إذا رغبت في الخروج من أحد أبرز ميادين القاهرة بمنطقة مصر الجديدة، ميدان الحجاز إلى أحد الشوارع المتفرعة باتجاه طرق جسر السويس، ربما تلمح عيناك لافتة تحمل اسم شارع «فريد سميكة»؛ ولمن لا يعرف الاسم، قد يبدو أحد أعلام الأدب أو الفن، أو حتى القادة العسكريين كما هو منتشر في أغلب مناطق الجمهورية، لكن فريد سميكة له قصة أكثر إثارة من مجرد علم من أعلام الدولة المصرية.

سميكة الذي كان طيارًا ومصورًا وغطاسًا أولمبيًّا حصل على الميدالية الذهبية في أولمبياد أمستردام 1928 لمدة يوم واحد فقط! وكانت له نهاية لا توصف إلا بالمأساوية.. فمن هو فريد سميكة؟

ابن جديد مميز لعائلة سميكة

لم يكن فريد ابنًا لأسرة عادية، فعائلته كانت أحد أكبر عائلات الأقباط الإسكندرية وأكثرها عراقة في مطلع القرن العشرين. والده باسيلي سميكة – الحاصل على لقب البكوية – كان أحد أكبر موظفي دائرة الجمارك بالإسكندرية، وترقى حتى عُين مديرًا لمصلحة الجمارك بالإسكندرية، وأنجب ابنه فريد عام 1907، وألحقه بالتعليم – كعادة الأثرياء آنذاك- بمدرسة كلية فيكتوريا البريطانية الشهيرة.

لم يكن باسيلي بك والده فقط هو الوجه الأبرز لاسم عائلة سميكة، فقد كان عمَّاه «وصيف سميكة» و«مرقص سميكة» الحاصلين على لقب الباشوية من أبرز رجال الدولة المصرية آنذاك، كما أسس الأخير المتحف القبطي المصري عام 1910.

بعدما تلقى الابن فريد التعليم باللغات الإنجليزية والفرنسية، توجه لممارسة شغفه الأول، وهو رياضة الغطس وحصل فيها على عدة بطولات محلية مصرية اشتهرت بإقامتها في المدينة الساحلية العريقة.

في عشرينيات القرن العشرين انتقل فريد إلى أمريكا لدراسة المهارة الوليدة آنذاك –الطيران- والحصول على رخصة إجادة، أو رخصة تسيير مركبات طائرة كما كانت تدعى وقتها، وبعد إجازته طيارًا اتجه سميكة لممارسة الغطس في نادي أمباسادور للغطس «Ambassador Swimming Club of Los Angeles» أحد أكبر مؤسسات الغطس في ولاية كاليفورنيا الأمريكية والتحق بالاتحاد الأمريكي للهواة في الغطس.

حصد فريد سميكة البطولة الوطنية الأمريكية للمحترفين عام 1927، لكن التحاقه باتحاد الهواة لم يمنحه الفرصة للمشاركة الرسمية باسم أمريكا في الأولمبياد، فاقترح على مدربة «جيم رايان» أن يمثِّل مسقط رأسه مصر في الأولمبياد المقامة في أمستردام بهولندا عام 1928، فوافق «رايان» الذي اهتم فقط بأن يرى العالم موهبة تلميذه البارع، والذي رأي أنها جديرة بميدالية ذهبية.

عنصرية التفوق الأبيض.. ميدالية ذهبية لمدة ساعات!

في أواخر يوليو (تموز) عام 1928، كانت مراسم الاحتفال الدولي الرياضي الأكبر في العالم تبدأ في العاصمة الهولندية أمستردام، وكان من بين البعثات المصرية المشاركة في الأولمبياد الصيفية، فريق رياضة الغطس وعلى رأسهم سميكة ومدربه الأمريكي. وبعد بدء المنافسات وصل فريد سميكة إلى المرحلة النهائية، وبعد قفزته الأولى حصل على الميدالية البرونزية للقفز من مسافة ثلاثة أمتار من منصة الوثب.

بعد تحية الجماهير قفزته الهائلة، تحضر سميكة إلى المرحلة الأخيرة للقفز من ارتفاع 10 أمتار على منصة الوثب، وقفز القفزة التي حصدت ما يقرب من 99.58 نقطة من 100، وهو الرقم الذي لم يتمكن أحد من تحقيقه حتى لحظة القفزة.

وبعدما أنهى جميع اللاعبين قفزاتهم من الارتفاع 10 امتار، رفعت اللجنة المكونة من خمسة حكَّام لافتة الدرجات التي اعتلاها سميكة بفارق كسور طفيفة عن منافسه ممثل المنتخب الأمريكي، بيت ديسجاردينز، وأُعلن أن الفائز بالذهبية هو فريد سميكة، وسُلِم الميدالية الذهبية بعدما ارتفع العلم المصري على المنصة، ولُعب النشيد الوطني المصري – نشيد اسلمي يا مصر آنذاك – وسط فرحة البعثة المصرية وإعجاب الجماهير الأوروبية، لكن هنا كان للأقدار – أو عنصرية الأمم الغربية تحديدًا – قول آخر.

فما كاد التتويج يتم حتى ارتفعت حناجر الفريق الأمريكي غضبًا واعتراضًا على فوز سميكة بالذهبية؛ وتصايح الأمريكيون أن قياس النقاط جاء خاطئًا لصالح سميكة، وأن الفوز من حق الأمريكي ديسجاردينز، وطالبوا بإعادة قياس وحساب النقاط مرة أخرى – في زمن لم توجد فيه تقنيات لإعادة مشاهدة العروض مرة أخرى – وبعد اعتراض رسمي قدمته أمريكا؛ أعيدت النقاط مرة أخرى لصالح الأمريكي بيت ديسجاردينز، وقامت اللجنة الأولمبية بعد موافقة أربعة حكَّام من أصل خمسة، بتتويج الأمريكي ديسجاردينز ومنحه المركز الأول واستحقاقه للذهبية، وطُلب من فريد سميكة إعادة الميدالية الذهبية، والحصول على الفضية بدلًا عنها.

هنا كان مدرب سميكة الأمريكي جيم رايان يعلن احتجاجه العنيف في قلب صالة الغطس المفتوحة في قلب أمستردام، واتهم لجنة التحكيم والمنتخب الأمريكي بالعنصرية ضد فريد سميكة لأن أصله عربي مصري، وانتزاع «فوزه المستحق». لكن سميكة كان أكثر هدوءًا من مدربه الأمريكي، وقبل بتبادل الميداليات وحصل على الفضية، ووعد الجميع في اللجنة أنه سيعود المرة القادمة لأخذ ذهبيته.

بينما توعد صديقه ومدربه رايان بأنه سيعود إلى الأولمبياد برياضي من غير ذوي البشرة البيضاء، وأنه سيفوز به بالذهبية عوضًا عن خسارة سميكة التي رآها رايان تمثيلًا للعنصرية البيضاء تجاه غير البيض؛ من المدهش أنه برغم عدم عودة سميكة للأولمبياد مرة أخرى، فإن مدربه جيم رايان ساعد الأمريكي من أصل آسيوي «سامي لي» على الفوز بالذهبية في الغطس في أولمبياد لندن 1948، أي بعد 20 عامًا من خسارة سميكة.

عنصرية بيضاء أخرى.. لا زواج لأمريكية إلا من الأعراق القوقازية!

بعد فوزه بالفضية، وتكريمه غيابيًّا في مصر، عاد سميكة للإقامة في لوس أنجلوس، واحترف رياضة الغطس، وحصل على بطولة العالم للمحترفين عامي 1931 و1932، وجرى إقصاؤه من المشاركة الأولمبية لعام 1932 نظرًا إلى كونه غطاسًا محترفًا يتلقى أجرًا مقابل عروض الغطس في مصر وخارجها، وهو ما يقيد اللاعب الأولمبي من المشاركة.

هنا شعر فريد سميكة بأن مسيرته في المنافسات الأولمبية لم تعد مُجدية له؛ فاتجه إلى المجال المحترف في الطيران، وفي عروض الأكشن والحركة في هوليوود، والتحق بجامعة كاليفورنيا بوصفه طالبًا مميزًا، وأشرف على تدريب فريق الجامعة للغطس.

في عام 1935 أثناء عمله مهاريًّا للحركات الخطرة، ومستشار طيران بهوليوود، التقى فريد سميكة بـ«ميبل فان دين أكير» ابنة أحد أثرى تجار المجوهرات في كاليفورنيا، ووقع في غرامها، وعندما أراد الزواج منها جاءته ثاني صفعات العنصرية الأمريكية، المتمثلة في قانون الزواج  الأمريكي الذي لم يكن يسمح آنذاك للبيض بالزواج من عرقيات أخرى؛ ولما كان فريد سميكة مصريًّا عربيًّا قبطيًّا؛ فقد لاقى رفضًا لتوثيق الزيجة، بجانب الرفض العنصري المبدئي من قبل أهل زوجته.

ونظرًا إلى أن فريد سميكة كان آنذاك من المشاهير وأحد أبرز الوجوه في المجتمع الأمريكي؛ وأحد أهم عناصر عالم الغطس، والطيران؛ فقد تشكلت لجنة قانونية متخصصة في الأعراق للتشاور وإعلان العرق المصري عرقًا «قوقازيًّا» بالأساس؛ ومن ثم يحق له الزواج من امرأة بيضاء.

وعاش سميكة بشكل نهائي في أحد أحياء لوس أنجلوس الراقية بصحبة زوجته، ومارس الطيران التجاري، واتجه لاحتراف التصوير الفوتوغرافي، والذي أعطى له أولوية في مجالات أخرى بعيدًا عن الغطس، وهو ما دفعه دفعًا نحو الفصل الأخير في حياته.

الحرب تحتاج إلى أبطال رؤوسهم معلقة على أوتاد

استمر فريد سميكة في حياته غير التقليدية، إلى أن قدم أوراق اعتماد حصوله على الجنسية الأمريكية عام 1941، والتي أراد الحصول عليها بعدما انعدمت تقريبًا كل صلاته بذويه في مصر، وقرر الاستقرار بشكل نهائي في أمريكا، والتي كانت آنذاك في خضم ارتباكها الداخلي والعسكري تأهبًا للدخول في أحد أكبر حروب التاريخ المعاصر: الحرب العالمية الثانية.

Embed from Getty Images

ونظرًا إلى مهارات فريد المتعددة كما رأتها الدولة الأمريكية؛ قُبل طلب فريد سميكة، وجرى إلحاقه في غضون عام بقوات الطيران الأمريكي للعمل طيارًا عسكريًّا لطائرات التجسس والاستطلاع، ونظرًا إلى بصيرته الحادة كان فريد سميكة أحد أهم عملاء الاستطلاع في الجيش الأمريكي؛ وتخصص – بحسب تصريحات قادته لاحقًا- في تمييز عمليات التمويه بالنباتات والأشجار؛ إذ كان خبيرًا في التمييز بين الأشجار والنباتات الحقيقية والمزيفة.

وفي صيف عام 1943 انطلق الملازم – بعد ترقيته – فريد سميكة برفقة فريق طيران مكون من 10 أفراد على متن قاذفة قنابل من طراز B-24 الأمريكية الشهيرة؛ في أحد مهام الاستطلاع قرابة سواحل الجزر جنوب شرق آسيا.

لكن نظرًا إلى تعقيد المهمة وافتقادها الحماية الجوية اللائقة في تلك الفترة المشتعلة بالتوتر في المحيطات؛ أسقطت القوات اليابانية طائرته قرب ساحل «ماكاسار» الإندونيسي، وانقطعت أخبار فرقته. وفي عام 1954 أعلن أن فريد سميكة وفرقته مفقودون في الحرب.

في ديسمبر (كانون الأول) عام 1945 أُعلنت وفاة سميكة رسميًّا، وجرى تقليده العديد من الأوسمة العسكرية الرفيعة من بينها وسام «القلب القرمزي»، والذي يمثل أحد أرفع الأوسمة العسكرية الأمريكية إلى الآن، وبالطبع تم تكريم سميكة من عدة جهات غير عسكرية، مثل اتحاد السباحة والغطس العالمي، ونادي المحترفين الأمريكيين للرياضات المائية، وجاء التكريم الأكبر له بعدما انتشرت قصته في مصر في أوائل الثنمانينيات، وأطلق اسمه على أحد أكبر شوارع حي مصر الجديدة.

لكن في عام 1948، وفي عودة مثيرة للغطاس لأمريكي «سامي لي» إلى المشهد عقب فوزه بالذهبية في أولمبياد لندن؛ وفي روايته الشخصية عام 2007 ، يتذكر عندما سُئِل سامي عن بطله المفضل؛ فأجاب أن بطله هو «فريد سميكة»، وهو ما احتفى به المصريون آنذاك بشدة وأخبروه بأن فريد سميكة تنبأ له عام 1931، بأنه سيكون أول بطل غير أبيض يفوز بالذهبية، وهو ما حدث بعد أكثر من 17 عامًا.

في المقال ذاته من مذكرات سامي لي؛ قال إن الصحافة المصرية سألته بشكل مباشر هل قطع اليابانيون رأس فريد سميكة حقًّا؟ فرد بأنه ليس على علم بهذا مطلقًا، ووعد بإعلامهم إذا تأكد من هذا يومًا ما.

مجتمع

منذ سنة واحدة
لم تحمهم الشهرة.. نجوم عالميون عانوا من العنصرية

لكن سامي لي يكمل في شهادته بأنه لاحقًا كان نزيلًا للعلاج في أحد المستشفيات العسكرية الأمريكية؛ وقابل هناك كولونيل في قوات الطيران الأمريكي؛ تعرَّف إليه؛ وسأله إذا ما كان يعرف فريد سميكة، فأجاب سامي لي بأن سميكة بطله الوحيد! وأنه سأل الكولونيل عن حقيقة موت سميكة وتعذيبه على يد اليابانيين؛ فأكد الكولونيل الخبر مع أسفه، وقال إنه شاهد بنفسه رأس سميكة على أحد أعواد البامبو التي تحوط أحد سجون أسرى الحرب في اليابان. ولما سأله لي كيف عرف أنه سميكة؟ رد الكولونيل ببساطة لأنني أنا من أمرت سميكة بالقيام بالمهمة!

يضيف سامي لي بأن زوجة سميكة وابنه – الذي كان طيارًا حربيًّا أمريكيًّا أيضًا – رغبا لاحقًا في التأكد مما يعرفه عن كيفية وفاة سميكة المأساوية؛ وقال إنه شعر بالأسف أثناء تأكيد الأخبار المؤلمة لهما خلال دعوتهما له على العشاء؛ والذي كان بلا شك أحد أكثر الأمسيات حزنًا بالنسبة لهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد