هل تساءلت يومًا عن السر وراء ظهور الأزياء الرائجة وكيف ينتشر نمط معين من الملابس ليصبح الموضة السائدة في كل موسم على مستوى العالم؟

إن المتابع الجيد لأخبار الموضة والأزياء يستطيع أن يرصد بوضوح تكرار نمط معين أو لون معين في واجهات متاجر الملابس, والأحذية, والحقائب, والإكسسوارات, وصولاً إلى أغلفة المجلات, وحتى الأدوات المنزلية والأثاث المنزلي والديكورات الداخلية, ويسود هذا النمط لفترة من الزمن ثم ما يلبث أن يتلاشى ليحل حله نمط جديد وألوان جديدة، فمن الذي يعمل على التنسيق بين هذه المنتجات المختلفة, وكيف يتم توحيدها لتشمل أغلب أنحاء العالم؟

لا يخفى على أحد أن صناعة الموضة والأزياء هي إحدى أكبر الصناعات على مستوى العالم, وتبلغ عائداتها سنويًّا ما يقرب من 1.2 بليون دولار (وفقًا لإحصائيات الاتحاد الدولي لمصنّعي الغزل والنسيج ITMF لعام 2013). وبعد القليل من التأمل نستطيع أن ندرك تداخل هذه الصناعة مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية وعالم الترفيه وصناعة الأفلام والموسيقى، فكيف يمكننا أن نحدد من صاحب القرار في تحديد الموضة الموسمية؟

المستهلكون

تشير الدراسات إلى أن هناك علاقة وثيقة بين ملبس الإنسان ومزاجه وتصرفاته, ويؤثر المظهر الخارجي على الانطباعات التي يكوّنها الناس عن بعضهم البعض في الحياة اليومية, ولو كان ذلك على مستوى اللاوعي.

031114_1633_1.jpg

ويدرك ذلك مصنّعو الملابس وأصحاب المتاجر, الذين يلعبون على النواحي النفسية التي تجعل الواحد منا يرغب في الاستمرار في تجديد دولابه وشراء المزيد من المستلزمات الجديدة والبراقة, سعيًا وراء الرضى النفسي, أو التقبل الاجتماعي, أو الرغبة في مجاراة الأصدقاء والمعارف والمشاهير، وهكذا يستمر الناس في الإنفاق وتستمر العجلة في الدوران.

إلا أنهم يدركون في الوقت ذاته أن الموضة لكي تصبح رائجة هي بحاجة لأن تكون مقبولة ومستساغة لفئة كبيرة من الناس, بما في ذلك إتاحتها بأسعار مقبولة, لأن الجانب الاقتصادي يجعل المستهلك أكثر حذرًا وترددًا لدى تسوقه, ويجعل من الصعب عليه أن يغامر في قطعة ملابس غريبة تمامًا أو غير مستساغة، لذلك فإن هناك توازنًا معينًا يجب أن يبقى موجودًا عند طرح خطوط الأزياء الجديدة في كل موسم.

الإعلام

تُعتبر وسائل الإعلام من أهم محركات صناعة الموضة, ومن الممكن أن يصبح شكلٌ جديد من الأزياء نمطًا رائجًا عند التركيز عليه في وسائل الإعلام المختلفة, سواء كانت مجلات الموضة أو تغطية الفعاليات الفنية وأخبار المشاهير, أو ما نشاهده في التلفزيون في الأفلام والأغاني وما يرتديه مذيعو ومذيعات نشرات الأخبار.

أي أن وسائل الإعلام هي المنطقة الوسطية التي تصل بين طبقة المشاهير وعموم الناس, بمعنى أنه لو حدث وقررت وسائل الإعلام أن تتجاهل نمطًا معينًا من الأزياء فإنه لن يصل إلى المستهلكين وبالتالي لن يصبح هو النمط الرائج أو الشائع.

المشاهير

يتطلع الكثير من عموم الناس إلى ما يرتديه المشاهير ويسعون إلى تقليدهم, إما بشكل مباشر أو غير مباشر, ونستطيع أن نلاحظ ذلك بوضوح في مجتمعاتنا، فعلى سبيل المثال؛ إن قام أحد المطربين الكبار بعمل قصة شعر معينة أو قام بارتداء نمط معين من الأزياء, ستجد الكثير من الشباب يتطلع إليه ويقوم بمجاراة الـ”ستايل” الخاص به سريعًا, حبًّا أو تقليدًا لذلك المطرب، لذلك فإن الكثير من بيوت الأزياء تتخذ من المشاهير واجهة إعلامية لترويج منتجاتهم وتصاميمهم عبر دفعهم لارتدائها في المناسبات المختلفة.

وعادة ما يمر بعض الوقت بين الظهور الأول لنمط معين عبر أحد المشاهير, وبين تحوّله إلى نمط رائج، وهذا الوقت هو اللازم لكي تنتقل تصاميم كبار مصممي الأزياء ذات الأسعار الباهظة إلى المتاجر العامة التي تنتج نسخها الخاصة من المنتجات الأقل ثمنًا والأسهل في اجتذاب عموم الناس.

مصممو الأزياء

يبدأ الظهور الرسمي للأنماط الرائجة في الموضة عبر عروض الأزياء لكبار المصممين لدى بيوت الأزياء العالمية في العواصم الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، ويترقب متابعو الأزياء هذه العروض موسميًّا في مواعيد شبه ثابتة على مدار العام، ويعمل من خلف هؤلاء المصممين فرق ضخمة من الباحثين الذين يدرسون سلوك المستهلكين والمزاج العام في الأسواق, بالإضافة لأنواع الأقمشة والقصّات, ويرفعون دراساتهم للمصممين لكي يتم أخذها في الاعتبار عند إقرار التصاميم النهائية, وقد يكون ذلك قبل الظهور الرسمي لهذه التصاميم بفترة طويلة قد تصل إلى عدة سنوات!

ولا يخلو الأمر من بعض العفوية عند البحث عن مصادر الإلهام التي يستقي منها مصممو الأزياء أفكارهم, إلا أن الجزء الأكبر من هذه الأفكار يأتي من خلال الدراسات المتخصصة وآراء مجموعة محددة من الأشخاص.

ومن المعروف في الغرب تحديدًا أن هناك ما يشبه التحالف بين مصممي الأزياء وبين محرري مجلات الموضة الأكثر تأثيرًا والأكبر من حيث المبيعات؛ بحيث يتم التركيز على تغطية عروض الأزياء ويتفنن محررو هذه المجلات في جذب القراء للأنماط الأكثر رواجًا من حيث التصاميم والألوان.

031114_1628_2.jpg

وهنا يأتي تساؤل مهم, هل من باب الصدفة أن تتحد أغلب بيوت الأزياء العالمية في العواصم المختلفة بحيث تتشابه عروض أزيائهم مع اختلاف أسماء المصممين؟

بالتأكيد ليست مصادفة، والحقيقة أن هذه التشابهات تأتي بسبب صناعة أخرى هامة, هي صناعة الأقمشة والنسيج.

أصحاب مصانع الأقمشة والنسيج

تتحكم كبرى هذه الشركات في تحديد نوعية القماش وزخرفته وألوانه التي ستصبح نمطًا رائجًا في الأزياء بعد فترة من الزمن، فلكي تتوفر تلك الكميات الهائلة من الملابس في الأسواق في وقت واحد, فإن ذلك يتطلب من شركات الأقمشة أن تبدأ بإنتاج النوعيات المطلوبة قبل فترة كافية من الزمن.

وهذا التحديد يجعل الخيارات محددة أمام المصممين عندما يقومون بالاستقرار على تصاميمهم النهائية, ومن الشائع أن تقوم بيوت الأزياء الكبرى بالتعاقد مع نفس المجموعة من مصانع الأقمشة, وهذا يؤدي في النهاية إلى تشابه التصاميم الصادرة من مختلف بيوت الأزياء بشكل أو بآخر.

ولكن هل تتوقف دائرة الموضة هنا؟ في الواقع أن المزيد من البحث يسوقنا إلى مصدر آخر ذي صلة, ويعتبر هو اللاعب الرئيسي في عالم الموضة, وإن كان وجوده مجهولاً للكثيرين, إلا المتعمقين في هذا العالم.

شركات التنبؤ بالألوان Color Forecasters

وهي مجموعة من الشركات التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد, وتقرر فيما بينها مجموعة الألوان الأكثر رواجًا في المواسم القادمة, ومنها تعمم هذه الألوان لمصانع الأقمشة الكبرى ومنها إلى مصممي الأزياء وهكذا تدور بقية المراحل في صناعة الموضة انطلاقًا من بيوت الأزياء العالمية الكبرى نحو الأسواق في العالم كله، ولا يقتصر تأثير هذه الشركات على الأزياء فقط, بل تشمل الأثات والأجهزة والديكورات المنزلية وألوان الحوائط, إلخ.

ومن أشهر هذه الشركات شركة بانتون التي تعرف باسم (نظام مضاهاة الألوان), وتقوم هذه الشركة سنويًّا بإصدار دليل بانتون الذي يتألف من عدد كبير من شرائح عينات الألوان بتدرجات مختلفة وبأسماء مميزة لكل تدرج من الألوان, ومن ثم تستخدم هذه الشرائح في الطباعة والصباغة.

وتشتهر أيضًا في نفس الغرض الجمعية الأمريكية للألوان (CAUS) التي تأسست على يد مجموعة من مصنّعي النسيج عام 1915، وفي ذلك العام بدأ مبدأ “المتجر المتعدد الأقسام” في الانتشار, وازداد الاحتياج لوجود منظمة واحدة تنسق وتقرر شكل ولون المنتجات الرائجة, وهكذا يتمكن أصحاب مصانع الأقمشة من إنتاج كميات كبيرة من الأنواع المتفق عليها.

ويقال إن هذه الشركات تستقر فيما بينها على الألوان الرائجة عبر لجنة ضيقة من الخبراء في شتى الصناعات, ويستقي أعضاء هذه اللجنة إلهامهم من مختلف المصادر, قد تكون في الطبيعة والبيئة من حولهم, ومن خلال مراقبتهم وأسفارهم المستمرة لاكتشاف الشعوب والخلفيات الثقافية والحضارية حول العالم.

 

وهكذا تكون دورة حياة الموضة والأنماط الرائجة في الأزياء قد اكتملت!

علامات

أزياء, موضة
عرض التعليقات
تحميل المزيد