نراها شامخة، تناجي السماء بفروعها، ثابتة أمام عوامل الزمن بفعل جذورها الضاربة في الأرض. دائمًا ما ترتبط في الأذهان بالثبات والترابط، فنقول مثلًا «شجرة العائلة»؛ دليلًا على أن لتلك العائلة جذورًا، لكنها تفرعت في أماكن كثيرة، ونقول «سافر فأنت لست شجرة»، دليلًا على ثبات الشجر في مكانه، وقدرته على البقاء في المكان نفسه لمدة قد تصل أحيانًا إلى ألف عام، ولذلك ينقش الأحباء أسماءهم  على جذوع الأشجار، لإدراكهم أنها قد تعيش أكثر منهما.

تُعد الأشجار من النباتات المهمة للبشر والبيئة، لكننا في هذا التقرير لن نتحدث عن دورها البيئي، بل نتحدث عن دورها في وعي البشر، خاصة من يتعاملون مع بعض الأشجار حتى الآن على أنه شجر مقدس أو له قدرات علاجية في شفاء البشر، أو قدرة على تلبية طلبات اللاجئين إليه، بل إن هناك بشرًا تربطهم علاقة أكثر تعقيدًا بالشجر؛ حتى إن امرأة أمريكية قررت أن تتزوج شجرة عمرها 100 عام في محاولة منها لإنقاذها من القطع.

«روح العالم».. ماذا تعرف عن الـ«Animism»؟

في عام 1871 نشر أستاذ الأنثروبولوجي بجامعة أكسفورد، السير إدوارد بيرنت تايلور، كتابه «Primitive Culture»،  والذي يعد واحدًا من أهم كتبه التي حاولت تتبع التطور الثقافي للبشر. في هذا الكتاب صاغ تايلور للمرة الأولى مصطلح «Animism»، والذي يعني «الأرواحية» أو مذهب حيوية المادة، وشرح تايلور أن الأرواحية هي الإيمان بأن كل الموجودات في العالم لها روح ولها قدرة على مساعدة البشر حتى النباتات والصخور.

وعلى الرغم من أن هذا الفكر ليس له وجود في الديانات الرئيسية المنتشرة في أنحاء العالم، فإن تلك النوعية من الإيمان يمكن رصدها – بحسب تايلور- في الشعوب القبلية، وفي معتقدات السكان الأصليين.

«خرافات بدائية» 

هكذا وصف المبشرون المسيحيون «الأرواحية» لدى قبائل السكان الأصليين في آسيا والأمريكتين وأفريقيا، لكن على الجانب الآخر كان هناك بعض العلماء والمتدينين أيضًا الذين وجدوا في هذا المذهب البدائي بذرة أولى للأديان، ورغبة من البشر في العبادة واللجوء لهدف أسمى. بينما وجد بعض علماء الأنثروبولوجي أن هذا المذهب قد يكون المفتاح لفهم عقل الإنسان البدائي، والخطوة الأولى التي خطاها في اتجاه الفكر الثقافي، وقتها لم يجد أمامه قوة عليا سوى الطبيعة يلجأ إليها، فهي ما تمده بالطعام والحياة.

لكن هذا الفكر الذي أطلق عليه البعض «بدائي» ما زال متجذرًا مثل الأشجار في نفوس بعض الثقافات البشرية حتى الآن، وقد ترى اليوم في عام 2021، حيث تسيطر التكنولوجيا والعقلانية على حياتنا؛ مجموعة من البشر يلجؤون إلى شجرة كي تلبي رجاءهم.

إليك بعض الأمثلة من مذهب الـ«Animism» أو الأرواحية التي ما زالت منتشرة في أنحاء العالم حتى وقتنا هذا، في تأكيد واضح أن هذا الوعي البدائي الذي استدلت به تلك الشعوب في البحث عن مصدر الحياة؛ ما زال متأصلًا في الوعي الجمعي للبشر، حتى لو كان دون إدراك واعٍ منهم.

شجرة مريم: هنا جلست السيدة العذراء وابنها المسيح

في عام 2019، ووسط أحد أهم شوارع منطقة المطرية في القاهرة، كان يمكنك أن ترى أعمال الترميم حول تلك الشجرة. كان هدف وزارة الآثار المصرية من هذا الترميم هو إزالة جميع القمامة والعراقيل التي تمنع الزوار من الوصول إلى تلك الشجرة التي تقف شامخة، تنظر إلى هؤلاء البشر العاملين على خدمتها وتنظيف محيطها.

وكانت أعمال الترميم الخاصة بـ«مزار شجرة مريم» خطوة مهمة، نظرًا إلى عدد الزوار الذين يأتون إليها، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين على حد سواء.

وقصة تلك الشجرة تعود إلى قصة رحلة العائلة المقدسة في مصر، حيث يؤمن المسيحيون بأن السيدة العذراء جلست تحت تلك الشجرة واحتمت بظلها هي والسيد المسيح.

لهذا فإن للشجرة مكانة كبيرة في الوعي الجمعي المصري المسيحي والمسلم، ويقصدها المصريون من جميع المحافظات بغرض التبرك بها والرجاء، سواء كانت من تلجأ إليها امرأة تتمنى الحمل أو الزواج، أو رجلًا يتمنى الشفاء من مرض ما، وقد نُسجت حول تلك الشجرة الكثير من القصص التي قد تصل إلى حد الأساطير، وتعد القصة الأشهر لتلك الشجرة هي قدرتها على شفاء جنود الحملة الفرنسية من مرض الطاعون بعد أن تناولوا المادة السائلة المستخرجة من فروعها.

تخطى عمر تلك الشجرة مئات السنين، وعلى الرغم من أن فروعها لم تعد خضراء، وقد تحولت إلى مجموعة من الجذوع والأخشاب التي أرهقها الزمن، فإن البشر أضفوا عليها قيمة اجتماعية وروحية أكبر من المظهر الذابل، بل إن تلك القيمة جعلت من هذا المنظر الذابل دليلًا على الحكمة وشهادتها للكثير من الوقائع التاريخية المهمة، وأهمها رحلة العائلة المقدسة في مصر.

وفي عام 2018 قدم الإعلامي المصري محمود سعد حلقة كاملة من برنامجه «باب الخلق» من أمام تلك الشجرة، ليحكي للأجيال الجديدة قصتها، ما يؤكد أن تلك الشجرة متجذرة في تاريخ الوعي البشري، وما زالت تمد فروعها الذابلة للأجيال القادمة.

الشجرة المشتعلة: «متجذرون في عبادة الله متفرعون في اتباع أنبيائه»

متفردة من نوعها، شاهدة على التاريخ، حاول المصريون زراعة شجرة تشبهها بجوارها لكنهم فشلوا، ما زاد قصتها قدسية وأبعادًا نفسية وروحانية لدى المصريين والسائحين القادمين إلى سانت كاترين من أنحاء العالم؛ هي شجرة العليقة التي يطلق عليها الشجرة المشتعلة، والتي يُحكى أن النبي موسى ناجى الله من خلالها.

في حين يضفي اللون الأخضر الذي يسيطر على فروع وأوراق تلك الشجرة طوال العام حتى في فصل الخريف، المزيد من السطوة الروحية على زوار المكان.

يأتي الزوار من جميع أنحاء العالم، ليتركوا على الحائط المجاور لها أوراقًا مكتوبًا عليها أمانيهم وطلباتهم بلغات مختلفة، إيمانًا منهم بأن تلك الشجرة لها القدرة الروحية على تلبية تلك الأمنيات، ويُحكى عن تلك الشجرة أن النبي موسى كان يبحث عن حطب بجوارها كي يشعل نارًا للتدفئة، فتجلى نور الله في تلك الشجرة على هيئة نار تبعث الدفء، وكلما توهجت الشجرة بالنيران زادت خضرتها ولم تحترق.

في كل عام – بحسب موقع بريتانيكا- يسافر ما يقارب 50 ألف سائح مسيحي ويهودي ومسلم إلى دير سانت كاترين بمصر، حيث تقف تلك الشجرة شاهدة على التاريخ في مكان يُطلق عليه «مكان التقاء الأديان»، وتحت هذه الشجرة يقف مجموعة من البشر، متجذرين في عبادة الله، متفرعين في اتباع أنبيائه.

ثيماما ماريمانو: شجرة عمرها 6 قرون نبتت من جسد امرأة مخلصة

كانت ثيماما  – وفقًا للأسطورة الهندية- تحب زوجها حبًا جمًّا، وعاشا حياة هادئة ورومانسية خلال القرن الخامس عشر في الهند، لكن القدر تدخل ليفرق بينهما حين أصيب زوجها بالجذام، وتوفي صريعًا بهذا المرض.

لم تترك الزوجة المُحبة هذا الزوج يرحل عن العالم وحده، وأحرقت جسدها يوم جنازته، لكن في لحظة احتراق جسد الزوجة على الأعمدة الخشبية، مد واحد من الأعمدة الخشبية جذوره في الأرض، وتوحدت ثيماما مع العمود الخشبي المتجذر في التربة لتتحول إلى شجرة لها قدرات خارقة!

هذه الشجرة ما زالت موجودة حتى الآن في الهند، ويطلق عليها «ثيماما ماريمانو» على اسم المرأة التي نمت الشجرة من رفات جسدها.

 على الرغم من أنها ليست واحدة من الوجهات السياحية المتعارف عليها في الهند، فإن هناك ما يقرب من 120 مليون شخص يزور ولاية أندرا براديش جنوب شرقي الهند، والسبب وراء تلك الزيارة هو هذه الشجرة. فأغلب من يزور تلك الولاية يكون من الحجاج الهندوس، وتلك الشجرة لا تعد مزارًا سياحيًّا فحسب، بل إنها أعجوبة طبيعية دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية.

شجرة ثيماما ماريمانو هي شجرة تين بنغالي وتنمو في واحد من أكثر المناطق جفافًا في الهند، تفرد فروعها ذراعيها على مساحات واسعة مانحة ما حولها ظلالًا وفيرة، أهلتها أن تكون أضخم شجرة في العالم عام 1989 بحسب موسوعة جينيس، فهي تمتد على مساحة خمسة فدادين، ويبلغ محيط جذعها 846 مترًا، تلك المساحة التي تسمح لها باحتواء معبد كامل بداخلها.

والأهم أنها تبلغ من العمر ما يقرب من 600 عام؛ وشهدت هذه الشجرة ما لم يشهده أجداد أجدادنا، وتضم أكثر من 4 آلاف جذرًا، ولا تزال ممتدة وتنمو رغم ما تعرضت له جذورها من خسارات بسبب الأعاصير والعواصف وموجات الجفاف، لكن ما يميز تلك الشجرة ليست مميزات بيئية فقط، ولكن لها في أذهان شعب الهند بشكل خاصة قيمة روحية وقومية.

نمو الشجرة المتواصل ومعاصرة أجيال متتالية عليها، منح تلك الشجرة طابع الخلود في أذهان الشعب الهندي، خاصة أتباع الديانة الهندوسية، وأصبحت بالنسبة لهم رمزًا للخصوبة والحياة والبعث بعد الموت. لكن هذه الشجرة أيضًا تحتضن فروعها أكثر من دين، فيمكنك أن ترى أتباع الهندوسية والبوذية وغيرها من الديانات المنتشرة في الهند، وهم يلتفون حولها كل عام، واضعين تذكارات حولها من رموزهم الدينية المختلفة، وصانعين أضرحة صغيرة فوق جذورها الممتدة في الأرض لقرون طويلة، ويؤمن الكثير من الحجاج أن لمس هذه  الشجرة له القدرة على منح الجسم والعقل صحة.

تقديس الأشجار.. في البدء كان البحث عن الأمان

عندما عاش الإنسان الأول دون أي ديانات أو أنبياء، كان يبحث عن الأمان في الطبيعة من حوله، والأشجار كانت – وما زالت- تمنحه الكثير من الطعام والظل والأخشاب، وقدرتها على الحياة لقرون طويلة منحتها نوعًا من أنواع الحكمة في أعين البشر. فتلك الشجرة التي تزرعها الآن أمام منزلك، قد يستظل بظلها أحفادك وهم يلعبون في إجازتهم الصيفية، فتكون تلك الشجرة وسيلة تواصل بين الأجيال، وكأن الجد يمد يده من خلال هذه الشجرة ليحمي أحفاده من ضربة شمس تتربص بهم، ربما لهذا لا تزال للأشجار مكانة مقدسة بين البشر.

منوعات

منذ سنة واحدة
«المياه المُقدَّسَة».. أنهار وآبار يتوافد عليها الحجيج حول العالم

المصادر

تحميل المزيد