قالوا إن حالته تدهورت أمام أعينهم، سمعوا صوت جسده وهو يسقط على الأرض وتوقف عن الحديث فجأة، استغاثوا بالحراس ولم يستطع أحد إغاثته في حبسه الانفرادي ولم يأمر طبيب السجن بنقله إلى المستشفى إلا بعد التأكد من أنه يعيش ساعاته الأخيرة ليدخلوا في صراع “كيف سنقوم بتأمين خروج هذا المريض للمستشفى دون أن يهرب منا؟” الأمر معقد واتخذ التفكير ساعات أخرى.

محمد فريد إسماعيل عبد الحليم برلماني في عهد مبارك ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس الشعب أثناء الفترة الانتقالية، ذكروا له ابتسامته في وقت أصيب الإخوان المسلمون بمرض السلطة، عاش 10 أيام من التعنت والإهمال في علاجه وهو في غيبوبة كاملة ينتظر التصاريح لنقله من مستشفى ليمان طرة لمستشفى سجن الزقازيق العمومي في محاولة لإحضاره جلسته وهو غائب عن الوعي وسط رفض من إدارة السجن نقله مستشفى عام أو جامعي، وهي التي كانت سترفضه لأنه “سجين سياسي”.

تتلقى وزارة الداخلية اليوم اتهاما بالإهمال المتعمد في تقديم الرعاية الصحية للمعتقل يرقى إلى درجة القتل العمد والتصفية الجسدية إثر منعه من الرعاية الصحية المناسبة رغم مناشدة الداخلية قبل أيام من وفاته بنقله لمستشفى عام بدلا من مستشفى السجن حيث لا دواء ولا جهاز أشعة ولا طبيبًا متخصصًا إن وجد الطبيب.

شهادات مختلفة للوفاة وسبب واحد “إهمال وتعنت”

ليس هناك شهادة واحدة مؤكدة عن سبب وفاة فريد إسماعيل او عن اللحظات الأخيرة له أولا بسبب التشكيك في تصريحات وزارة الداخلية نتيجة وقائع سابقة تم فيها نقل المتوفين للمستشفى ووضعهم تحت أجهزة التنفس رغم وفاتهم لإثبات نقلهم وإنقاذهم والسبب الثاني هو تأكيد الأسرة على صحة المتوفي حتى 10 أيام قبل وفاته أثناء زيارتهم له في سجن العقرب.

بعد سقوط فريد إسماعيل في غيبوبته تم نقله من سجن العقرب إلى السجن العمومي بالزقازيق لحضور جلسة بمحكمة الجنايات ببلبيس لكنه لم يتمكن من الحضور لتدهور صحته وتم نقله إلى مستشفى السجن العمومي بالزقازيق ومنها إلى مستشفى ليمان طره بعد رفض سجن الزقازيق تحويله إلى مستشفى جامعي.

وقد جاء تصريح وزارة الداخلية “أنه مساء الأربعاء، تم إخطار قطاع مصلحة السجون من مستشفى المنيل الجامعى بوفاة السجين، محمد فريد إسماعيل عبدالحليم خليل – 58 سنة، المنتمي للإخوان، والذى يخضع للعلاج بالمستشفى لمعاناته من تليف كبدي والتهاب فيروس “C”، وتوفي إثر إصابته بغيبوبه كبدية”.

“مادة 36 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، تنص أن كل محكوم عليه يتبين لطبيب أنه مصاب بمرض يهدد حياته بالخطر أو يعجزه عجزا كليا يعرض أمره على مدير القسم الطبي للسجون لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج عنه”

أثناء زيارة أسرته قبل يومين من وفاته بمستشفى سجن الزقازيق العمومي تأكدت الأسرة من تشخيص الحالة – حسب تصريح محمد فريد إسماعيل – وهو جلطة في المخ مع غياب عن الوعي وعدم إدراك كامل ولم يتسنّ لهم معرفة حالة الكبد لعدم وجود أية تجهيزات من معامل أو أجهزة أشعة وأنه في حالة غيبوبة شبه كاملة، وكان هناك تعنت واضح لنقله إلى مستشفى مجهزة سواء جامعي أو اقتصادي للوضع تحت الملاحظة، وأنه تم نقل والده من مستشفى الزقازيق إلى مستشفى ليمان طره بعد رفض سجن الزقازيق تحويله إلى مستشفى جامعي.

وقد نفت زوجة فريد إسماعيل مرضه ونقلت عن الراحل قبل وفاته نفيه وجود تليّف في الكبد لديه، وأنها رواية الداخلية الرسمية عن وفاته، واستنكرت نقله وهو في غيبوبة من سجن العقرب لمحكمة الزقازيق ليحضر جلسته، وكيف يتحمل في الحالة التي وصل لها نقله لهذه المسافة في إسعاف، وكيف تدهورت صحته في وقت قصير.

وكان النشطاء قد شنوا حملة للدعوة لإنقاذ فريد إسماعيل قبل وفاته بأسبوع، ولكنهم لم ينقلوه للمستشفى إلا بعد تدهور حالته الصحية.

فريد برلماني لا يسكت في عهد مبارك قنوع تحت حكم العسكري

كان فريد إسماعيل معروفا لدى الأغلبية بسبب نقاشاته تحت قبة البرلمان حيث كان نائبا من 2005 حتى 2010 تقدم خلالها بأكثر من 50 استجوابا و5000 طلب إحاطة وبيان عاجل، وتقدم بالعديد من مشاريع القوانين والتي كان آخرها قانون زيادة رواتب وترقيات أفراد الشرطة والقوات المسلحة والذي أقره برلمان الثورة.

فريد هو أول برلماني يتهم حكومة نظيف بالخيانة العظمى، وطالب بمحاكمتها بسبب بيع 650 ألف متر مربع من أرض طابا لشركة إسرائيلية في واحد من أخطر الاستجوابات التي تقدم بها في الفصل التشريعي التاسع 2005/2010، غير أنه كشف اختراق الأجانب لسيناء وتملكهم وحدات سكنية وأراضٍ في شرم الشيخ في قرية “كورال باي”، واعترفت الحكومة خلال مناقشة طلب الإحاطة وقتها باختراق الأجانب لسيناء، ومثل الحكومة وقتها 7 وزراء ومن ينوبهم: مجلس الوزراء -الداخلية – العدل – الأمن العام – الإسكان – السياحة – الخارجية، وتم إلغاء البيع وإحالة الموضوع للقضاء.

كما كشف فريد الفساد في مشروع إنشاء مستشفى أورام جامعة الزقازيق “تحت الإنشاء الآن”، بعد أن كانت الأرض المخصصة له مقلب قمامة، وجلب اعتمادا ماليا للمشروع 3 ملايين جنيه وبدأ العمل به.

“سقطة” فريد لم تتذكرها الشرطة ولم يغفرها النشطاء

عقب ثورة 25 من يناير وتشكيل أول برلمان منتخب أو ما سمي “البرلمان الثوري” تقدم الدكتور فريد إسماعيل حيث كان يشغل منصب وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب نائبًا عن حزب الحرية والعدالة بمشروع قانون إلى اللجنة، وأصر على تمريره، وكان هذا القانون هو المتعلق برفع رواتب ضباط الشرطة والعاملين بها واستمر فريد حتى تم اعتماد تلك الزيادات والتي بلغت 400% على الراتب الأساسي حتى طالب بتعديل رواتب كل أفراد وجنود القوات المسلحة أسوة بالشرطة.

أكد فريد وقتئذ “أن الخلاف السياسي مع إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية باعتباره السلطة التنفيذية الحاكمة للبلاد لا يعني أبدا أن يغفل مجلس الشعب حق أبناء الجيش المصري من حياة كريمة، خاصة وأن الكثير منهم عانى مما عانى منه الشعب المصري طوال فترة النظام السابق وأن رواتبهم بالفعل متدنية للغاية ولاترقى لمستوى حياة كريمة، وأنهم الفئة الوحيدة من فئات المجتمع التي لم تخرج في مظاهرات فئوية بعد الثورة للمطالبة بتحسين أوضاعها المالية وراتبهم الشهرية وهو مسألة تستحق الشكر لتلك المؤسسة القوية”.

أثناء القبض على فريد إسماعيل من منزله حاول تذكير الضباط بما فعله في هذا الفيديو وهو ما تم ثانية عند وفاته ليبدو كأن الداخلية لم تتذكر معروفه، لكن النشطاء تناولوا هم أيضا هذا المعروف كسقطة قام بها فريد إسماعيل تحت حكم المجلس العسكري رغم تورطه في قتل المتظاهرين وزيادة المعتقلين داخل السجون والقضاء على الحقوق المكتسبة بعد ثورة 25 يناير.

لكن في أغسطس 2012 عندما قرر الرئيس السابق محمد مرسي تحييد المشير طنطاوي ورئيس الأركان عنان بإنهاء خدمتهما بدأت أصوات إخوانية – في مقدمتها فريد إسماعيل – تطالب بكشف ميزانية الجيش حتى أبريل 2013 عندما أعلن قائد القوات المسلحة أن الجيش في سبيله لتحضير ميزانيته للعرض على الأجهزة الرقابية لكن أحداث 30 يونيو حالت دون عرض دفاتر الجيش على الرقابة وتم القبض على فريد إسماعيل وهو يقول “أنا اللي عملتلكم قانون هيئة الشرطة اللي كنتوا منتظرينه من سنة 71”.

متهم بالتخابر والإرهاب .. فريد “إخلاء سبيل بغير إذن قضائي”

بعد أحداث 30 يونيو والقبض على رموز نظام محمد مرسي المعزول وأعضاء حزب جماعة الإخوان المسلمين اعتقلت قوات الأمن فريد إسماعيل يوم 3 يوليو 2013 من داخل شقته بالزقازيق وتم توجيه اتهامات له في القضية المعروفة إعلاميا بـ”التخابر مع منظمات وجهات أجنبية” ووجهت النيابة له ولمحمد مرسي و34 متهما من أعضاء تنظيم الإخوان تهمة ارتكاب جرائم التخابر مع منظمات وجهات أجنبية خارج البلاد، وإفشاء أسرار الأمن القومى، والتنسيق مع تنظيمات جهادية داخل مصر وخارجها للإعداد لعمليات إرهابية داخل مصر، وهي القضية التي كان محبوس على ذمتها فريد إسماعيل احتياطيا مع الهروب من سجن وادي النطرون.

وكان فريد يقضي مدته في حكم عليه بالسجن المشدد 7 سنوات في القضية المتهم فيها 16 إخوانيا في أحداث شغب بالزقازيق بعد أحداث فض رابعة و3 قضايا متهم فيها العشرات من الإخوان، غير أنه كان فى انتظار جلسة النطق بالحكم عليه و249 آخرين من أنصار الإخوان فى 7 قضايا عنف بأقسام أول وثان الزقازيق وأول العاشر من رمضان ومركزي فاقوس وأبو كبير.

“لا تمرض داخل السجن” .. السبب في وفاة 100 مصري بالسجن

طارق الغندور ضحية سابقة للإهمال الطبي داخل السجون المصرية

 

“المادة 55 من الدستور المصريا الذي تم تبنيه في 2014 فتحظر تعذيب المحتجزين أو الإساءة إليهم بدنيًا، وتلزم السلطات بمعاملة كل محتجز “بما يحفظ عليه كرامته” واحتجازه في مرافق “لائقة إنسانيًا وصحيًا”. وتقرر المادة أن مخالفة هذه الأحكام جريمة. كما تقرر المادة 56 أن السجون وأماكن الاحتجاز تخضع للإشراف القضائي، و”يحظر فيها كل ما ينافي كرامة الإنسان أو يعرض صحته للخطر”.

لا يوجد حصر دقيق بأعداد المتوفين داخل السجون والمعتقلات جراء التعذيب أو الإهمال الطبي لمعتقلين يعيشون تحت تكدس في ظروف تهدد الحياة منذ 3 يوليو إلا أن تقارير حقوقية تؤكد تجاوزهم 100 شخص، فاستنادا إلى إحصائيات مصلحة الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل فقد توفي ما لا يقل عن 90 محتجزًا في مرافق الشرطة في محافظتي القاهرة والجيزة وحدهما أثناء الاحتجاز في الشهور العشرة والنصف الأولى من 2014 ما يوحي بأن العدد الإجمالي على المستوى الوطني قد يكون أعلى بكثير.

وذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان”، في تقريرها “مصر: موجة من الوفيات أثناء الاحتجاز” يناير الماضي أن المعتقلين يتعرضون للضرب حتى الموت في زنازين الشرطة والسجون المكتظة بشدة، بخلاف حالات وفاة أخرى لمعتقلين لديهم أمراض القلب والسرطان أو أمراض أخرى وتم رفض علاجهم، وسط تردي الخدمات الصحية داخل السجون، كما أن السلطات المصرية لا تتخذ خطوات جادة لتحسين وضع السجون المكتظة مما يتسبب في وقوع حالات وفاة تخطت المئة حالة داخل السجون والمعتقلات، وأوضحت المنظمة أنها سجلت مصرع 95 معتقلًا في زنازين أقسام الشرطة منذ منتصف عام 2013، بأدلة من الأقارب ومحامي الضحايا، بالإضافة إلى وقوع 9 وفيات في السجون.


“5000 مريض في السجون المصرية دون علاج أو رعاية ”

كشف آخر تقارير “مرصد الحقوق والحريات عما يزيد عن 5000 معتقل داخل السجون يعانون من أمراض مزمنة وظروف صحية صعبة كأمراض القلب والكبد والسكري والسرطان والفشل الكلوي، إلى جانب مئات المرضى الذين يعانون من آلام ومضاعفات خطيرة جراء تعذيبهم داخل المعتقلات، وكان سجن المستقبل في الإسماعيلية من أبرز السجون التي تعاني الأهمال الطبي ويتم منع دخول الدواء للمعتقلين، حيث أكد ذوي المعتقلين أن سجن المستقبل يضم عشرات الحالات من أصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة وسط انعدام الرعاية الصحية.

وكان محمود عبد الهادي أحمد، رئيس قطاع المحطات في شركة الكهرباء في الإسماعيلية، البالغ من العمر 59 عامًا بين الحالات التي توفيت في السجن بسبب نقص الأدوية بعد أن قضى قرابة الخمسة أشهر في سجن المستقبل، ثم مكبلا بالقيود وهو طريح الفراش في المستشفى حتى توفي.

كما توفي محمد الغزلاني المتهم في أحداث كرداسة حيث كان يعاني من الضغط والسكر والقلب والكبد، فضلا عن إصابته بشلل في الجزء السفلي من جسده أدى إلى جلوسه على كرسي متحرك، وأوصى طبيب السجن بضرورة نقله إلى المستشفى إلا أن إدارة السجون رفضت ذلك حتى دخل في حالة غيبوبة تامة نقل على أثرها إلى مستشفى سجن طره وهناك توفي.

كما توفي الدكتور طارق الغندور أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية بطب عين شمس قبل أشهر بعد إصابته بنزيف حاد بدوالي المريء داخل سجن طرة استمر لـ 6 ساعات حتى تم نقله إلى معهد الكبد في شبين الكوم بالمنوفية. أيضا نتيجة الإهمال الطبي توفي المعتقل جمعة علي حميدة في سجن برج العرب لعدم تلقيه العلاج اللازم حيث كان يعاني من تدهور حالته الصحية نتيجة ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري والتهاب الكبد الوبائي، وعلى الرغم من ذلك رفضت السلطات الأمنية نقله إلى المستشفى.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد