على طول الحدود مع إثيوبيا، وعند بحيرة توركانا شمال كينيا تحديدًا، بدأت فكرة صيد الأسماك، ومن ثم معالجتها، وشحنها إلى جميع دول العالم؛ تمهيدًا لاستخدامها في صنع الموضة المستدامة، فمن جلود تلك الأسماك تُصنع السترات والأحزمة والحقائب، فهناك في أفريقيا – كما كان يحدث دومًا – يقوم الفقراء بصنع احتياجات الأغنياء.

ولكي تُستخدم تلك الجلود بشكل نهائي وتُصدر لدول العالم يقوم العمال الفقراء أولًا بغسل وتجفيف جلد الأسماك، ثم تأتي مرحلة النقع في الجير والتلحيم، ومن بعدها إزالة البقايا والتطهير، وأخيرًا نصل لمرحلة إزالة الشحوم والتخليل لتأتي بعد ذلك عملية الدباغة، والحقيقة أن هذه الصناعة لا تعد الوحيدة في العالم التي يقوم بها الفقراء من أجل منتجات يشتريها الأغنياء فقط، دعونا نحكي لكم قصص صناعات أخرى.

1. السيجار الكوبي: يحتاج إلى أكثر من 500 مهارة يدوية ويصل سعره لألف دولار

ارتبط دومًا الشخص الذي يدخن السيجار، في أذهاننا وذاكرتنا السينمائية، بكونه شديد الدهاء والمكر، فاحش الثراء ولديه علم بكل الأشياء، يجلس على مكتبه ويتصاعد دخان السيجار الفاخر من حوله صانعًا سحابة رمادية تغطي أرجاء الغرفة، وقتذاك ترسخت لدينا جميعًا تلك العلاقة القوية بين السيجار والثراء الفاحش، والحقيقة أن هذا الأمر صحيح، فالسيجار الكوبي على وجه التحديد باهظ الثمن. ولكن لماذا؟ نأخذكم في جولة صغيرة بدولة كوبا في أمريكا الجنوبية لنعرف السبب.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
كيف أشعلت عدسة مصور ثورة على عمالة الأطفال في أمريكا؟

تعد صناعة السيجار في كوبا عائلية بامتياز، وتبدأ بمرحلة زراعة التبغ؛ ولأن بذور التبغ أصغر من أن تُدفن في الأرض مباشرة يجب تجهيز التربة للزراعة ومن ثم تُغرس البذور يديويًا، وبشكل غاية في التنظيم والدقة، وبالتزامن مع الزراعة يقوم الفلاحون بالتسميد، ثم تأتي مرحلة «التكويم»، وهي أهم مرحلة في زراعة التبغ؛ لأنها تحمي السيقان.

بعد نمو المحصول يجب إزالة البراعم العلوية وذلك من أجل الحصول على السُمك اللازم للأوراق لتأتي بعد ذلك عملية جمع المحصول وبعدها تؤخذ الأوراق إلى أكواخ المعالجة؛ فهناك تُعلق بعيدان خشبية، ويجب أن تُغطى الأكواخ من الخارج بجريد النخل، وتترك الأوراق على هذا الحال لمدة تترواح من 45 إلى 60 يوم حتى تجف تمامًا وتعد هذه الخطوة من أهم خطوات تحديد جودة السيجار.

تبدأ بعد ذلك عملية إزالة الورق عن العيدان الخشبية ثم تجميعها في حزم، وبعد أن تُجمع جميع الأوراق في مجموعات تُجرى عملية التخمير الأولى التي تستمر 30 يومًا، وبعدها تُباع الأوراق للدولة الكوبية لتدخل مرحلة الفزر وتُنقل بعدها إلى قسم التقشير، وخلال هذه العملية تخضع أوراق التبغ لعملية تخمير ثانية وثالثة وأخيرة، وبعد ذلك تأتي مرحلة التجفيف، إذ يوضع التبغ في مخزن كي يعتَّق لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، وهذه الخطوة مهمة لأنها تحدد رائحة ومذاق السيجار وقدرته على الاحتراق.

بعد تعتيق أوراق التبغ، تخضع لعملية تخمير تحت المراقبة الشديدة لتُصبح جاهزة للذهاب إلى المصنع، إذ تُعبأ ضمن حزم وتُلف بلحاء النخيل، ويخضع السيجار الكوبي بعد الانتهاء من صنعه للجنة تذوق شديدة الصرامة، فهي التي تحدده مذاقه وسعره الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى ألف دولار، بسبب العملية المعقدة التي مر بها والتي تحتاج إلى 500 مهارة يدوية.

2. الكوبالت: أطفال الفقراء يعملون مقابل دولارين من أجل بطاريتك

يمتاز معدن الكوبالت، رمادي اللون، بلمعانه وصلابته وارتفاع درجة غليانه وانصهاره، ويُستخدم في صناعة بطاريات الليثيوم التي تعد مكونًا رئيسًا في الهواتف الذكية، وألواح التزلج الكهربائية، والحواسيب المحمولة، والسيارات الكهربائية.

يُستخرج الكوبالت من جمهورية الكونغو الديمقراطية وتتنافس عليه كبرى الشركات العالمية، مثل «تسلا» و«آبل» و«مايكروسوفت» و«آلفابيت» الشركة الأم لـ«جوجل».

Embed from Getty Images

تضاعفت أسعار الكوبالت خلال الأعوام الأخيرة بسبب زيادة الطلب وندرته النسبية، إذ يُستخرج هذا المعدن في ظروف غير آدمية؛ فوفقًا لتصريح منظمة اليونيسيف الدولية، هناك 40 ألف طفل يعملون في مناجم الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، ويتقاضون دولارًا أو دولارين مقابل 12 ساعة عمل يوميًا.

ووفقًا لتقارير منظمة العمل الدولية فإن العاملين في قطاع المناجم معرضين للإصابة بمرض السرطان، وتسمم الدم، وتلف الرئتين، إذ لا تتوفر لهؤلاء العاملين أية أدوات أو أجهزة للحماية الشخصية، ويُستخرج الكوبالت عادة من مناجم عميقة تحت الأرض إذ إن العاملين من الأطفال لا يرون الشمس لأيام طويلة، وهناك في أعماق الأرض يقوم العاملين بتكسير الصخور، ثم تنقية الكوبالت من الشوائب يدويًا.

3. الشوكولاتة: حين يدفع ثمن رفاهيتنا الأطفال الفقراء

نحن الآن في جنوب كوت ديفوار وهذا هو موسم الكاكاو، من هنا تبدأ صناعة قالب الشوكولاتة اللذيذ، ولكن العملية نفسها ليست كذلك، فهنا يعمل الملايين من مزارعي الكاكاو في ظروف شديدة القسوة، ولا يكسبون سوى 6% فقط من ثمن قالب الشوكولاتة، وذلك على الرغم من تصديرهم لثلث احتياجات العالم من الكاكاو سنويًا.

تمر هذه العملية المعقدة بعدة مراح،ل تبدأ بزراعة الكاكاو، ثم يأتي بعد ذلك موسم الحصاد الذي يبدأ من أكتوبر (تشرين الأول) حتى مارس (أذار)، وتُقتطع ثمرة الكاكاو من الشجرة بسكين خاص، وهي عملية صعبة قد تؤذي العامل إذا قام بها بشكل خاطئ.

حقوق إنسان

منذ 8 شهور
«ن. تايمز»: انتهاكات الصين لا تقتصر على كبار الإيجور.. ماذا تفعل في صغارهم؟

بعد الحصاد تُجمع ثمار الكاكاو في أجولة كبيرة ويسحبها الأطفال من المزرعة إلى أماكن مخصصة للجمع، وهناك تُسحق ثمار الكاكاو لفصل البذور من اللبن، لتُخمر بعد ذلك البذور، ثم تُجفف، وبذلك تضحى البذور جاهزة للذهاب إلى المصنع، حيث تُنظف جيدًا وتُحمص في إسطوانات دائرية.

وفقًا لبيانات وزارة العمل الأمريكية، يعمل أكثر من 2 مليون طفل في صناعة الكاكاو في غرب أفريقيا وسط ظروف عمل بالغة الخطورة، بداية من استخدام السكين لقطع ثمار الكاكاو، ووصولًا إلى رش المبيدات، وحمل الأجولة الثقيلة، وفي الكثير من الأحيان يتعرض الأطفال الصغار للخطف من القرى الصغيرة حتى يعملوا في مزارع الكاكاو، وبمجرد نقلهم قد لا يرى هؤلاء الأطفال أسرهم مرة أخرى، وتمثل الفتيات 40% من نسبة هؤلاء الأطفال، وفي حال لم يقم الطفل بعمله على أكمل وجه يتعرض للضرب والجلد.

المصادر

تحميل المزيد