في بعض الأحيان نقرأ أعمالًا أدبية تأسرنا بين صفحاتها وتخلب لبنا لدرجة أننا أحيانًا ما نغلقها ونغمض أعيننا لنتخيل مشهدًا معينًا فيها أو تتصور شكل أحد أبطالها. وإن كانت مثل هذه الأمور تحدث مع القراء العاديين، فماذا يحدث مع  الرسامين الموهوبين حين يُفتنون بعمل أدبي؟

مثلهم مثل القراء العاديين، يتخيل الرسامون شكل شخصيتهم المفضلة من أي عمل أدبي يقرأونه، لكن الفرق يكمن في أن صورة البطل تلك لا تظل حبيسة أذهانهم، بل تُترجم إلى لوحات مرئية تعكس تصور ورؤية هؤلاء الفنانين لتلك الشخصيات وتخلد صورتها للأبد في أذهان القراء مثلما خلدها الأديب في عقولهم ومشاعرهم.

ولا أحد يدري إن كانت شهرة الأعمال الأدبية المقتبسة منها اللوحات الآتي ذكرها هي ما أكسبتها شهرتها، أم أن دقة الرسم وجماله هو ما فعل ذلك، ولكننا نترك الحكم لقارئ هذا التقرير ليقرر هذا الأمر.

1. لوحة «السيدة شالوت».. لعنة الحب من طرف واحد!

أربعة بروج رمادية، وأربعة جدر تطل على فضاء من الزهور، وصمت الجزيرة يحاصر السيدة شالوت.. فقط من يحصد الشعير مبكرًا يسمع أغنية تصدي بسعادة قادمة من تجاه النهر وذاهبة في عجالة نحو كاميلوت.. والحاصد بتعب تحت ضوء القمر، يجمع الحزم ويستمع لهمسات هذه الجنية، السيد شالوت. ** ألفريد تنيسون – «السيدة شالوت».

في برج منعزل بقلعة تُسمى شالوت، تجلس امرأة بديعة الجمال وحدها وتنكب على نول أمامها في غزل يبدو لا نهائيًا للخيوط التي حُكم عليها حياكتها حتى تنفك لعنتها وتتحرر من هذا الأسر.

لوحة «السيدة شالوت» – المصدر: Khan Academy 

كان الحب هو الشيء الذي لعنت تلك المرأة وأُسرت بسببه، فهي قد وقعت في حب لانسيلوت أفضل فرسان الملك آرثر، والذي لم يبادلها الحب أو يشعر بوجودها. وكانت لعنة حبها غير المتبادل تلك أن تجلس في برج وحيدة ولا تنظر للعالم من حولها إلا من خلال انعكاس صورته في مرآة معلقة أمامها.

لكنها لم تتمالك نفسها حين رأت انعكاس صورة حبيبها لانسيلوت في المرآة فنظرت إليه مباشرة لتجد البرج يتصدع من حولها، فحاولت الهرب أثناء عاصفة خريفية ومشت صوب النهر لتستقل قارب يوصلها إلى قلعة كاميلوت – حيث يقطن الملك آرثر وفرسانه النبلاء – لكنها تموت في الطريق من شدة البرد قبل أن تصل لمبتغاها.

تلك هي حكاية إيلين الملقبة بالسيدة شالوت، وهي إحدى الحكايات العديدة التي بها تغنى العديد والعديد من الكتاب والفنانين. وقد كانت قصيدة «السيدة شالوت» المنشورة في عام 1832 للشاعر ألفريد تينسون من أشهر الأعمال المقتبسة من هذه الأسطورة.

وبدوره استلهم الرسام الإنجليزي جون ويليام ووترهاوس من قصيدة تينسون لوحته الشهيرة بعنوان «السيدة شالوت»، وهي لوحة زيتية تتبع أسلوب جماعة ما قبل الرفائيلية وتصور المشهد الختامي في قصيدة تينسون، حين هربت السيدة شالوت من لعنتها التي ظلت تلاحقها وركبت قارب في البحر لتواجه مصيرها المحتوم.

وتظهر السيدة شالوت في اللوحة وهي تجلس على القماش الذي حاكته على النول، كما يظهر في مقدمة القارب فانوسًا وراءه صليب، وثلاث شمعات، تمثل حياة السيدة التي أصبحت نهايتها وشيكة بانطفاء شمعتين من الشمعات الثلاث، وبقاء واحدة فقط تبعث ضوءًا خافتًا.

وبعيدًا عن التفاصيل المجازية التي تمتلئ بها اللوحة، فإنها تعتبر من أهم اللوحات الواقعية التي تُبرز الطبيعة وتبرز تفاصيلها الخلابة مما أعطى لقصيدة تينسون بعدًا آخر، وأضاف الكثير من الشاعرية على آخر مشاهد قصيدته الشهيرة.

2. لوحة «دون كيشوت».. فارس يحارب طواحين الهواء

استطاع الأديب الإسباني ميجيل دي ثيربانتس وبطله دون كيشوت، الذي يريد سن قوانين الفروسية من جديد فيخوض حربًا خيالية مع طواحين الهواء رغبة منه في الدفاع عن العدالة والحب في عالم آثم، أن يستحوذا على اهتمام الرسام الاسباني الشهير بابلو بيكاسو الذي رسم لوحة تمجد هذا البطل.

لوحة «دون كيشوت» – المصدر: cubismsite

رسم بيكاسو هذه اللوحة عام 1955 بناء على طلب الشاعر الفرنسي لويس أراغون لينشرها في مجلة أدبية فرنسية خُصص عدد منها بالكامل لذكرى ميجيل دي ثيربانتس، فوقع اختيار بيكاسو على شخصية دون كيشوت ومساعده سانشو بانزا ليجعلهما موضوع لوحته التي وضعت على غلاف المجلة.

وتصور هذه اللوحة دون كيشوت على ظهر حصان بينما يركب مساعده بانزا على ظهر حمار وتظهر الشمس وعدد من طواحين الهواء في الخلفية. وعلى الرغم من أن الرسم قد يبدو للوهلة الأولى مجرد خربشات سوداء على ورقة بيضاء رسمها الرسام بعدم اكتراث، إلا أن نظرة أكثر تعمقًا للوحة تُظهر أن بيكاسو قد رسم هذه اللوحة بدقة وجرأة كبيرتين لدرجة جعلت من مجرد صورة بسيطة بالأبيض والأسود لوحة فريدة من نوعها وعملًا فنيًا لا يُنسى.

3. سلفادور دالي في «بلاد العجائب»

في عام 1969 طلب أحد المحررين في دار نشر راندوم هاوس من الرسام الأسباني الشهير سلفادور دالي رسم إصدار محدود من رواية الأطفال الكلاسيكية «أليس في بلاد العجائب» للكاتب الإنجليزي الشهير لويس كارول.

ولأن العقل الفني المذهل لسفادور دالي لا يعرف حدودًا، فقد وافق على هذا العرض ورسم رسمًا توضيحيًا واحدًا لكل فصل، بالإضافة إلى نقش بأربعة ألوان مثل واجهة هذه الرواية. وقد نُشرت 2700 نسخة فقط من هذه الرواية التي بيعت بأسعار مرتفعة للقراء الذين أرادوا أن يقتنوا رواية تحمل بداخلها لوحات عليها رسمها سلفادور دالي وعليها توقيعه.

إحدى اللوحات التي رسمها سلفادور دالي لرواية «أليس في بلاد العجائب» – المصدر: mymodernment

4. لوحة «أوفيليا».. امرأة قتلها الحب

في مسرحيته الأشهر «هاملت» يروي ويليام شكسبير قصة أمير شاب قتل عمه والده وتعاونت والدته مع العم القاتل على سرقة العرش منه، فيصيب الأمير الشاب مس من الجنون، وتجعله خيانة أمه له ولأبيه يفقد الثقة في جميع النساء، ومنهم حبيبته أوفيليا التي نعتها بالعاهرة وقتل والدها، لينتهي بها الأمر هي الأخرى إلى الجنون، وتلقي بنفسها في قاع النهر بعد أن فقدت والدها وحبيبها.

وقد أثرت هذه النهاية المأساوية لأوفيليا في  الرسام الإنجليزي جون إيفرت ميليه فرسم لوحة تصور تلك النهاية وأسماها «أوفيليا».

تنتمي هذه اللوحة للمدرسة الفنية المعروفة بما قبل الرفائيلية، وهي مدرسة يركز رساموها على رسم مواضيع من الحياة الحديثة والأعمال الأدبية. وقد استغرقت هذه اللوحة من ميليه عامين كاملين، فهو قد بدأ رسمها في عام 1851 وأنهاها في عام 1852، وهي تُعد من أهم وأشهر اللوحات التي صورت النهاية المأساوية لبطلة شكسبير.

5- لوحة «مجال أرنهايم».. عندما يُغرم الفنان بعمل أدبي

هذه المرة لا تصور اللوحة المعروضة هنا أحد الشخصيات الأدبية، بل تصور منظرًا طبيعيًا وُصف بدقة في قصة كاتب الرعب الأمريكي الشهير إدجار آلان بو بعنوان «مجال أرنهايم»، وتحمل اللوحة أيضًا هذا العنوان.

لوحة «مجال إرنهايم» – المصدر: Matters on Art  

رسم هذه اللوحة الرسام السريالي البلجيكي رينيه ماجريت الذي كان شديد التأثر بأعمال إدجار آلان بو. وتبنى كل من ماجريت وبو وجهة نظر تدعي أن المناظر الطبيعية، مهما كانت جميلة، فإنها لا ترقى إلى درجة الكمال، وأنها تحتاج إلى شيء من التحسين.

وانطلاقًا من هذا المعتقد انبهر ماجريت بقصة «مجال إرنهايم» لإدجار آلان بو لأنها تتناول وجهة النظر تلك بمزيد من التفصيل، فهذه القصة تروي حكاية إليسون الذي ورث 45 مليون دولار في بدايات القرن التاسع عشر وقرر أن ينفق ثروته كلها على صنع مناظر طبيعية مثالية. ومثله مثل أليسون، قرر ماجريت صنع منظرًا طبيعيًا مثاليًا في لوحته التي رسمها في عام 1962 والتي تصور مظهرًا خلابًا لسلسلة جبال يتوسطها نسر لُيحيي بذلك مشهدًا من المشاهدة المحببة إلى قلب أديبه المفضل.

فنون

منذ شهرين
من الفرشاة إلى حامل اللوحات.. تاريخ أدوات الرسم عبر العصور

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد