في نفس الأسبوع، أصر الفرنسيون على خلق المفاجأة مرتين، فبعدما مكنوا اليمين المتطرف من نتائج تاريخية في الدور الأول من الإنتخابات الجهوية، تعرضت الجبهة الوطنية العنصرية لهزيمة مدوية في الدور الثاني العنصرية

بعد ما تمكن حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف من تحقيق نتائج تاريخية خلال الدور الأول، شهد الدور الثاني من الانتخابات الجهوية الفرنسية مفاجآت عديدة تمثلت في هزيمة الحزب في كل جهات فرنسا، وهكذا لم تتمكن الجبهة الوطنية من الظفر برئاسة جهة واحدة رغم أنها كانت قد تصدرت النتائج في ست جهات من أصل ثلاث عشرة، ناهيك عن كونها كانت قريبة من حسم جهتين من الدور الأول، فما الذي حدث؟

بعدما كانوا واثقين من فوز تاريخي، الإحباط يخيم على أنصار اليمين المتطرف الفرنسي

رغم غياب التنسيق، «الحاجز الجمهوري» يشتغل من تلقاء نفسه

كما هي العادة في فرنسا دائمًا، تصطف كل الأحزاب “الجمهورية” ضد مرشحي الجبهة الوطنية سواء بالانسحاب لصالح الحزب الأوفر حظًّا لهزم اليمين المتطرف، الائتلاف الانتخابي أو حتى دمج اللوائح، وقد صار هذا الأمر متكررًا في أغلب الاستحقاقات الانتخابية منذ رئاسيات 2002، حين تمكن مؤسس الحزب ورئيسه السابق جون ماري لوبين، لأول مرة في تاريخ الجبهة الوطنية، من المرور للدور الثاني لينازل الرئيس الفرنسي آنذاك اليميني جاك شيراك، والذي حظي نتيجة لهذا المعطى بدعم كل الأحزاب الفرنسية بما فيها أحزاب اليسار المتشدد والشيوعيون، ليحسم جاك شيراك المعركة آنذاك بـ82% من الأصوات مسجلا أعلى نتيجة في تاريخ الانتخابات الرئاسية في فرنسا.

رغم غياب التنسيق، "الحاجز الجمهوري" يشتغل من تلقاء نفسه

في 2002، وبعد مرور مرشح الجبهة الوطنية آنذاك جون ماري لوبين للدور الثاني، اصطفت كل القوى السياسية خلف الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك والذي حقق أعلى نتيجة في تاريخ رئاسيات فرنسا. منذ ذلك الحين يطلق اسم “الحاجز الجمهوري” على توحد الأحزاب لقطع الطريق على اليمين المتطرف.

غير أنه في هذه المرة، وخلافا لكل الأعوام السابقة، فإن الحاجز الجمهوري اشتغل بطريقة مخلتفة من جهة لأخرى وبكثير من التلقائية؛ ذلك لأن الكثير من قادة الأحزاب وطنيًّا أو محليًّا رفضوا الانصياع للمطالبات بتفعيل التحالف الموسع ضد اليمين المتطرف، على رأسهم نيكولا ساركوزي رئيس المعارضة اليمينية والرئيس السابق للجمهورية، والذي رفض مطلقا سحب قوائم حزبه في المناطق التي تقدم فيها اليمين المتطرف واليسار، كما منع كل مرشحي حزبه من التحالف أو الائتلاف مع أي تشكيلة يسارية. كذلك ورغم دعوات قادة الحزب الاشتراكي الحاكم لتفعيل الحاجز، على رأسهم مانويل فالس رئيس الوزراء، رفض بعض القادة المحليين والجهويين الاشتراكيين سحب قوائمهم واستمروا في خوض حملاتهم المضادة لليمين واليمين المتطرف على السواء.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي كان أبرز المعارضين لتفعيل الحاجز الجمهوري ضد الجبهة الوطنية بهدف استمالة ناخبي اليمين المتطرف لمرشحي حزبه.

لكن رغم حالات العصيان والرفض، حصلت الكثير من الأحداث التي ساهمت في هزم الجبهة الوطنية. فعلى سبيل المثال، ومباشرة بعد صدور نتائج الدور الأول، أعلن الحزب الاشتراكي الحاكم سحب قوائمه في الجهتين اللتين كادت تحسمهما الجبهة الوطنية، أي جهة الشمال وجهة بروفنس كوت د آزير، وذلك لإفساح المجال لمرشحي حزب الجمهوريين اليميني لجمع كل الأصوات المعادية لليمين المتطرف، وهكذا تمكن مرشحو حزب الجمهوريين مدعومين من كل القوى السياسية من الظفر بالجهتين تواليا ضد مارين لوبين، ابنة مؤسس الحزب ومرشحته لرئاسة جهة الشمال، وماريون مارشال لوبين، حفيدة مؤسس الحزب ومرشحته في بروفنس كوت د آزير.

اليميني كزافيي برتراند، رئيس جهة الشمال المنتخب، استفاد من دعم كل الأحزاب لقطع الطريق على رئيسة الجبهة الوطنية مارين لوبين، والتي كانت قريبة من حسم الجهة في الدور الأول.

كذلك ففي الجهات والتي لم يحصل فيها توافقات لهزم الجبهة الوطنية المعادية للهجرة وللمسلمين، سجلت حالات كثيرة من إعادة توجيه الناخبين لأصواتهم للمرشحين الأقرب على هزم اليمين المتطرف، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، فحدث أن صوت ناخبو اليمين بكثافة لليسار في مناطق عدة، فيما صوت الناخبون اليساريون لمرشحي حزب الجمهوريين اليميني في مناطق أخرى… نتيجة لذلك انتهت الانتخابات بسيطرة حزب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي على 7 جهات من أصل 13، فيما حصل اليسار الحاكم على 5 جهات في نتيجة لا تعكس المناخ السياسي الحقيقي في فرنسا حاليا.

النتائج النهائية: 7 جهات يمينية (الأزرق) و5 جهات يسارية، فيما عادت أراضي ما وراء البحار وجزيرة كورسيكا لقوى محلية، لم تفز الجبهة الوطنية بأية جهة رغم تقدمها الكبير في ستّ منها في الدور الأول.

حملة إعلامية منقطعة النظير وانخراط مكثف لضحايا هجمات باريس

ولم يكن اصطفاف الفرنسيين لصد الفوز المحتمل للجبهة الوطنية برئاسة الجهات مجرد تحرك شعبي تلقائي، فمنذ ظهور النتائج الأولية انخرطت جل وسائل الإعلام الفرنسية في حملة شرسة ضد اليمين المتطرف محذرة من دواعي فوزه على مستقبل وصورة فرنسا، كما انخرط كثير من السياسيين الفرنسيين الحاليين والمتقاعدين، إضافة إلى مشاهير المجتمع الفرنسي، في الحملة الممنهجة لدفع الفرنسيين للمشاركة بكثافة في التصويت وعدم منح الجبهة الوطنية فرصة لتطبيق مشروعها المجتمعي المعتمد على التفرقة الإثنية ومعاداة أوروبا والمهاجرين.

وكان من أكثر لحظات الأسبوع الماضي قوة انخراط ضحايا هجمات باريس في الحملة ضد اليمين المتطرف،
كالرسالة التي نشرها أحد المصابين من غرفة إنعاشه والتي تدعو الفرنسيين لعدم الاستسلام للخوف، إضافة إلى رسائل أقارب قتلى الهجمات، دون أن ننسى تحرك عدد آخر من المصابين وأقارب الضحايا لمخاطبة الفرنسيين سواء من خلال التلفزيون أو الإنترنت.

«ندعو كل من لم يمت بعد وكل من لا يزال يتشبت بالحياة، للتوحد والتصويت بكامل وعيهم وأرواحهم»

من
نداء لجاك وماري مينو، والدي صحفية قتيلة في هجمات باريس.

لذلك يعتبر الكثير من المتابعين أن تحرك ضحايا باريس في ظل أجواء التضامن الواسعة معهم ساهم في إقناع الفرنسيين للتحرك نحو صناديق الاقتراع وتكسير حاجز الخوف، مع العلم أن الناخبين الفرنسيين اعتادوا عدم المشاركة في جل الانتخابات ما عدا الرئاسية والبرلمانية. لهذا وفي أقل من أسبوع، مرت نسبة المشاركة من 49% إلى 60% مما ساهم في هزم اليمين المتطرف.

 مارون مارشال لوبين، والتي كانت قريبة من حسم جهة بروفنس كوت د آزير في الدور الأول، تخسر الجهة لفائدة المرشح اليميني كريستيان إستروزي، والذي انسحب من أجله الحزب الاشتراكي في الدور الثاني ودعمه بقوة.

هزيمة لا تخفي الواقع

«في الواقع لم يفز أي أحد، هزم الجميع»

يومية لوموند

رغم أجواء الفرح في الطيفين السياسي والإعلامي الفرنسيين، لكن معظم السياسيين استمروا في التحذير من أن خطر وصول اليمين المتطرف للحكم ما زال قائمًا، وكان أول المحذرين مانويل فالس رئيس الوزاراء الذي قال: “رغم النصر، فإن الخطر ما زال قائما”.

وهو تصريح يعكس الواقع بشكل كبير؛ ذلك أن عدد المصوتين للجبهة الوطنية لم ينخفض، بل ارتفع ما بين الدورين من 6 ملايين وعشرة آلاف ناخب إلى 6 ملايين و820 ألف ناخب.

عدد الأصوات التي حصلت عليها الجبهة الوطنية من أوروبيات 1984 منذ أول إنجازاتها الانتخابية سنة 2002، ما زالت الجبهة الوطنية تحقق تقدمًا كبيرًا في عدد الأصوات مع كل انتخابات جديدة، مما يجعل تفعيل الحاجز الجمهوري أكثر صعوبة مع مرور السنوات.

 

الشيء الوحيد الذي تغير هو ارتفاع نسبة المشاركة بنسبة 10% إضافة إلى تركيز الأصوات في القوى السياسية الأقرب لهزم مرشحي الجبهة الوطنية، وهو ما يعكس ببساطة أن هزم اليمين المتطرف صار يستلزم تعبئة أكبر بكثير من الماضي، وأن عدد الفرنسيين المستسلمين للعنصرية والخوف آخذ بالارتفاع، وهو ما قد يعني فقط أن الجبهة الوطنية لم تهزم، بل تأجل فوزها، وتأجل موعد تطبيق برنامجها العنصري.

عرض التعليقات
تحميل المزيد