إذا كان عبد الحليم حافظ عندليب الغناء، وإذا كان محمود عوض عندليب الصحافة، ففاروق شوشة بكل تأكيد عندليب اللغة. *يسري فودة

شاعرٌ من «قرية الشعراء»

ليس مصادفة أن يولد فاروق شوشة في قريةٍ تحملُ اسم «قرية الشعراء» بدمياط؛ ليخرج منها إنسانًا وشاعرًا يحمل هم واقعه في صدره. ترى هل وُلد الشعر بداخله أم أن قرية الشعراء زرعته فيه منذ الصغر. سؤال لن نعرف إجابة عنه سوى أنه صار فاروق شوشة.

من قرية الشعراء خرج إلى الدنيا يصدح بحبه للغة، يجعل همها نصب عينيه، تراه حينًا فارسًا يقف محاربًا في صفوف للغة وتارةً أخرى تجده يقود الجيوش. وإلى قرية الشعراء يعود بعد 80 عامًا وكأنه قد أكمل مسيرته الشعريَّة وشعر بالاكتفاء. وهذا ما صرَّح به صديقه الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، الذي قال إن شوشة كان يردد طوال الوقت: هاجس الموت يعيش داخلى. وكأنه كان ينتظر موعده.

عندليب اللغة يشدو بقلمهِ وصوته

ليس غريبًا أن يمنح الله فاروق شوشة ذلك الصوت الأثير القريب إلى النفس وكأنه يتغلغلُ في فضاءات نفسك. فحفظه للقرآن وتخرُّجُهُ من كليَّة دار العلوم عام 1975 جعلاه يكمل مسيرته في حبّ اللغةِ العربية. يقول شوشة إنه تتلمذ على يد «سيد قطب» الشاعر والناقد.

جزء من حواره مع مفيد فوزي عن سيد قطب:

عمل فاروق شوشة مدرسًا قبل أن تأسره موجات الأثير، فانتقل إلى العمل بالإذاعةِ المصرية متدرجًا حتى أصبح رئيسًا لها عام 1994. يعد برنامج «لغتنا الجميلة» أهمّ برامج فاروق شوشة الإذاعية، ثمّ برنامج «أمسية ثقافية» على التليفزيون المصري. على مدار 48 عامًا سرى صوت فاروق شوشة عبر الأثير حاملًا قَصَصَ الشُّعراءِ والأدباء وكلماتهم، الجمال والأدب والفن في آن واحد.

جزء من لقائه مع نجيب محفوظ:

لفاروق شوشة العديد من القصائد الشعرية المميزة والمؤلفات الأدبية منها؛ 20 قصيدة في الحب الإلهي، ولغتنا الجميلة ومشكلاتنا المعاصرة، والعلاج بالشعر.

المثقف الذي يثور على المثقفين

بأصبعٍ واحدة، يستنفرون مثل قطعان الغنم

ويهطعون علَّهم يلقون من بعض الهبات والنعم

لهم‏،‏ إذا تحركوا، فى كل موقعٍ صنم‏‏

يكبرون أو يهللون حولهُ،‏

يسبِّحون باسمِهِ‏، ويقسمونَ، يسجدون‏،‏ يركعون

يمعنون فى رياءٍ زائفٍ، وفى ولاءٍ متَّهم

وفى قلوبهم‏.. أمراضُ هذا العصر‏

من هشاشةٍ، ومن وضاعةٍ، ومن صَغَارٍ فى التدني

واختلاطٍ فى القيم‏!

ينتقد «فارس اللغة» المثقفين بمنتهى القسوة متهمًا إياهم بكونهم جزء من فساد الذوق العام وضياع القيم في قصيدته: خدم..خدم.

يقول شوشة تعليقًا على قصيدته إنه خلال عمرٍ طويل تأمَّل تردي الأوضاع الثقافية ورؤساء المؤسسات الثقافية، ووجد أن الجميع أصبح ينتقدُ فقط على الورق، ويمارسُ دَورَ الفاسد المتملِّق الفاقد لأيِّة قيمةٍ في حياته، لم يعد المثقفون أصحاب كلمة وموقف، بل تحركهم مصالحهم الشخصية.

جزء من لقاء فاروق شوشة يهاجم فيها الإعلام:

شاعر الوطنية والحبّ

أسأل: هل تتسعُ الأيَّامُ لفرحةِ قلبين؟

تعبا.. حملا الدُّنيا

هل يخبو هذا الألقُ الساجي في العينين

ونخافُ يطير، فنمسِكُهُ، ونضمُّ الدنيا بيدين

ونعودُ إلى عشٍّ ناءٍ نرتاح إليه طيرين

أسأل: هل تتسع الأيام لنضرةِ حُلمين؟

أقرأ أيامي عندهما كونًا يتفجر لاثنين

صوت شوشة الدافي كان ينطلق من قلبٍ ملئٍ بالحبِّ والجمال والمعاني، لذا نلمحُ في قصائده ذلك الصوت الهاديء الحنون، والثقة تنبض من كلماته تحمل حبًا فريدًا امتاز به فاروق شوشة وحده.

أحبكِ حتى البكاء وأعلم أن الذي بيننا ليس نزوًا ولا هو محض اشتهاء ولكن معناه فيكِ، ومنكِ وفي لحظةٍ جمعت تائهين، على رفرفٍ من خيوطِ السديم فكان انجذاب وكان ارتواء.. *من قصيدة أحبك حتى البكاء

فاروق شوشة الذي حمل هم اللغة العربية، لم يفرِّق يومًا بين اللغة والقضية، فكلاهما ينبع من قلبٍ شغوفٍ واحد. لا تعرف هل يخاطب محبوبته أم قضيته أم وطنه.

يا بغدادُ

يا روعة الحلم الذى .. هل يستعاد؟

ترى يصيح الديك فيكِ من جديد

ويصدح الناقوس والأذان

وتشرق الشمس على دروبك السجينة

وهل ترى ينداح فيك من جديد

صوت أبى تمام

مبددًا كآبة الأحزان

من قبل أن تضيع عمورية المحاصرة

ملء دفاتر الهوان!

قصيدة كلمات سبارتكوس الأخيرة بصوت فاروق شوشة ويسري فودة

رحل فاروق شوشة، الإعلامي والشاعر والإنسان و«الفارس». حاصل على جائزة الدولة في الشعر، وجائزة الدولة التقديرية والكثير من الأعمال الباقية والكثير جدًا من المحبَّة في قلوب أصدقائه ومحبيه.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد