في سبيل كسب الأموال، نسعى ونعمل، ونلجأ لتطوير أنفسنا وتعلم مهارات جديدة لنتمكن من استكمال مسار حياتنا. هناك من استغلوا ذكاءهم ليس لتطوير شخصياتهم، وإنما لخلق شخصيات جديدة لأنفسهم تتمتع بمهارات مزيفة تساعدهم على كسب المزيد، بل الكثير والكثير من الأموال بالاحتيال والنصب. في هذا التقرير نعرض لك أربعة من أشهر المحتالين في التاريخ.

1- ليندر ويليام توماركين.. الطبيب الشخصي لملك إيطاليا

محتال سويسري من مواليد ديسمبر (كانون الأول) 1895، كان والده طبيبًا، لكنه كان مختلفًا عن أفراد عائله، فالتحق بالكلية التقنية لدراسة الكيمياء، لكنه لم يكمل دراسته، ولم يلتحق بعمل منتظم، ومنح نفسه درجة دكتوراه وهمية في الطب، وقضى وقته في مختبر والده. أشاع توماركين أنه اخترع علاجًا للتيفويد، والسل، والتهاب السحايا والملاريا، كما عرض على البابا بنديكوس الخامس عشر أن يعالجه من الالتهاب الرئوي في يناير (كانون الثاني) 1922، إلا أنه رفض، وتوفي دون أن يسمح له بعلاجه.

ذاع الخبر، ونشرت الصحافة عن العقار الجديد «مضاد ميكروبيوم توماركين antimicrobum tomarkin» الذي يمكنه علاج الالتهاب الرئوي، والذي كان من الممكن أن يعالج البابا. خضع علاج توماركين لاختبار سريري في المستشفيات العسكرية وجامعة روما، وأثبت أنه يخفض نسبة الوفيات جراء الإصابة بالمرض من 35% إلى 2%. وقد عُزي نجاح العقار لاحقًا إلى الرعاية الجيدة للمرضى الخاضعين للاختبار، والمرحلة المبكرة نسبيًا من الالتهاب الرئوي. حينئذ، سُمح لتوماركين بعلاج ابن عم فيكتور إمانويل الثالث ملك إيطاليا، والذي تعافى بالفعل، وبعد ذلك، أصبح توماركين الطبيب الشخصي لأسرة الملك.

ليندر توماركين

ليندر توماركين/ مصدر الصورة

في مايو (أيار) 1924 هاجر توماركين إلى الولايات المتحدة، وأسس مؤسسة توماركين لأبحاث الكيمياء، حيث طور عقارين مدعيًا ​​أنهما يسببان تغيرات في المزاج ويعالجان المرض بهذه الطريقة. سرعان ما انتشرت مؤسسة توماركين في أوروبا، وجذبت مؤتمراتها شخصيات بارزة، كما تولى ألبرت أينشتاين الرئاسة الفخرية للمؤتمر في عام 1933، وبقي في هذا المنصب لمدة عام واحد فقط، حتى تلقى مكالمة هاتفية تلجأ إليه للمساعدة في استرداد الديون من توماركين.

في بداية الحرب العالمية الثانية هاجر توماركين مرة أخرى إلى الولايات المتحدة. مع تطور المضادات الحيوية الصناعية في عام 1939، أصبح اختراعه الطبي قديمًا. لجأ توماركين للمغامرة في مجالات أخرى، فقد حاول اختراع طلاء مقاوم للماء وألماس صناعي لكنه لم ينجح في كليهما، وتوفي عام 1967، لتنتهي قصة أحد أشهر المحتالين في مجال الطب.

2- جريجور ماكجريجور.. مالك الدولة الوهمية في أمريكا الوسطى

جندي إسكتلندي التحق بالجيش البريطاني في السادسة عشرة من عمره، وتمكن من الاحتيال ليصبح أمير دولة بوياس غير الموجودة. ولد جريغور ماكجريجور في ديسمبر 1786، وكان والده قبطانًا بحريًّا في شركة الهند الشرقية.

ترقى إلى رتبة ملازم أول في عام 1804، وفي العام التالي تزوج من ابنة أميرال في البحرية الملكية، واشترى رتبة نقيب، ثم انتقل إلى جبل طارق، وبعدها إلى البرتغال، وتقلد رتبة رائد. تقاعد جريجور من الجيش في عام 1810، وانتقل مع زوجته إلى إدنبرة، عاصمة إسكتلندا.

بعد وفاة زوجته عقب عودتهم بفترة وجيزة، باع جريجور ممتلكاته في إسكتلندا، وأبحر إلى فنزويلا حيث وصل في أبريل (نيسان) 1912، وقدم نفسه باسم السير جريجور. تمكن جريجور من إقناع القائد الثوري الفنزويلي فرنسيسكو ميراندا بقبول خدماته، وأغدق عليه برتبة عقيد، وأسند إليه قيادة كتيبة سلاح الفرسان.

تدرج جريجور في الرتب حتى أصبح جنرال الفرقة في الجيش الفنزويلي وهو في الثلاثين من عمره، وتزوج مرة أخرى من ابنة عم الثوري الشهير سيمون بوليفار. في عام 1820، وصل إلى ساحل البحر الكاريبي غير المضياف والمليء بالمستنقعات والمعروف باسم ساحل البعوض. هنا أقنع زعيم السكان الأصليين بمنحه 8 ملايين فدان لإنشاء مستعمرة، واستغل جريجور هذه المساحة الكبيرة من الأدغال غير المأهولة وابتدع منها دولة خيالية بالكامل، ليصبح أحد أشهر المحتالين.

غريغور ماكغريغور

غريغور ماكغريغور/ مصدر الصورة

في عام 1821 عاد إلى إنجلترا مع زوجته مقدمًا نفسه على أنه حاكم دولة بوياس المستقلة في خليج هندوراس، والمزدهرة الغنية بالموارد الطبيعية التي تنتظر قدوم المستثمرين للاستفادة منها، ونشر كتيبًا إرشاديًا من 350 صفحة عن دولته الجديدة، مدعيًا أنها مكان مثالي للاستقرار، يتميز بخصوبة الأرض وتجري فيها الأنهار بين مزارع السكر والبن والقطن، وخالية من الأمراض الاستوائية على الرغم من شهرة المكان باسم «شاطئ البعوض».

أدت هذه المواصفات المغرية إلى جذب انتباه الأثرياء من الشعب الإنجليزي، فباع في عام واحد أسهمًا بقيمة 200 ألف جنيه إسترليني. في هذه الأثناء، كان قد عيّن مندوبًا عن بوياس، الذي جند 70 مستعمرًا للإبحار من لندن في سبتمبر (أيلول) 1822. قبل الإبحار، غيّر العديد من الناس الجنيه الإسترليني إلى دولار بوياسي طبعه جريجور من قبل. في يناير 1823 أبحرت سفينة أخرى متجهة إلى بوياس على متنها 200 مستوطن آخر. عندما وصلت السفينة إلى خليج هندوراس في مارس (آذار)، أُصيب المستوطنون بالذهول من هول ما رأوا، فما كان أمامهم سوى غابة شاسعة وسكان أصليين.

حاول المستوطنون المخدوعون دون جدوى إنشاء مستعمرة وإنشاء المؤن الأساسية للبقاء على قيد الحياة، لكن العديد منهم كانوا في حالة سيئة. أُجلي بعض الناجين إلى هندوراس، بينما عاد حوالي 50 شخصًا إلى لندن في أكتوبر (تشرين الأول) 1823 بقصة للصحافة كانت أكثر إذهالًا مما كان يمكن لأي شخص أن يصدقه.

كرر جريجور خطته مع شركائه على سكان فرنسيين، وتمكن في عام 1825 من جمع ما يقرب من 300 ألف جنيه إسترليني بفضل المستثمرين المتحمسين. ومع ذلك، أحبطت السلطات الفرنسية الرحلة واستولت على السفينة، وفشل مخطط المحتالين واعتقل جريجور لفترة وجيزة وحوكم بتهمة الاحتيال في محكمة فرنسية عام 1826، إلا أنه حصل على البراءة في حين أدين أحد شركائه.

3- أوسكار هارتزل.. صاحب خدعة ثروة دريك

وُلد هارتزل في ولاية أيوا في عام 1876، وفي عام 1915، تعرضت والدته للخداع وفقدت مبلغ 6 آلاف دولار. واجه هارتزل المحتالَين، فعرضوا عليه أن يساعدهم في مخططهم ليتمكن من استرداد أموال والدته. ذهب هارتزل مع المحتالَين إلى إنجلترا حيث بدأت المشاحنات بينهما، وانتهى الأمر في عام 1919 بتولي هارتزل عملية الاحتيال بنفسه.

كانت الخدعة تتم عبر إقناع بعض الريفيين البسطاء في ولاية أيوا ممن يحملون لقب دريك بأنهم أحفاد المستكشف الإنجليزي الشهير السير فرانسيس دريك، وبالتالي فهم مؤهلون للحصول على جزء من ممتلكاته الضخمة، التي زعم أنها شملت مدينة بليموث بأكملها. كل ما طلبه هارتزل في المقابل دفع بعض الأموال للمساعدة في تغطية التكاليف القانونية لفك تشابك الثروة الهائلة من الحكومة البريطانية.

استهدف هارتزل فقط أولئك الذين يحملون لقب دريك، ولكنه وسع العرض تدريجيًا ليشمل كل من يستثمر أمواله من أجل استرداد الثروة، وسيكون نصيب الفرد 500 دولار مقابل كل دولار يدفعه. كانت أنجحهن أرملة في منتصف الثلاثينات تدعى سودي ويتاكر، وقد أخبرها أنها الوريث الشرعي لثروة دريك، ويمكن إرجاع خط النسب إلى جورج دريك، من روشيبورت بولاية ميسوري، والذي كان ابن عمها.

السير فرانسيس دريك

السير فرانسيس دريك

اشترك أكثر من 70 ألف شخص في جمعية السير فرانسيس دريك، وسرعان ما أصبح هارتزل ثريًّا بشكل مذهل. أعلنت الحكومة البريطانية في عام 1922، أن السير دريك لم يترك أملاكًا، ولكن لم يلتفت الراغبون في الثراء الفاحش.

بحلول عام 1924، انتقل هارتزل بشكل دائم إلى لندن، ظاهريًا لتسهيل التعامل مع الإجراءات القانونية في المملكة المتحدة، وعاش ببذخ، تاركًا وراءه شبكة من العملاء الأمريكيين الذين جمعوا الأموال نيابة عنه. لم يغفل هارتزل في تلك الآونة من أمدوه بالأموال، فحرص على إخبارهم بكل جديد بشأن الإجراءات القانونية المزعومة الجارية في لندن.

في يناير (كانون الثاني) 1933، ألقي القبض على هارتزل، وبدأت محاكمته، وأدين أخيرًا بتهمة الاحتيال في عام 1934. وحتى بعد الحكم عليه، ساهم الكثيرون في دفع مبلغ 350 ألف دولار من أجل الدفاع عن هارتزل. في عام 1935، بعد أن خسر الاستئناف، بدأ هارتزل في قضاء عقوبته البالغة 10سنوات في سجن ليفنوورث في كانساس، وفي العام التالي لدخوله السجن، جمع عملاؤه نصف مليون دولار أخرى. خلال فترة السجن، شخصه الأطباء بأنه مصاب بانفصام الشخصية بعدما ظن أنه السير فرانسيس دريك نفسه، وفي عام 1943، توفي هارتزل؛ أحد أذكى المحتالين.

4- دونالد كروهرست.. المخترع الذي زوّر الفوز 

في عام 1969، خدع دونالد كروهرست العالم بالاعتقاد أنه صاحب أسرع إبحار منفرد حول العالم بدون توقف، من خلال الغش في مسابقة الصنداي تايمز جولدن جلوب لسباق اليخوت الفردي حول العالم. ولد كروهرست في عام 1932، وانضم إلى سلاح الجو الملكي في عام 1948، وطرد بعد ست سنوات، وانضم إلى الجيش البريطاني، وأُجبر على الاستقالة بعد أن قاد السيارة مخمورًا. درس هندسة الإلكترونيات، وخاض سباقات السيارات، وبعد زواجه، أنشأ شركة إلكترونيات صغيرة لتصنيع جهاز ملاحة شراعي صممه للعمل على إشارات الراديو.

أعلنت صنداي تايمز في لندن عن سباق ينطلق فيه المتسابقون في أي وقت بين الأول من يونيو (حزيران) و31 أكتوبر من عام 1968. سيحصل الفائز الذي سيتمكن من العودة إلى الوطن على جائزة جولدن جلوب، وجائزة أخرى بقيمة 5 آلاف جنيه إسترليني لأسرع رحلة من تاريخ المغادرة إلى العودة.

في تلك الأثناء، عانت شركة كروهرست، ولم يتمكن من توفير الدعم المادي لها، إلا أنه تمكن من إقناع أحد رجال الأعمال لتمويله للدخول في مسابقة جولدن جلوب، وأكد له أنه سيمكن من الفوز بالجائزتين. واتفق الطرفان على أن تكون الشركة من حق الممول المحلي إذا خسر كروهرست السباق أو انسحب منه، كما سيخسر منزله أيضًا لتسديد ديون الشركة.

قرر كروهرست أن يخوض السباق على متن مركبة جديدة يعتقد أنها تتحرك أسرع من اليخوت، إلا أنها لا يمكن أن تصحح وضعها إذا انقلبت. صمم كروهرست نظامًا ذكيًا من أجهزة الاستشعار وأكياس الطفو والمضخات لتثبيت قاربه، ولكن لم يختبر أي منها، فقد كانت عملية بناء القوارب متسارعة لدرجة أن المياه تسربت من خلال الفتحات.

في 31 أكتوبر 1968 أي آخر يوم متاح للاشتراك في المسابقة، أبحر كروهرست من مدينة تيجنماوث الإنجليزية. من المفترض أن تسير الرحلة جنوبًا عبر المحيط الأطلسي، حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا وعبر المحيط الهندي، وجنوب أستراليا. ثم تعبر المحيط الهادئ وتصل كيب هورن في أمريكا الجنوبية قبل أن تتجه شمالًا عبر المحيط الأطلسي.

كان كروهرست قد حسب أنه يمكنه إكمال السباق في أقل من 130 يومًا، ولكن قاربه قد خيب آماله، وبينما كان المتسابقون يرسلون إحداثياتهم لاسلكيًا، كان كروهرست يرسل مواقع غير حقيقية تظهر تقدمًا مبهرًا في المحيط الأطلسي، وبينما تحمس الجمهور لإنجازه الرائع، كان هو يهيم في جنوب المحيط.

في يناير، أرسل برقية قائلًا إنه يعاني من مشاكل في غمر المولد، وأنه سيرسل رسائل عندما يكون ذلك ممكنًا، ثم اختفى في مهب الريح قرابة ثلاثة أشهر. وبحلول أوائل أبريل، أرسل برقية تشير إلى أنه على وشك الالتفاف حول كيب هورن.

في 22 يونيو، بعد محاولة إصلاح أعطال في جهاز الإرسال، تمكن كروهرست من إرسال رسائل شفرة مورس. ترك قاربه ينجرف بلا هدف عبر بحر سارجاسو الغامض، الذي تردد شائعات تاريخية أنه يبتلع السفن في السجادة السميكة من الأعشاب البحرية على سطحه.

في صباح الأول من يوليو، قدم كروهرست اعترافًا طويلًا لتزويره، واختتمه بعبارة «لقد انتهت، إنها الرحمة». بعد تسعة أيام، اكتشفت سفينة كروهرست في المحيط الأطلسي، وكانت الدفاتر والملاحظات التي احتوت على جميع الأدلة على أن كروهرست من المحتالين، موجودة في المقصورة، ولكن كروهرست اختفى، ولم يُعثر عليه.

مجتمع

منذ 3 سنوات
أكثر المجرمين دهاءً على مر التاريخ.. أحدهم نجح في بيع برج إيفل مرتين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد