«وحدث أن وزير المستنصر ترك على باب القصر بغلته وليس معها إلا غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه، فلم يقدر على دفعهم لضعفه من الجوع، وذبحوها وأكلوها، فأُخذوا وصُلبوا فأصبح الناس فلم يروا إلا عظامهم، إذ أكل الناس في تلك الليلة لحومهم».

ما قرأته للتو ليس نصًّا من رواية رعب، إنما وصف لحدث حقيقي وقع أيام الشدة المستنصرية التي حدثت خلال عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، عندما اتجه الناس لأكل الحيوانات الميتة ولحوم البشر حية وميتة على السواء، كما أورده الدكتور أحمد السيد الصاوي في كتابه «مجاعات مصر الفاطمية».

لكن الشدة المستنصرية التي يسترجع الناس أخبارها بين الحين والآخر، ليست المجاعة الوحيدة التي ضربت مصر في عهد الخلافة الفاطمية، وإن كانت أشدها، فقد سبقتها وتبعتها عدة مجاعات أخرى نتناولها في هذا التقرير.

وباء وغلاء وقحط.. هكذا دخل الفاطميون إلى مصر!

في الفترة التي سبقت دخول الفاطميين مصر، وبحسب ما أورده الدكتور أحمد السيد الصاوي، في كتابه السابق ذكره، فقد وصل حد الوباء بالمصريين أنهم كانوا يرمون بجثث موتاهم في النيل لكثرتهم، وقد عانوا خلال تلك الفترة من انتشار الفقر والجوع وزيادة السرقة. ومع موت كافور الإخشيدي – رابع حكام الدولة الإخشيدية – اغتنم الفاطميون فرصة تفرق جنده، وأعدوا حملتهم وتمكنوا من دخول مصر في عام 358هـ – 969م.

مصدر الصورة – إندبندنت عربية

وقيل إن ازدحام البيوت، وإلقاء القطط والكلاب الميتة في الشوارع والنيل، وشرب الماء الملوث قد تسبب في انتشار الوباء، وأودى بحياة الكثيرين؛ ما أدى إلى قلة الأيدي الزارعية ومن ثم انتشار المجاعة.

وفي الخطاب الموجه للمصريين بعد دخول البلاد، وعد القائد الفاطمي جوهر الصقلي بإقرار الأمن، والتحكم في الأسعار، وإصلاح الإدارة المركزية. وجاء في كتاب «الدولة الفاطمية في مصر تفسير جديد» أن الصقلي قد ضرب جماعة من الطحانين، وجعل لمكان البيع طريقًا واحدة، ووقف على كل ما كان يخرج من قمح وغلال. لكن استمرار نقص فيضان النيل تسبب في استمرار الغلاء والوباء.

لم يحدث التحسن بين عشية وضحاها، بل استغرقت الإصلاحات وضبط الأسعار والحد من استغلال التجار واحتكارهم للسلع واستقرار أمور الأمن في البلاد قرابة ثلاثة أعوام لتنتهي المجاعة وتبدأ بوادر الرخاء في عام 361هـ – 972م.

خلافة الحاكم بأمر الله وسلسلة من المجاعات!

خلال فترة خلافة الحاكم بأمر الله عانى المصريون من سلسلة مجاعات عمل جاهدًا على مواجهتها والتصدي لها، ولما كانت أغلب المجاعات مرتبطةً بانخفاض فيضان النيل، أراد الحاكم أن يحل الأمر من جذوره.

«لو كنت في مصر لعملت في نيلها عملًا يحصل به النفع في كل حالاته من زيادة ونقص» – الحسن بن الهيثم

وعندما سمع الحاكم بأمر الله بما قاله ابن الهيثم، أرسل في طلبه من بغداد، في محاولة منه للتغلب على ظاهرة انخفاض فيضان النيل، لكن ابن الهيثم لم يتمكن من فعل شيء بسبب طبيعة الأرض في أسوان.

في عام 387هـ – 997م وقعت المجاعة الأولى في عهد الحاكم بأمر الله، وتحديدًا في العام الثاني لتوليه الخلافة كما جاء في كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» للمقريزي، بسبب انخفاض فيضان النيل، وارتفاع الأسعار، واحتكار الغلال، وساعد على اضطراب الأمور بصورة أسوأ؛ انتشار الفوضى، بسبب تصارع الكثيرين للسيطرة على البلاد في بداية خلافة الحاكم بأمر الله بسبب صغر سنه، فقد تولى الخلافة ولا يزال عمره 11 سنة وخمسة أشهر فقط.

مسجد الحاكم بأمر الله في شارع المعز لدين الله الفاطمي

مسجد الحاكم بأمر الله في شارع المعز لدين الله الفاطمي. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ويذكر المقريزي أنه بعد أقل من 10 أعوام وتحديدًا في عام 395هـ – 1004م، تفشى الوباء في البلاد بين البشر والحيوانات، فأمر الحاكم بقتل الكلاب التي كانت تنقل العدوى، ومنع ذبح الماشية السليمة التي لم يصبها الوباء إلا في عيد الأضحى، كما منع أكل صدف الدلينس الذي يؤكل نيئًا لمقاومة الوباء.

لكن تلك الإجراءات لم تمنع حدوث المجاعة في عام 397هـ – 1006م عندما انخفض فيضان النيل؛ ما أدى إلى زيادة الأسعار بحسب ما ذُكر في كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة».

آنذاك وضع الحاكم أسعارًا قياسية لكافة السلع للتخلص من تلاعب التجار بالأسعار، ومنع تخزين الغلال، وألا يباع القمح للوسطاء، بل للطحانين مباشرة، فانخفضت الأسعار.

ولما استمر انخفاض النيل في عام 398هـ – 1007م، ارتفعت الأسعار من جديد ليقابلها الحاكم بأمر الله بيد من حديد بعد خروج الناس للتظاهر والاستغاثة به، فعاقب كل من خالف الأسعار بالجلد والضرب، ومنع تخزين المؤن أكثر من الحاجة، وغلظ عقوبة المخالفين إلى حد القتل، فانخفضت الأسعار، وانتهت المجاعة في عام 399هـ – 1009م.

جدير بالذكر وبحسب المؤرخين، فقد قام الحاكم بأمر الله بمهام المحتسب بنفسه، ليراقب أسواق مصر والقاهرة، وقد جاء في كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لمؤلفه محمد بن أحمد بن إياس الحنفي أن الحاكم بأمر الله كان له عبد أسود طويل عريض ينزل معه إلى الأسواق، فإن وجد الحاكم أن هناك من يغش في بضاعته، أمر العبد أن يفعل به الفاحشة العظمى في دكانه أمام الناس، على حد قول ابن الحنفي!

لاحقًا عيَّن الحاكم بأمر الله، القائد «غبن» لتولي مهمة الحسبة. ثم لم يتوان عن قطع يد غبن ولسانه عندما اعتبره المسؤول عن ارتفاع الأسعار وحدوث أزمة في الخبز في عام 403هـ – 1013م.

أما آخر المجاعات التي شهدتها مصر في خلافة الحاكم بأمر الله فقد حدثت في عام 410هـ – 1020م بسبب ارتفاع فيضان النيل؛ مما أغرق الأراضي الزراعية وقلت الغلال.

الابن سر أبيه.. مجاعتان في عهد الظاهر لإعزاز دين الله!

على عكس أبيه الحاكم بأمر الله، اتسم الظاهر لإعزاز دين الله بضعف الشخصية؛ ما أدى إلى ظهور رجال دولة أقوياء يديرون السلطة الفعلية للبلاد ويحتكرون الغلال، علاوة على مساهمته في رفع الأسعار بعدما استولى على مراكب مملوءة بالقمح من الساحل المصري، وأوردها إلى قصر الخلافة، بحسب ما ذُكر في كتاب «الدولة الفاطمية في مصر تفسير جديد».

فقد شهدت أيام خلافته مجاعة استمرت لمدة عامين بدأت في عام 414هـ – 1023م، بدأت مع نقص فيضان النيل، وارتفاع الأسعار، ثم زادت وطأتها سوءًا بسبب احتكار رجال الدولة للغلال، فما تلبث الأسعار تنخفض حتى يرفعوها مرة أخرى متواطئين في ذلك مع المحتسب.

في العام ذاته، تفشى الوباء بين البشر والحيوانات، فارتفعت أسعار الدواجن واللحوم، وكذلك أسعار المياه، فقد تناقصت أعداد الحيوانات التي تنقل المياه، وانخفض منسوب النيل ليزيد من ارتفاع أسعار السلع كافة. ما حدا بالناس أن ثاروا وخرجوا في مظاهرات هاتفين «الجوع.. الجوع»، واستمرت الأزمة حتى نمو الغلة الجديدة.

وفي عام 426هـ – 1034م تكاثرت أعداد الفئران في البلاد، فأكلت الزرع ونشرت الوباء بين الناس؛ ما أدى إلى حدوث مجاعة أخرى، بحسب ما ذكره أورده الدكتور أحمد السيد الصاوي في كتابه.

الشدة المستنصرية.. عندما أكل المصريون الميتة ولحم البشر!

أرخ المقريزي في كتابه «إغاثة الأمة في كشف الغمة» المجاعة العظيمة التي شهدتها مصر في عهد المستنصر بالله، عام 446هـ – 1054م، بسبب انخفاض النيل، وانتشار الوباء. إذ لم يكن في مخازن الدولة شيء من الغلال، فقد تخلى الوزير قبل عامين عن شراء الغلال ووضعها في مخازن الدولة احتياطيًّا لمنع التجار من الاحتكار والتلاعب بالأسعار.

وبسبب رغبته في إيقاف الأزمة، سيطر الوزير على مخازن التجار واشترى ما بها من غلال، ووضعها في مخازن الدولة فاستقرت الأسعار بعض الشيء، لكن، شهد عاما 447 و448هـ تفشي الوباء مع استمرار المجاعة، وقُدر عدد الموتى يوميًّا بألف شخص.

مصدر الصورة – تويتر

وقد نشأ الخليفة المستنصر بالله ضعيف الشخصية، فقد تولى الخلافة وهو ابن سبع سنوات، فتفرد رجال الدولة بإدارة البلاد، وتمكنوا من فرض سيطرتهم عليه حتى في شبابه، ونتيجة لشكاياتهم المستمرة قيل إنه غيَّر الوزارة خلال تسع سنوات 40 مرة، وقد كان لكثرة تغيير الوزارة أثره في إضعاف قوة الوزراء واختلافات سياساتهم.

كذلك تزايد نفوذ العسكريين في تلك الآونة فأصبحوا القوة الوحيدة التي يمكنها تقرير أمور البلاد. وثارت النزاعات بين مختلف العناصر العرقية المكونة للجيش، وتزايد نفوذ الأتراك بعد هزيمتهم للسودانيين وتطلع رئيسهم الحسن بن الحسين بن حمدان للسيطرة على مقاليد الحكم، وتمكن من إضعاف المستنصر وتفكيك الجبهة الموالية له، حتى تمكن من ممارسة الحكم وأصبح الخليفة مجرد اسم، لكن قتله الأتراك خوفًا من ضياع مكانتهم بسبب رغبة ابن حمدان في الانضمام للخلافة العباسية.

هنالك فرض الأتراك سيطرتهم، فلم يجد المستنصر ملاذًا إلا بدر الجمالي والي عكا، فدعاه لينقذه، فتمكن الجمالي مع جنوده من رد هيبة السلطة المركزية للبلاد.

اجتمعت هذه الأسباب مع نقص فيضان النيل في عام 457هـ – 1056م في رفع الأسعار وانتشار السرقة واشتداد الوباء لتكشف الستار عن الشدة المستنصرية، تلك الكارثة التي اجتاحت مصر لمدة سبع سنوات، واضطر الناس خلالها إلى أكل نحاتة النخل، والحيوانات الحية والنافقة، وكذلك لحوم بعضهم بعضًا، بحسب العديد من المؤرخين.

«وقيل إن الكلب كان يدخل الدار، فيأكل الطفل وهو في المهد، وأمه وأبوه ينظران إليه، فلا يستطيعان أن ينهضا لدفع الكلب عن ولدهما من شدة الجوع؛ ثم اشتد الأمر، حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله، ولا ينكر عليه ذلك بين الناس، ثم اشتد الأمر، حتى صار الناس إذا مروا في الطرقات، وقوي القوي على الضعيف، فيذبحه ويأكله جهارًا» – من كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور»

يُظهر هذا الوصف مدى هول الشدة المستنصرية أشهر المجاعات في العهد الفاطمي؛ إذ كان الناس يخطفون المارة ليأكلوا لحومهم، وكان بعضهم يصعد على أسطح البيوت القصيرة، لخطف المارة بالخطاطيف المعلقة بالحبال، ومن ثم أكل لحومهم.

وقد ساعد أكل الحيوانات النافقة ولحوم البشر في تفشي الوباء، فازدادت أعداد الموتى! ولكثرتهم أصبح الناس يلقونهم في حفر جماعية ويردمون عليهم دون تكفين، حتى فني من أهل مصر نحو الثلث بحسب ما ذكره ابن إياس الحنفي، وذهب البعض إلى القول بفناء نصف أهل مصر في هذه الشدة. فلم يعد هناك فلاحون لزراعة الأراضي، ونقصت الأموال، فأخرج المستنصر من خزائنه السلاح والقماش والتحف ليتمكن من دفع رواتب الجند.

وفي عام 462هـ – 1069م فر الأثرياء وكبار التجار إلى العراق والشام هربًا من الجوع وتفشي الوباء. وبدأت الأزمة في الانكشاف وانفرجت أزمة الاقتصاد شيئًا فشيئًا بمقتل ابن حمدان في عام 465هـ، لكن الأمور لم تستقر تمامًا إلا بسيطرة بدر الجمالي في عام 466هـ.

تاريخ

منذ سنة واحدة
بدر الدين الجمالي.. قصة المملوك الأرمني الذي أنقذ مصر من الهلاك

مجاعات أخرى ضربت مصر في عهد الفاطميين!

يذكر ابن إياس الحنفي أن البلاد في خلافة المستعلي بالله عانت من مجاعة في عام 490هـ، وانتشر الوباء آنذاك بسبب نقص نسبي في فيضان النيل، كما وقعت مجاعة ثانية في عام 493هـ بسبب شدة نقص النيل مع اشتداد الوباء.

وشهد عهد الآمر بأحكام الله مجاعتين كانت أولاهما بسبب نقص فيضان النيل، وربما تكون قد حدثت في عام 497هـ، أما الثانية فقد كانت في أواخر عهد الآمر حينما ارتفعت الأسعار، ويُرجح أنها كانت في عام 521هـ عندما سجل النيل مستوى منخفضًا من الفيضان، بحسب كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور».

كذلك شهد عهد الحافظ لدين الله أيضًا مجاعتين وقعت الأولى في عام 532هـ بسبب تأخر فيضان النيل وعدم زراعة بعض الأراضي، أما المجاعة الأخرى فقد استمرت ثلاثة أعوام منذ عام 536هـ، واشتد فيهما الوباء وارتفعت الأسعار بعد حدوث انخفاض نسبي في ماء النيل، وزاد من حدتها انهيار الحكومة المركزية!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد