عادت الدعوى إلى حملات «المقاطعة الاقتصادية» لتتصدر المشهد في العالم العربي من جديد هذه الأيام على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومهاجمته للإسلام، بعد حادثة مقتل المدرس صامويل باتي، بعد عرضه رسومًا كاريكاتيرية للنبي محمد خلال محاضرة دراسية تتناول حرية التعبير.

وتعهد ماكرون بأن فرنسا لن تتخلى عن مثل هذه الرسوم الكاريكاتيرية، مضيفًا بأن «باتي قُتل لأن الإسلاميين يريدون الاستحواذ على مستقبلنا»، على حد تعبيره.

ويدور في بعض الأحيان جدل حول قيمة دعوات المقاطعة الاقتصادية، وإذا ما كانت تمثل أداة قوية للضغط والتعبير عن رفض ما تقوم به الحكومة الفرنسية بالتضييق على المسلمين هناك، أم لا؟

في هذه السطور لن نتطرق إلى إحصاءات حول المنتجات الفرنسية في الأسواق والتأثير المحتمل للمقاطعة العربية والإسلامية عليها، ولكننا سنطرق صفحات التاريخ، بحثًا عن حملات المقاطعة التي سببت، ليس فقط في ممارسة ضغط قوي، بل في تغيير التاريخ نفسه.

1. مقاطعة البضائع البريطانية.. شرارة استقلال أمريكا

الحرب الفرنسية الهندية هو الاسم الأمريكي الذي يطلق على المواجهة بين الفرنسيين والبريطانيين من أجل السيطرة على أمريكا الشمالية، والتي بدأت عام 1754، قبل عامين من اندلاع حرب السنوات السبع في أوروبا. في الولايات المتحدة الأمريكية كثيرًا ما يستخدم مصطلح الحرب الفرنسية الهندية، والتي تعني حرب بريطانيا ضد الفرنسيين والهنود الأمريكيين الذين عاشوا في كندا الحالية.

خلال هذه الحرب قررت بريطانيا أن طريقة استرداد خسائرها تتمثل في فرض ضرائب على المستعمرات بما يسمى «قانون الطابع»، والذي نص على ضرورة شراء الأمريكيين للطوابع، وفرض شرائها من أجل الصكوك، والرهونات العقارية، أو تراخيص المشروبات الكحولية، وتراخيص التقاضي وورق اللعب، والتقاويم، وفُرض على أصحاب دور الصحف والنشر أيضًا شراء طوابع لمطبوعاتهم.

Embed from Getty Images

لم تُعجب المستعمرات بهذه الفكرة، وتعرضت للإهانة بشكل خاص بسبب عدم تمثيلها أثناء اتخاذ القرار؛ مما أدى إلى رفعها شعار «لا ضرائب بدون تمثيل». وقاوم الأمريكيون هذا القانون من خلال مقاطعة البضائع البريطانية، بل قام متمردون بترويع وكلاء الطوابع البريطانيين لتقديم استقالتهم. وتسببت هذه المقاطعة القوية في إلغاء الملك جورج الثالث للقانون عام 1766.

بل، أدت هذه الرغبة في الحكم الذاتي للمستعمرات الأمريكية تحت السيادة البريطانية إلى مزيد من الثورات، وفي النهاية قيام الثورة الأمريكية، ثم حصول أمريكا على استقلالها.

2. حملة مقاطعة عالمية أنهت الفصل العنصري في جنوب أفريقيا

لعبت المقاطعة دورًا رئيسًا في إنهاء نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا المعروف باسم «الأبارتهايد». ظلت هذه الحملة العالمية قائمة لعقود لإحداث تغيير من خلال الضغط الاقتصادي ومقاطعة الشركات والحكومات، مع رفض الأكاديميين والفنانين والممثلين والشركات الرياضية دعم أو استضافة الأحداث في البلاد. كما رفض السياح السفر إلى جنوب أفريقيا.

في عام 1986 تجاوز الكونجرس الأمريكي حق النقض (الفيتو) الذي استخدمه الرئيس رونالد ريجان ليتمكن الكونجرس من سن قانون حظر على جميع واردات جنوب أفريقيا في الولايات المتحدة. حظر القانون واردات جنوب أفريقيا، وبدأت شركات الطيران والمساعدات الأجنبية من الشركات الأمريكية الدولية في مغادرة جنوب أفريقيا بأعداد كبيرة؛ مما سبب خسائر كبيرة في الإيرادات والوظائف هناك.

بعد أربع سنوات رفع الحظر عن جنوب أفريقيا في المؤتمر الوطني الأفريقي، وهو منظمة مناهضة للفصل العنصري، وأطلق سراح جميع السجناء السياسيين، بينهم نيلسون مانديلا. وفي عام 1993 رفعت أمريكا العقوبات عن جنوب أفريقيا بعد أن أعلنت عن عملية ديمقراطية لانتخابات الرئاسة. في العام التالي انتخب مانديلا ليكون أول زعيم أسود لجنوب أفريقيا، وفكك نظام الفصل العنصري.

3. «مقاطعة الملح الإنجليزي» وبداية استقلال الهند

في عام 1882 أصدرت إنجلترا «قانون الملح»، وهو القانون الذي أجبر الهنود (كانت الهند مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت) على شراء الملح الخاضع للضرائب من الإنجليز. ولم يسمح للهنود بجمع الملح أو بيعه. في ذلك الوقت عاد شاب هندي يدعى موهانداس غاندي إلى موطنه الهند بعد أن قضى 20 عامًا في جنوب أفريقيا، وبدأ عمله ناشطًا من أجل استقلال الهند.

قرر غاندي أن تحدي قانون الملح، أو مقاطعة الملح الإنجليزي، سيكون وسيلة جيدة لبدء حملته للعصيان المدني الشامل. وفي عام 1930، سار غاندي والآلاف من أتباعه إلى البحر لاستخراج الملح من مياه البحر. ونظم ملايين الهنود احتجاجات مماثلة في أنحاء البلاد، واعتقلت السلطات البريطانية أكثر من 60 ألف شخص.

تسببت التقارير الواردة في الصحف الدولية عن قيام الشرطة البريطانية بضرب المتظاهرين الهنود السلميين في غضب دولي. استمر غاندي في تنظيم عمليات مقاطعة غير عنيفة مماثلة للسلع الإنجليزية المصنعة؛ مما زاد من الضغط على الحكومة البريطانية. ودعا غاندي في وقت لاحق الهنود إلى غزل ونسج قماشهم الخاص، في مقاطعة ناجحة للنسيج الإنجليزي، وتعد حملات المقاطعة هذه بداية طريق الهند نحو الاستقلال الذي نالته عام 1947.

4. حملات المقاطعة لولاية كارولينا تُجبرها على تغيير القوانين

عام 2016 استهدفت عملية المقاطعة ولاية كارولينا الشمالية في الولايات المتحدة بعد تمرير قانون «خصوصية وأمن المرافق العامة» المعروف باسم «House Bill 2»، والذي منع المحليات من تمرير الحماية لمجتمع المثليين، وأصدر تعليمات للأشخاص المتحولين جنسيًا باستخدام الحمام (دورة المياه) طبقًا للجنس المسجل لهم عند الولادة.

نتيجة لذلك قاطعت العديد من المنظمات والوكالات ولاية كارولينا الشمالية. وكتب مجلس المشرفين في مقاطعة لوس أنجلوس رسالة إلى حاكم ولاية كارولينا الشمالية يقول فيها: إن موظفي المقاطعة منعوا من زيارة الولاية. انضم هذا المجلس إلى 28 مقاطعة أخرى، وسبع ولايات، و29 مدينة، في منع الموظفين من السفر إلى ولاية كارولينا الشمالية.

اقتصاد

منذ شهر
حملة المقاطعة الخليجية للبضائع التركية.. من المتضرر الأكبر بالأرقام؟

امتدت المقاطعة إلى فعاليات البطولات الرياضية الاحترافية لتسحب كل الأحداث الهامة الرياضية الهامة من الولاية. وأعلن الدوري الأمريكي للمحترفين أن الدوري سينقل مباراة «2017 All-Star Weekend» من الولاية إلى نيو أورلينز. وقدرت خسارة الإيرادات لولاية كارولينا الشمالية بمبلغ 100 مليون دولار.

وألغت شركات الترفيه تصوير إحدى المسلسلات. كما قالت كبريات شركات الإنتاج السينمائي إنها لن تنظر إلى ولاية كارولينا الشمالية للإنتاج المستقبلي إذا لم يلغ هذا القانون. إجمالًا خسرت الدولة أكثر من 3.76 مليار دولار. ونتيجة لحملات المقاطعة هذه ألغي القانون، لتوافق تلك الشركات والمنظمات على القيام بأعمال تجارية مع ولاية كارولينا الشمالية مرة أخرى.

5. حملة التشهير ومعاداة السامية ضد «فورد» تؤتي أُكلها

من المعروف أن هنري فورد، مؤسس شركة «فورد موتورز» لصناعة السيارات، لديه تحيزات قوية ضد اليهود. قام فورد بإدارة صحيفة أسبوعية في عشرينات القرن الماضي تدعى «Dearborn Independent»، والتي نشرت مقالات معادية للسامية، وبينما ادعى فورد أنه لم يكتب هذه المقالات، فقد نشرت باسمه.

رفعت رابطة مكافحة التشهير دعوى قضائية ضد شركة فورد بتهمة التشهير وساعدت في تنظيم حملة للمقاطعة. انضم كل من اليهود والعديد من المسيحيين الليبراليين إلى المقاطعة ورفضوا شراء سيارات فورد. وهددت شركة «فوكس فيلم كوأوربيشن» بعرض لقطات لسيارات فورد المحطمة في عروضها الإخبارية التقديمية التي تعرض قبل بدء الفيلم في السينما في جميع أنحاء البلاد. في النهاية اعتذر فورد وأغلق الصحيفة عام 1927؛ نتيجة لتراجع أعمال شركته ومبيعات السيارات.

6. مقاطعة «سكر العبيد» الإنجليزي.. محاولة لإلغاء العبودية

في عام 1791 فشل دعاة إلغاء الرق في إقناع البرلمان الإنجليزي بتمرير قانون يدعو إلى إنهاء العبودية في مستعمرات بريطانيا. من أجل ذلك قام هؤلاء بالدعوة إلى مقاطعة السكر القادم من منطقة الكاريبي التي تقع تحت الهيمنة البريطانية. اعتمد السكر في ذلك الوقت على عمل العبيد في تلك المستعمرات. كان المقاطعون يأملون في أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى إنهاء التجارة الاستغلالية في حياة البشر.

ونشر الناشط والمؤلف ويليام فوكس كتيبًا يدعو الأسر الإنجليزية إلى رفض شراء ما أسماه «سكر العبيد». في ذروة المقاطعة تشير التقديرات إلى أن حوالي 400 ألف منزل إما توقفوا عن استخدام السكر، أو تحولوا إلى شراء السكر غير الكاريبي. استفاد مستوردو السكر من جزر الهند الشرقية (حيث لم يتم استخدام العبيد) من المقاطعة لتسويق منتجاتهم، مشيرين إلى أن السكر لم يكن من صنع العبيد.

انخفضت مبيعات السكر بمقدار الثلث في أول شهرين من المقاطعة، ورفض العديد من محلات البقالة بيع السكر الكاريبي، أو توقفوا عن بيع السكر بالكامل. وعلى مدى العامين المقبلين ارتفعت مبيعات السكر من المناطق الأخرى 10 أضعاف. أعاد دعاة إلغاء الرق هذه المقاطعة في عشرينيات القرن التاسع عشر في محاولة أخرى لإنهاء الرق في الإمبراطورية البريطانية.

7. حملات المقاطعة الجنسية للرجال من أجل إنهاء الحرب!

ربما كنا نتحدث عن المقاطعة الاقتصادية، لكن هناك أنواعًا أخرى من المقاطعة التي تبدو غريبة ومثيرة للاهتمام، وساهمت بالفعل في إحداث تغيير كبير. في عام 2003 دخلت الفائزة بجائزة نوبل للسلام، ليما غبوي، ونساء أخريات في ليبيريا في إضراب جنسي (إضراب عن ممارسة الجنس مع الذكور) ناجح لإنهاء الحرب الأهلية في البلاد. كانت حملات المقاطعة الجنسية هذه ناجحة بشكل واضح، وفي عام 2003 وافق أمراء الحرب على إنهاء العنف في البلاد. وفازت غبوي عام 2011 بجائزة نوبل للسلام عن حملتها هذه. فيما أدين الرئيس الليبيري في ذلك الوقت بارتكاب جرائم حرب لاحقًا.

وأوضحت غبوي أن حملات المقاطعة هذه كانت فعالة، بمعنى أنها جذبت انتباه الناس. الجنس شيء غريب، وقد يقول الكثير من الناس إنه موضوع محظور الكلام فيه. ولكن عندما يجرؤ شخص ما على لفت انتباه الجمهور إلى ذلك، يكون لذلك نتيجتان – بحسب غبوي، الأولى من خلال قول الناس «من هذا الشخص الذي يفعل هذا؟»، ثم البدء في التساؤل عن سبب استخدام الشخص للجنس لتسليط الضوء على مشكلة ما.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد