563

قليلون هم الأشخاص الذين يتمكنون من صنع المجد مع آخرين، فدائمًا ما يفضّل الأشخاص البارزون في مجالات الحياة المختلفة الانطواء والعمل وحدهم. الدائرة تضيق أكثر حين يكون هؤلاء الأشخاص البارزون إخوة؛ تربوا معًا وقضوا حياتهم سويًا منذ الولادة، وتضيق الدائرة أكثر حين يكون مُنتج هذين الأخوين قد أحدث صدى في التاريخ، بالأخص إن تمكنا من حفر اسمهما معًا. في هذا التقرير، نستعرض أبرز الإخوة الذين حقّقوا تلك المعادلة الصعبة.

الإخوة الفراعنة.. أنوبيس وباتا وبينهما خائنة

ترك الفراعنة إرثًا كبيرًا من الحكايات والأساطير المصرية القديمة، لكن العامة من الناس لم يخلّدوا سوى القليل منها، ومن هذه الأساطير الباقية والمتداولة أسطورة الأخوين؛ الأخ الأكبر أنوبو ويُعرف بأنوبيس أيضًا، والأخ الأصغر باتا، وقال بعض المؤرخين إن الأخوين من الآلهة المصرية القديمة، ويرجع عصر الأخوين وقصتهما إلى الأسرة التاسعة عشر على الأرجح، أي في تاريخ الدولة الحديثة عند القدماء المصريين.

Embed from Getty Images

تحكي القصة أن أنوبيس كان متزوجًا، بينما باتا أعزب، ويعيشان معًا ولديهما مزرعة يعملان فيها، وذات يوم طلب أنوبيس من أخيه باتا العودة إلي البيت وإحضار بذور للزراعة، وعندما ذهب باتا وجد امرأة أخيه تمشط شعرها، طلب منها أن تحضر البذور فقالت له أن يذهب هو ويحضرهم من الصومعة.

ذهب باتا وأحضر الكثير من البذور، فانتبهت زوجة أخيه إلى قوته البدنية، فطلبت منه أن يترك البذور، وحاولت إغراءه إلا أن باتا رفض، ونهاها عن فعلتها ووعدها بأن لا يخبر أخاه، فما كان منها إلا أن أضمرت له السوء سرًا. وفي تلك الليلة تظاهرت بالمرض، وأخبرت زوجها أنوبيس بعكس ما حدث، وحرّضت أنوبيس على قتل أخيه الأصغر.

حاول أنوبيس قتل أخيه بالسكين، وهرب باتا ولاحقه أنوبيس، فدعا باتا الإله راع أن ينقذه، فصنع راع بينهما بحيرة مليئة بالتماسيح، ووقف كل منهما على ضفة، وحكى باتا لأخيه ما حدث، وحتى يثبت براءته قطع عضوه الذكري، وقال لأخيه إنه ذاهب إلى وادي الأرز وأنه سيعلّق قلبه على شجرة، وإن سقطت الشجرة فسيموت، وحدد باتا لأنوبيس علامة لأخيه تدلّ على موته، وهي فورانُ كأس الشعير في يده، وأن عليه في هذه الحالة أن يبحث عن قلبه ويضعه في الماء حتى يستعيد الحياة.

بالفعل يذهب باتا، ويعلّق قلبه وتمنحه الآلهة زوجة جميلة لا مثيل لها، ولكن الملك يعرف بها فيأخذها محظية لديه، فتُبلغ الزوجة الملك أن يقطع الشجرة المعلق عليها قلب باتا حتى يموت، فيفعل الملك، ويفور كأس الشعير من يد أنوبيس فيذهب للبحث عن قلب أخيه الأصغر ويجده، ويعيده للحياة، ويرجع باتا لينتقم من زوجته التي أمرت بقتله، وبعد الكثير من الأحداث يتمكن باتا من الانتقام من زوجته الخائنة ويصبح ملك مصر، ويعين أخاه أنوبيس وليًا للعهد، أما زوجة أخيه والتي تسببت في كل ذلك، فلم تُشر المصادر إلى مصيرها.

الأسطورة في مجملها تعكس روح الأخوة وصلة الدم الوثيقة بينهما، كما برهنت على أن تلك الصلة لا تنقطع لمجرد وجود خائن في المنتصف بينهما. هذه الأسطورة أثرت بشكل كبير في العقلية المصرية الإبداعية، لذا نجد تلك القصة لا تزال تحكى بطرق عديدة في المواويل الشعبية، كما أنها ألهمت أدباء أعمالًا أدبية مثل مسرحية أحمد علي باكثير «الفرعون الموعود» سنة 1945، ونجيب محفوظ فى الحكاية الثالثة من روايته «الحرافيش» وحملت عنوان «الحب والقضبان».

«إخناتون كان أشبه بالفضائيين!».. هل كان الفراعنة بنفس جمال تماثيلهم حقًا؟

بنو موسى.. الميكانيكا تبدأ من أول فريق بحث علمي

القصة تبدأ من القرن الثالث الهجري، حين تولى المأمون بن هارون الرشيد الحكم خلفًا لأبيه هارون الرشيد بعد أن هزم أخاه الأمين. كان موسى بن شاكر عالمًا مقرّبًا من هارون الرشيد ومن المأمون بعده، وكان رجلًا جمع السياسة والعلم، وله ثلاثة أبناء: محمد، وأحمد، والحسن، ولدوا جميعًا في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك. وحين توفي موسى في سن مبكر، تولّى المأمون رعاية الثلاثة وعمل على نشأتهم نشأة علمية مثل أبيهم.

بنو موسى أو الإخوة الثلاثة عملوا معًا، ودرسوا سويًا الهندسة والرياضة والفلك والميكانيكا، ويعُدون من أوائل العلماء العرب الذين درسوا الأعمال الرياضية اليونانية ووضعوا أساس المدرسة العربية للرياضيات، ووضعوا طريقة البحث، كما ترجموا عن اليونانية الكثير من الكتب الرياضية والفلك.

وألّف بنو موسى في علم الحيل كتاب «حيل بني موسى» ويتضمن كتابهم هذا 100 تركيب ميكانيكي، ويُعد هذا الكتاب من أوائل كتب علم الميكانيكا، وهو من أشهر أعمالهم، وشرحوا فيه صعود مياه الأنهار والعيون إلى أعلى، وكيفية ترشيح الآبار من الجوانب، وبينوا كيفية صعود المياه إلى الأماكن المرتفعة في القلاع ورؤوس المنارات، كما طبّقوا نظرياتهم على حاجاتهم اليومية في القلاع المرتفعة، ويذكر أنهم أول من قدموا فكرة طواحين الهواء.

وفي الفلك وضع بنو موسى ملاحظات ومساهمات في ذلك، وكتبوا ما يقرب من 12 منشورًا عن أبحاثهم الفلكية، كما دوّنوا العديد من الملاحظات عن الشمس والقمر، وقاموا بقياس طول أيام العام فكان حسابهم 365 يومًا وستّ ساعات.

وليس من المغالاة القول أن بني موسى هو أول فريق بحث علمي، فقد عملوا سويًا ووضعوا النتائج مع بعض وفقًا لما وصل إلينا من أعمالهم، خصوصًا أن أعمالهم أغلبها قد فقدت.

«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

جريم.. حكايات الأطفال للتو بدأت

قد لا نعرف أسماءهم، لكن الكثير منّا دون شكّ يعرف أعمالهم وكتاباتهم جيّدًا، فكل الحكايات التي استمتعنا بها ونحن صغار، ولا نزال نرويها، هي حكاياتهم، ونعرف أيضًا أبطال حكاياتهم مثل «سنو وايت»، و«الرداء الأحمر»، و«سندريلا»: إنهما الأخوان  جريم.

جاكوب وفيلهلم جريم، الأخوان اللذان كتبا كل الحكايات التي علقت بأذهاننا ونحن صغار، جاكوب هو الأخ الأكبر الذي ولد عام 1785، وفيلهلم هو الأصغر وولد 1786، نشأ في بلدة هاناو في ألمانيا ، وكان لديهم أربعة أشقاء آخرين، درسا القانون في جامعة ماربورغ، اقتداء بوالدهما الذي كان يعمل محاميًا.

تمكن جاكوب من العمل أمين مكتبة مملوكة لشقيق نابليون بونابارت الذي يُدعى جيروم، ملك ويستفاليا؛ عام 1808. بينما بدأ فيلهلم العمل سكرتير مكتبة في كاسل في ألمانيا عام 1814، وانضم إليه جاكوب في عام 1816. تأثر الأخوان بالرومانسية الألمانية، وكانت وقتها حركة سائدة، ودرسا الفولكلور الشعبي الألماني، وركّزا على تسجيل القصص القروية الشفاهية، والتي كانت تتلاشى مع ظهور التكنولوجيا الجديدة، قام الأخوان من دمج القصص الشفاهية مع القصص المطبوعة القديمة، ووضعا قصصًا جديدة محبوكة أكثر من مصادرها الأصلية.

Embed from Getty Images

توّجت أعمال جاكوب وفيلهلم في كتاب «Kinder-und Hausmärchen»، وتم نشر المجلد الأول منها في ألمانيا عام 1812، وتبع ذلك المجلد الثاني في عام 1815، وقد عُرفت المجموعة لاحقًا باسم حكايات جريم الخرافية، وضمت تلك الحكايات القصص الشهيرة مثل «سنو وايت»، «الرداء الأحمر»، و«سندريلا».

عمل الأخوان في جامعة غوتنغن عام 1830، وأصبح فيلهلم مساعدًا لأمين المكتبة، بينما عكف جاكوب على الأبحاث العلمية عن تاريخ اللغة الألمانية، وسرعان ما غادر الاثنان الجامعة في منتصف 1830، نتيجة لنفيهم من قبل ملك هانوفر، إثر احتجاجهم على التغييرات التي قام بها لدستور المنطقة. وفي عام 1840، قرّر الأخوان الاستقرار في برلين، وأصبحوا أعضاء في الأكاديمية الملكية للعلوم، ثم عملوا على إعداد قاموس شامل للغة الألمانية، لكنهما ماتا قبل أن يكتمل القاموس، حيث توفي فيلهلم عام 1859، وجاكوب عام 1863.

الأخوان رايت.. إنها حقًا تطير بعيدًا

قد يكون هذان الشقيقان هما الثنائيّ الأشهر على الإطلاق، ولم لا؟ فهما من حقّقا الحلم الذي سعى إليه الكثير من العلماء وأخفقوا في تحقيقه؛ بينما تمكّنا هما منه: إنه حلم الطيران.

نعرفهم باسم الأخوين رايت، الأخ الأكبر يدعى ويلبر وهو من مواليد 1867، والأصغر يدعى أورفيل وهو من مواليد 1871، وُلد الأخوان وأشقاؤهم الثلاثة الآخرون في ولاية إنديانا في الولايات المتحدة الأمريكية، لأب يدعى ميلتون رايت، وكان أسقفًا في الكنيسة، ولأم تدعى كاترين كورنر.

كان ويلبر متفوقًا في دراسته، إلا أن حادثة صغيرة غيرت حياته بالكامل، حين كان يلعب هوكي الجليد، فضربه لاعب آخر بالعصا في وجهه، وأصيب بجروح بالغة على إثرها. وبسبب تلك الحادثة لم يحصل ويلبر على شهادة الثانوية العامة، وفي عام 1889 بدأ الأخوان في مشاريعهم الخاصة، فأطلقا جريدة محرّرها ويلبر، وناشرها أورفيل، ثم في عام 1892 افتتحا متجرًا للدراجات.

عمل الأخوان رايت معًا في مشاريع ميكانيكية مختلفة، لكنهما انجذبا لقراءة أبحاث الطيار الألماني أوتو ليلينتال، والذي توفي في حادث تحطم طائرة شراعية كان يصنعها بنفسه. قرّر الأخوان بدء تجاربهم الخاصة مع الطيران، وعملا على محاولة تصميم أجنحة للطيران، فلاحظا أن الطيور تعلو أجنحتها لتوازنها وتحكمها، وحاولا محاكاة ذلك، وحين تمكنا من إضافة دفّة متحركة، وجدا أنهما فكّا لغز الطيران، وفي 17 ديسمبر (كانون الأوّل) 1903، نجح الأخوان في الطيران في أول رحلة جوية مجانية يتم التحكم فيها بالطاقة، إذ طار ويلبر بالطائرة لمدة 59 ثانية، وارتفع 852 قدمًا أي ما يعادل 260 مترًا، وهو إنجاز غير مسبوق آنذاك.

لم تكتمل فرحة الأخوان بنجاح تجربتهما، فلم يلقيا تقديرًا من المجتمع، وتردّد الكثير في  تصديق مزاعمهم، لذا انطلق ويلبر إلى أوروبا في عام 1908، حيث كان يأمل في أن يحقق نجاحًا أكبر في إقناع الجمهور وبيع الطائرات، وفي فرنسا وجد ويلبر جمهورًا أكثر تقبلًا، وقام بالعديد من الرحلات العامة، وأعطى رحلات مجانية إلى المسؤولين والصحفيين ورجال الدولة، وفي عام 1909 انضم أورفيل لشقيقه في أوروبا، وأسّسا شركة حملت اسمهما «رايت»، وبدأت الشركة في بيع طائراتها في أوروبا، قبل العودة إلى الولايات المتحدة في عام 1909، ليتحقق لهما المجد والشهرة والثراء.

ويلبر الذي صار المدير التنفيذي لشركة رايت، أصابته حمّى التيفود فمات في عام 1912، أما أخوه الأصغر أورفيل فأكمل مسيرته، وتوفي لاحقًا في عام 1948.

لوميير.. عن السينما وصُناع فيلمها الأول

الشغف قادهما إلى صناعة الفيلم الأول المتحرك في العالم، كان شغفهما يتلخّص في معدّات التصوير الفوتوغرافي، وهذا الشغف كان كافيًا جدًا لصناعة السينما؛ إنهما الأخوان لوميير

ترك الأب أنطوان لوميير عمله الأساسي بوصفه رسام بروتريه، واتجه إلى التصوير الفوتوغرافي، وافتتح شركة خاصة في هذا المجال في مدينة ليون الفرنسية، لكن قبل الانتقال إلى ليون؛ كان الأب متزوّجًا من جين جوزيفين كوستيل، وأنجب منها أربعة أطفال: جين وإدوارد، وأوجست الذي ولد في أكتوبر 1862، ولويس المولود أيضًا في أكتوبر لكن عام 1864، والأخيران هما المعروفين بالأخوين لوميير.

بدأ لويس لوميير بتجريب المعدات التي كان والده يصنعها، وفي عام 1881، ابتكر لويس عملية «الصفيحة الجافة» والتي طوّرت الفيلم الفوتوغرافي وجعلت عملية التصوير أسرع وأسهل، مما أكسب والده مليون دولار في السنة، أتاح هذا النجاح للأخوين المزيد من التجارب.

حوّل الإخوة تركيزهم على الصور المتحركة، فعملوا معًا على اختراع تقنية يمكنها أن تجعل الأفلام تتحرك باستمرار من خلال كاميرا الأفلام، وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1895، قام الأخوان في مقهى جراند كافيه في باريس، بعرض أول فيلم لصورة متحركة، عبر اختراعهما الذي أطلقا عليه اسم السينموغرافيا، وكان هذا الحدث البارز عبارة عن عرض لأفلام قصيرة يبلغ طول كل منها 50 ثانية، وكان أوّل فيلم عبارة عن مشاهد العمال الذين غادروا مصنع لوميير.

بعد أن أصبحا مشهورين إلى حدٍ كبير بسبب أفلامهم، ذهب الإخوة إلى فتح المسارح في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وقاما بجولة في أنحاء العالم مع تصويرهم السينمائي، وحصل الأخوان لوميير على ميدالية إليوت كريسون الذهبية عام 1909، وهي أعلى جائزة قدمها معهد فرانكلين -وهو متحف علمي في أمريكا- تقديرًا لعملهما في التصوير الفوتوغرافي الملون.

أكمل لويس مسيرته في صناعة الأفلام حتى توفي في يونيو(حزيران) 1948، أما أوجست فكان قد حوّل جهوده نحو اهتماماته غير المستغلة في الكيمياء الحيوية والطب، ونشر أبحاثًا عن أمراض مثل السرطان والسُلّ، واستمر في أبحاثه الطبية حتى توفي في ليون في فرنسا عام 1954.

ملف «سينما» ساسة بوست: عشرات الأفلام الساحرة المنتقاة.. تخير منها

شول.. تحيا الحريّة ومرحبا بالإعدام

النضال والمقاومة أيضًا يعرفان طريق الأخوّة. هذه المرّة كان النضال ضد واحد من أسوأ الأنظمة على الإطلاق في العصر الحديث: إنه النظام النازي لأدولف هتلر، والذي شرد وقتل الملايين وقاد العالم إلى الحرب العالمية الثانية، أما الأخوان اللذان قرّرا النضال ضده، فهما هانز وصوفي شول.

Embed from Getty Images

الأخوان هانز وصوفي شول

في مدينة أولم بجنوب ألمانيا ولد هانز في عام 1918 وصوفي في عام 1921، لأب يدعى روبرت الذي يعمل مستشارًا ضريبيًّا، وأمّ تدعى ماجدالينا، وكان لديهما ثلاث إخوة آخرون. الوالد روبرت كان معارضًا لهتلر منذ بداية حكمه، بينما الأبناء كانوا في البداية مرحبين بهتلر باعتباره زعيمًا اشتراكيًّا، وانضم هانز وصوفي إلى منظّمات الشباب النازية.

في عام 1942 فقد الأخوان شول حماسهما للنازية، بل إنّ هانز بدأ يفكّر فيما سيفعله ضد النازية، وفي نفس العام تم استدعاء هانز وزملائه إلى الجبهة الشرقيّة للحرب من كلية الطب ليروا بأنفسهم أوضاع الحرب؛ ولمدة ثلاثة أشهر هناك، رأى هانز أشياء جعلته «يكفر» بالنازية.

في جامعة ميونيخ في عام 1942، شكّل هانز شول وثلاثة آخرون مجموعة مستعدة للاحتجاج ضد النازية، وانضمّت إليهم صوفي في وقت لاحق من العام، ووصفت المجموعة منشوراتها بـ«الوردة البيضاء»، كانوا يتركون منشوراتهم في الأماكن العامة. وبمساعدة مجموعات المقاومة الأخرى؛ تم توزيع المنشورات، والتي كانت تفضح هتلر وحكومته وتدعو الناس للثورة عليه.

هانز وصوفي شول من بين الألمان القلائل الذين قاوموا النظام النازي، وكان جزاء ذلك أن المنشور الذي يحمل الرقم السادس ضد هتلر؛ وبتوقيع مجموعة الوردة البيضاء كان الأخير؛ وتحديدًا في 18 فبراير (شباط) 1943.

كان هانز وصوفي يوزّعان المنشور في الجامعة، فتم رصدهما واعتقالهما، وقامت الشرطة السرية باستجوابهما. حاول كل من هانز وصوفي إقناع السلطات بأنهما يعملان بمفردهم، وليس لديهما رفقاء آخرون، وأخبرت صوفي المحققين أنها «لا تريد أن يكون لها أي علاقة بالنازية». واعتبرت الأدلة ضد الأخوين جريمة كافية، وفي 22 فبراير 1943 حكم على الأخوين بالإعدام، ونفّذ الحكم، وكانت كلمات هانز الأخيرة هي: «تحيا الحرية».

إلى الآن لا يزال يكرّم الأخوان شول لشجاعتهما، أسماؤهم تزين المدارس في كل مدينة ألمانية تقريبًا، وسمّيت على أسمائهم الساحات العامة والشوارع في جميع أنحاء البلاد، بل إن هناك جائزة تحمل اسمهم وهي من بين جوائز الأدب الأكثر تميّزًا في ألمانيا.

الأخوان كاسترو.. 59 عامًا من الحُكم المنفرد

حقّقا معادلة صعبة للغاية، إذ ناضلا وواجها القمع وحملا السلاح ضد النظام الدكتاتوري، وتمكنا من الحكم، وسيطرا عليه لمدة 59 عامًا، إنهما الأخوان كاسترو.

في بيران، وهي بلدة صغيرة في شرق كوبا، ولد فيدال كاسترو في 13 أغسطس (آب) 1926، وكذلك أخوه الأصغر راؤول الذي ولد في 3 يونيو (حزيران) عام 1931. كان والدهما من المزارعين الأثرياء من قصب السكر، والتحق الأخوان بمدرسة كاثوليكية لكن تم طردهما بسبب سلوكهما السيئ، ثم التحقا بمدرسة حكومية، ودخل فيدال جامعة هافانا لدراسة القانون، وكذلك راؤول، لكن في العلوم الاجتماعية، وانضمّ كلاهما إلى مجموعات شبابية اشتراكية، وشاركا في الاحتجاجات السياسية المختلفة.

Embed from Getty Images

فيديل (يمين) وراؤول كاسترو

في عام 1953، قام الأخوان كاسترو بمحاولة الإطاحة بالديكتاتور الكوبي باتيستا، ولكن انتهى الأمر بالأخوين في السجن، بعد هجوم فاشل على قاعدة عسكرية، وتم العفو عنهما في نهاية المطاف وأفرج عنهما عام 1955. فرّ الأخوان إلى المكسيك، وهناك التقيا بالمناضل الثوري إرنستو جيفارا، والذي انضمّ لهم بدوره وخطّطوا جميعًا للعودة إلى كوبا في العام التالي، للمحاولة مرة أخرى للإطاحة بنظام باتيستا.

تمكن الأخوان كاسترو من تشكيل تنظيم مسلّح، ودخلا إلى الأراضي الكوبية وانضم إليهما مناضلون آخرون، فخاضوا معارك عنيفة ضد نظام باتيستا، وفي عام 1958، حاول باتيستا فض هذه الانتفاضة بالاستعانة بالجيش الكوبي، وهاجمهم بالقوات البرية مع سلاح الجو والوحدات البحرية، لكن تمكن الأخوان واللذان كانا يديران الصراع بمشاركة جيفارا وباقي الثوار من الاحتفاظ بأرضهم، بل وتمكنوا من شن هجوم مضاد، وانتزعوا السيطرة من باتيستا في يناير (كانون الثاني) 1959، ووصل الأخوان كاسترو إلى هافانا بعد أسبوع، وسرعان ما استلم الأخ الأكبر فيدال الحكم في كوبا، بينما شغل الأخ الأصغر منصب وزير الدفاع.

في عام 1960، قام فيدال كاسترو بتأميم جميع الشركات المملوكة للولايات المتحدة، مما أنهى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفي أبريل (نيسان) 1961 حاولت أمريكا الإطاحة به فيما عُرف بـ«عملية خليج الخنازير»، إلا أن الأخوين كاسترو تمكنا من السيطرة على الوضع، واعتمد نظام كاسترو على الاتحاد السوفياتي. وعلى صعيد الحياة الاجتماعية، فقد ألغى فيدال كاسترو التمييز القانوني، ومد الكهرباء إلى الريف، وطور التعليم والرعاية الصحية. لكنه في المقابل أغلق صحف المعارضة وسجن الآلاف من المعارضين السياسيين ولم يتّخذ أي إجراء تجاه الانتخابات.

في عام 2008، استقال فيدال كاسترو من الرئاسة بشكل دائم، وبعد خمسة أيام، اختارت الجمعية الوطنية -مجلس الشعب- راؤول ليكون الرئيس الجديد للبلاد. توفي كاسترو في نوفمبر(تشرين الثاني) 2016، عن عمر يناهز  90 عامًا، أمّا راؤول فأعلن تنحيه عن منصب الرئاسة طواعية في مطلع العام الجاري 2018، وانتخبت الجمعية الوطنية في كوبا ميجيل دياز كانيل رئيسًا للبلاد، بعد أن شارف حكم الأخوين على 59 عامًا.

معركة النغول مع الحياة! 5 عظماء لم تكن تعرف غالبًا أنهم أبناء غير شرعيين

رحباني.. «اسمن ما عم ينمحى»

اقتسما الشعر والموسيقى، والطفولة البائسة، لكن كان لديهما حلم سعيا إليه، واهتديا إلى صوت ملائكي كلّل نجاحهما، كانت صاحبة الصوت هي فيروز، وكان أصحاب المشروع الغنائي المنفرد هما  الأخوان رحباني.

في بلدة أنطلياس الواقعة بمحافظة جبل لبنان، ولد عاصي الرحباني عام 1923، ومنصور الرحباني عام 1925، والدهما حنا الرحباني كان مستأجرًا لمقهى فوار أنطلياس، وكان يعزف على آلة البزق بين أصحابه وأفراد عائلته ومن بينهم ابناه عاصي ومنصور، وكانت ظروفهما المادية متعسّرة، فعاشا يتنقلان من بيت إلى آخر، وينقل الشاعر اللبناني هنري زغيب عن منصور قوله: «تشرّدنا في منازل البؤس كثيرًا، سكنًّا بيوتًا ليست ببيوت، هذه هي طفولتنا».

في عام 1938 اقتنى عاصي آلة موسيقية لأوّل مرّة في حياته، ونتيجة لظروف العائلة الماديّة اضطر عاصي إلى الالتحاق بسلك الشرطة في أنطلياس عام 1942، وتبعه شقيقه منصور، ولكنهما تابعا دراسة الموسيقى وتعرّفا أثناء الدراسة إلى المخرج صبري الشريف الذي أخرج فيما بعد أغلب مسرحيّاتهما الغنائية. وفي عام 1947م دخل عاصي الإذاعة اللبنانية عازفًا للكمان.

كان الأخوان يحلمان بمسرح غنائي، وهو الحلم الذي نجحا في تحقيقه في الخمسينيات، وفي تلك الفترة اكتفيا بإطلاق الألحان الإذاعية القصيرة التي غنّتها أختهما سلوى. كان لدى الرحبانية حلم أكبر من المسرح الغنائي، وهو خلق موسيقى لبنانية خالصة، فجلبا من الفولكلور بعض الأغنيات وأعادا توزيعها، وفي عام 1951 تعرف عاصي على فيروز من خلال حليم الرومي وكان عمرها 15 سنة، و لحّن لها أول أغنية بعنوان «غروب» وبدأ بذلك العمل المشترك؛ الأخوين رحباني وفيروز.
Embed from Getty Images

منصور الرحباني (2005)

أعاد الأخوان رحباني إحياء الموشّحات الأندلسية، وهو ما لفت الأنظار إليهما، وفي عام 1955 تزوّج عاصي من فيروز، ثم سافر الأخوان رحباني مع فيروز إلى القاهرة، وهناك ألّفا أهم أعمالهما بعنوان «راجعون» لصالح إذاعة صوت العرب. وفي عام 1957 أنجب عاصي وفيروز ابنهما البكر زياد، وفي نفس العام دشنت فيروز «مهرجانات بعلبك الدولية» حيث غنت بتوقيع الأخوين رحباني، وخطا مشروع الأخوين رحباني خطواته الأولى نحو الإزدهار.

قدّم الأخوان سويًّا ما يزيد عن 25 مسرحية غنائية، وثلاثة أفلام تقريبًا، والعديد من الحلقات التلفزيونية، والإذاعية من برامج، ومسلسلات، والمئات من الأغاني المنوعة في لبنان والدول العربية، بأصوات عشرات المطربين والمطربات، حتى انفرط العقد في يونيو 1986 بموت الأخ الأكبر عاصي. ورغم الفجيعة، إلّا أن فيروز استمرت بالغناء بعد وفاة زوجها، مع زياد الرحباني ابنهما، وأكمل منصور طريقه في صناعة المسرح الغنائي والمقطوعات الموسيقية، ودواوين الشعر، حتى توفي في يناير 2009.

في عام 2010 قدّمت فيروز ألبومًا جديدًا بعنوان «في أمل»، وضعت فيه أغنية «بكتب اسمك»، وهي الأغنية التي كتبها ولحنها الأخوان رحباني في وقت سابق، لكن هذه المرة مع تغيير طفيف في الكلمات من قبل زياد الرحباني، وحملت الأغنية عنوان «بكتب أسمايهن» وغنت فيروز لهما:

بترجع ذكرى يا حبيبي.. عن عاصي ومنصور

ع انطلياس العتيقة.. كل شيء حولها جسور

بكرا بتشتي الدنيّ.. والطرقات مزيحة

يبقي اسمي قد الساحة.. ما عم يمنحى

«بروحي تلك الأرض»: لوحةٌ ألفها 6 شعراء ونسجها الرحابنة لتغنيها فيروز