتب السياسة الاستعمارية التي أفقرت الأهالي من الريف والحضر على السواء، و«أفسحت المجال واسعًا أمام تجارها المضاربين لاستنزاف باقي ثروات الناس وامتصاص دمائهم وتجريدهم من كل أملاكهم بكل الوسائل الجهنمية التي يتقنون استعمالها، إذ خرجت كثير من الأملاك من أيدي أصحابها بسبب العقود الربوية التي عقدوها مع المرابين مضطرين، وبدافع الحاجة القاهرة التي لم يكونوا قادرين على التخلص منها إلا عن طريق الاستدانة»، حتى أصبح في عام 1870 كل أصحاب الأملاك ممن نجوا من تلك الأزمة مدينين متضايقين من سوء أحوالهم الاقتصادية.

المجاعة والأمراض.. أيهما أولًا؟

في هذه السنوات العصيبة انتشر مرض التيفوس بين الجزائريين، وكان أول إعلان عن هذا الوباء في عام 1861 في منطقة القبائل، وأصيب به 330 حالة، وبعد ذلك في أعوام 1862 و1863 انتقل المرض إلى بجاية ثم إلى قسنطينة ثم أخذ طابع الوباء ما بين سنتي 1867 و1868، إذ أصاب نحو 50 ألف جزائري وتزامن ذلك مع المجاعة والقحط التي عاشتها الجزائر في ذلك الوقت.

ويوثق العنزي في كتابه «مجاعات قسنطينة» أنه «في سنة 1867 ظهر مرض الهواء الأصفر (الكوليرا) وتلته الحمى التيفودية التي مات بها خلق كثير، وكان سببه الجنود الفرنسيين والجزائريين الذين شاركوا في حرب القرم وكان مصدره مرسيليا وأفينيون وباريس، وتزامن هذا الوباء مع المجاعة التي شهدتها الجزائر».

في ذلك الوقت، لم يصب الوباء التيفوس الجزائريين فقط، بل أصاب أيضًا الفرنسيين المتواجدين في الجزائر، ولكن بدرجة أقل مقارنة بظروفهم المعيشية والرعاية الطبية المقدمة لهم، أما بالنسبة للجزائريين، وبالنسبة لظروفهم المعيشية السيئة والإهمال وغياب الخدمات الطبية انتشر الوباء بين طوائف العمال والطبقة الوسطى والفقيرة مما أدى إلى وفاة 217 ألف إنسان.

صرخة الجوع واستغلال المحتل

كانت مجاعة عام 1868 مأساة وطنية حقيقية ذات عواقب متعددة، فقد زادت من معدل الوفيات بدرجة هائلة، كما أدت إلى ظهور بعض الظواهر الاجتماعية الخطيرة مثل الهجرة وزيادة عدد المتسولين.

في الوقت نفسه، تباهى الفرنسيون بما قدموه لـ«الجياع» متناسين أنهم كانوا السبب الرئيسي لهذه الحالة التي لم تشهدها الجزائر إلا تحت سياط القمع والقتل وسلب ثرواتهم، حتى أن المحتل استغل «صرخة الجوع» هذه لتحقيق مشاريعه السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الدينية عبر حملة تنصير نشط فيها الكاردينال الفرنسي شارل مارسيال لافيجيري، الذي قام مع عدد من أساقفة الجزائر والجماعات البروتستانتية بحملات حول العالم لجمع تبرعات لصالح ضحايا المجاعة، ثم استغلها في نشر التنصير بين الفقراء والجوعى والأيتام.

Embed from Getty Images

واقترنت هذه المجاعة التي شهدتها الجزائر خلال النصف الثاني من ستينيات القرن التاسع عشر بشخصية الكاردينال لافيجري، الذي وظّف هذه المجاعات وما انتهت إليه من مآسي في مقدمتها الأطفال اليتامى بعد أن حصد الموت آباءهم.

وعبر عقود عدة، فإن الصورة التي بقيت عالقة في ذاكرة الجزائريين عن تلك المجاعة كانت لذلك الكاردينال وهو يجوب الجزائر حاملًا الصليب في يمينه والخبز في يساره يدعو إلى المسيحية، ولكن دون أن يتحدث أحد عن الأرقام والمعطيات الدقيقة لتلك الحملة من التنصير التي استهدفت هؤلاء الأطفال، ودون أن يتحدث أحد عن مدى تأثيرها النفسي أو اتساعها الجغرافي في وقت كان الاحتلال الفرنسي يسيطر على الجزائر.

توثيق المجاعة بين تبرئة المحتل وإدانته

الكتابات التي وثقت واقع الجزائر خلال سنوات تلك الأزمة كان أبرزها الوثائق التي تركها محمد الصالح بن العنتري، إضافة إلى بعض الكتابات الفرنسية التي كتبها عدد من عاشوا فترة المجاعة لتحليل آثارها، أو من خلال التقارير التي قدموها للسلطات الرسمية بشأن المساعدات المخصصة للحد من آثار هذه الأزمة.

وعلى الرغم من أن مؤلف كتاب «مجاعات قسنطينة» كان متعاطفًا مع الجهود الفرنسية المبذولة للحد من الأزمة وحث الضحايا الآخرين على تقدير تصرف الحكومة الفرنسية، إلا أن نصوص الكتاب امتلأت أيضًا بنقد السياسات الاستعمارية المتبعة في ذلك الوقت، وهاجم السلطات الفرنسية التي تعاملت باستخفاف لا يتناسب مع حجم المأساة الجزائرية. خلال حديثه عن المشاهد المرعبة للأطفال الجياع والأيتام المضطهدين.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
بعد عقود من السيطرة.. هل يتحرر خبز الجزائر من القبضة الفرنسية أخيرًا؟

ورغم كل ذلك لم يكن أحد في أوروبا يعرف حقيقة ما يحدث في الجزائر في ذلك الوقت، بسبب تكتم فرنسا على حقيقة ما يجري للجزائرين إما خوفًا من فضحها أو قلقًا من تدخل جهات خارجية لمساعدة الجزائريين، فيكون لهم يد عليهم، بعد ما يخرجون الجزائريين من موضع الضعف إلى دائرة المقاومة.

وبذلك توضح الأزمة الجزائرية بين عامي 1866-1868 التناقضات بين الطموحات العسكرية للسلطة الاستعمارية وعدم قدرتها على الأراضي السيطرة وشعوبها، في حين أن العديد من التجاوزات الاستعمارية في تلك الفترة لا تزال غير معروفة للجمهور الفرنسي ولا يشار إليها في الكتب والصحف الفرنسية إلا على استحياء.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد