تنساب رائحة الطعام النفاذة إلى أنفك بعد يوم شاق من العمل، وفي أثناء مرورك بجوار مطاعم الأطعمة السريعة، يسيل لعابك، وتطلق معدتك صافرات الإنذار مستغيثة؛ ما يقودك تلقائيًّا إلى أي مطعم مميز. ولنفترض أنك تحرص على أداء تمارينك الرياضية، والاهتمام بصحتك، فإن أكثر ما سيقلقك: هل ستنشق السماء إذا عرجت على هذا المطعم وكسرت حميتك الغذائية بطلب وجبة دسمة مع زجاجة من الصودا؟

هذا السيناريو ليس مبتدعًا، فمن منا لا يجد مذاق الأطعمة السريعة أشهى من الأطعمة المنزلية، من منا لم يسمع زجر الأم التي تشعر بالغيرة من مطاعم الأطعمة السريعة لأنهم يسرقون أولادها وزوجها، فتهدد متوعدة «هذه الأطعمة ستصيبك بالسرطان»؟ لكن ماذا لو كانت هذه التهديدات المصبوغة بالمخاوف الأمومية على حق؟ ماذا لو أنصف العلماء الأمهات وأثبت أنهن دومًا على صواب؟

وجبة واحدة لن تكفي: الأطعمة السريعة كالمخدرات

ربما تكون هذه المرة الأولى التي ستجرب فيها مذاق الأطعمة السريعة، أو ربما الثانية أو الثالثة، لكن لن تتمكن بسهولة من أن تجعلها الأخيرة، هذا المذاق الحلو لا يمكن التخلي عنه بسهولة، يتلاعب بكيمياء دماغك، يصنع رابطة قوية بينك وبين جميع المطاعم دون أن تدري.

وفقًا للإحصائيات الحديثة عن استهلاك الأطعمة السريعة في الولايات المتحدة الأمريكية، تتناول 83% من العائلات الأمريكية وجبة من الأطعمة السريعة على الأقل مرة كل أسبوع، ويتناول 34% من الأطفال طعامًا سريعًا يوميًّا، خصيصًا في وجبة الغداء، كما ينفقون 10% من دخلهم السنوي على شراء الأطعمة السريعة. وتزداد نسبة الاستهلاك بمعدل 2.2% سنويًّا.

وعندما أجرى معهد سكريبس للأبحاث، دراسة على تغذية مجموعة من الفئران بطعام مماثل للأطعمة السريعة، تبين أنها تحفز مركز المكافأة في الدماغ وتعزز الشعور بالنشوة، وعند سحب هذه الأطعمة، انتابتهم أعراض انسحابية مثل صك الأسنان والارتعاش.

لاحظ الطبيب النفسي بجامعة برنستون، جون هوبل، بعد إعطاء هذه الفئران جرعة من عقار النالكسون المستخدم في علاج مدمني مخدر الأفيون، انخفاضًا ملحوظًا في مادة الدوبامين في النواة المتكئة، وهي أحد المسارات المهمة في نظام المكافأة. وهذه التغيرات الكيمائية تماثل إلى حد كبير التغيرات الكيميائية التي تحدث في أدمغة المدمنين بعد تعاطي الهيروين والكوكايين.

وقد أضافت جين راندولف، الطبيبة بجامعة تورنتو، لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية، أن انخفاض نسبة السكر في الدم بعد تناول الأطعمة السريعة، ربما يدفعنا لتناول المزيد من الطعام، وهذا يعنى أن وجبة واحدة لن تكفي.

السمنة وأمراض القلب ليست فقط المشكلة.. احذر السموم القاتلة!

قد يظن البعض أن إدمان الأطعمة السريعة مشكلة هينة ولا تتطلب هذا القلق أو الضجة التي يروج لها خبراء التغذية، فبعد تناول وجبة شهية، ربما يتساءل المرء ما أسوأ الأمراض التي تصيبني على أية حال؟  السمنة، المزيد من الدهون، لا بأس، سأتبع حمية غذائية صارمة تساعدني على فقدان الوزن.

لكن ماذا لو كان الأمر أعقد وأخطر؟ ماذا لو كنت تحقن نفسك بسموم شهية، ومصائب جلية ستحيق بصحتك وربما تقتلك؟

1- جلوتامات أحادية الصوديوم.. و«متلازمة المطاعم الصينية»!

يستخدم طهاة مطاعم الأطعمة السريعة بودرة جلوتومات أحادية الصوديوم، وهي إحدى الإضافات الغذائية الناتجة من تخمير النشا، لإضفاء نكهة جذابة ومنعشة للأطعمة السريعة. وقد ظنت هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية أنها صالحة للاستخدام، بعد تداول استعمالها في المطاعم اليابانية. إلا أن ظهور أعراض كالصداع وارتفاع ضغط الدم أثناها عن قرارها بتصريح استخدامها ومراجعة ما إن كانت آمنة أم لا؟

ففي دراسة منشورة في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية، تبين أن الجرعات العالية من جلوتومات أحادية الصوديوم تجتاز الحاجز الدماغي الدموي؛ مما يؤدي إلى تورم الدماغ وارتفاع ضغط الدم.

وفي عام 1968م اكتشف العلماء مجموعة من الأعراض الغريبة التي تظهر على رواد المطاعم السريعة الصينية بعد تلقيهم جرعات عالية من جلوتومات الصوديوم، فأطلقوا عليها «متلازمة المطاعم الصينية».

شخص ما يعاني من الصداع

وهذا ما  أثبتته إحدى الدراسات المنشورة في  مجلة الحساسية وعلم المناعة السريرية عام 1997م؛ إذ اتضح أن 36.1% ممن تلقوا جرعات عالية من الجلوتومات أحادية الصوديوم قد تصل إلى 5 جم، ظهرت عليهم أعراض المتلازمة، مثل ضيق التنفس، والتنميل، والشعور بالوخز والوهن، وتورد الوجنتين.

وقد يتفاقم الخطر إلى الإصابة بأزمة تنفسية حادة في بعض الحالات، ففي دراسة أجريت على 32 شخصًا، أصيب 40% من الخاضعين لها بالربو بعد تلقيهم جرعات عالية من جلوتومات الصوديوم. بل ازدادت مخاوف بعض العلماء إلى ترجيح قابلية الجلوتومات على التسبب بالسرطان، لكن لحسن الحظ دحض المعهد الأمريكي للأبحاث السرطانية هذه المخاوف، وصرح بأنها لا تستند إلى إثباتات علمية صحيحة.

2- زيت النخيل والدهون المهدرجة.. احذر هذا الطعام قد يقتلك

يتخوف الأطباء من استعمال الدهون المهدرجة في طهي الحلوى والمخبوزات، نظرًا إلى مخاطرها الصحية المتعددة؛ إذ أشارت ورقة بحثية إلى أن الدهون المهدرجة تزيد من نسبة الإصابة بأمراض القلب التاجية. لأنها تزيد من معدل الكوليسترول الضار (LDL) في الدم.

وقد أضافت ورقة بحثية منشورة في مجلة بريطانيا الحديثة الطبية لقائمة هذه المخاطر، أن الدهون المهدرجة تؤدي إلى الإصابة بداء السكري، لأنها تؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم، ومقاومة الأنسولين.

ويعزو بعض الأطباء الإصابة بأمراض القلب وداء السكري بعد تناول الأطعمة التي تحتوي على الدهون المهدرجة إلى إطلاق المواد الكيميائية المسببة للالتهابات. فقد أثبتت دراسة منشورة في مجلة التغذية أن الدهون المهدرجة تزيد من نسبة عوامل الالتهابات في الدم، وتسبب خللًا في بطانة الأوعية الدموية.

الحبوب التي يستخلص منها زيت النخيل

ولا يقتصر تأثير الالتهابات الناتجة من الدهون المهدرجة عند هذا الحد، ففي دراسة أخرى أظهرت وجود علاقة بين ورم اللمفومة غير الهودجكينية «non-Hodgkin lymphoma» وعوامل الالتهابات، بل ربما تتسبب هذه الدهون بسرطان المبيض والبنكرياس.

ونظرًا إلى خطورة الدهون المهدرجة على صحة الإنسان، فقد استبدل بها عام 1980 زيت النخيل المستخلص من نخل الدهن الزيتوني (Elaeis oleifera tree)، وقد تباينت الآراء حول استعماله بديلًا للدهون المهدرجة.

فبعض الدراسات تؤكد أمانه وفوائده للصحة العامة؛ إذ أثبتت إحدى هذه الدراسات أن زيت النخيل يحمي الدهون غير المشبعة المتعددة من التلف، وبالتالي منع حدوث جلطات المخ.

كما أوضحت أخرى أنه لا يؤذي القلب مثلما تفعل الدهون المهدرجة، فهو يعمل على زيادة نسبة الكوليسترول الجيد بالدم (HDL).

إلا أن دراسة تايلاندية خالفت تلك الدراسات وأثبتت العكس؛ إذ يعمل زيت النخيل على زيادة نسبة الكوليسترول الضار (LDL) في الدم مقارنة بغيره من الزيوت النباتية؛ مما يجعله أحد العوامل المسببة للإصابة بأمراض القلب.

3- المواد الحافظة.. السرطان يعرف طريقه إلى خلاياك!

لنفترض أنك اشتريت كيسًا من البطاطا المقرمشة، قبل فتح الكيس، تقلبه على الجهة الخلفية، فترى هذه الجملة «خالٍ من المواد الحافظة» مكتوبة بخط واضح، تتجاهلها ربما لأنك اعتدت رؤيتها أو لأنك تشكك في صحتها، ثم تمضي في طريقك فمن يأبه؟

إلا أنك لا تدري أن تجاهلك لمصداقية الجملة من عدمها قد يضع حياتك على حافة الهاوية إن أسرفت في استهلاك نترات الصوديوم، وهو أحد الأملاح المستخدمة في حفظ الأطعمة السريعة. فهي بلا شك السم الأخطر خلال رحلتنا في معرفة السموم السالف ذكرها.

فقد أكدت إحدى الدراسات الحديثة التي أشرف عليها الطبيب بيجي إي ميلر في المعهد الوطني للسرطان، أن تناول الأطعمة التي تحتوى على نسب عالية من نترات الصوديوم تؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة، مثل سرطان القولون والمستقيم، وسرطان الدم، وسرطان الغدة الدرقية، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

لذا ينصح مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ألا يتجاوز نصيبك اليومي من نترات الصوديوم 3.7 ملليجرام لكل كيلوجرام من إجمالي وزنك. فإن كنت تزن 150 كجم يعني أن الحد الآمن لك هو 0.25 جم من نترات الصوديوم.

4- السكريات المحولة.. السم الأبيض الذي نتناوله يوميًّا

السكر، أي السم الأبيض الذي نتجرعه يوميًّا، ويمثل 17% من إجمالي السعرات الحرارية الموجودة بطعامنا وفقًا لورقة بحثية منشورة في مجلة التغذية.

وعلى هذا الأساس، يجيب الموقع الأمريكي «هيلث لاين نيتوركس» عن السؤال الأهم في تقريرنا، لماذا يعد السكر من أخطر سموم الأطعمة السريعة؟

1. زيادة معدل الإصابة بأمراض القلب:

 يؤدي السكر إلى السمنة، ويزيد نسبة السكر وثلاثي الجلسريد في الدم، لذا عندما أجريت دراسة على 30 ألف شخص تبين أن الذين استهلكوا 17-21% من السعرات الحرارية الموجودة في السكر، زادت احتمالية وفاتهم بسبب أمراض القلب بنسبة 38%.

2. ظهور حب الشباب:

فالأطعمة الحلوة المذاق، ترفع معدل هرمون الأنسولين في الدم، مما يؤدي إلى زيادة إفراز هرمونات الذكورة، وتكوين البثور وحب الشباب.

3. احتمالية الإصابة بداء السكري من النوع الثاني:

قد لا يشكل السكر سببًا رئيسيًّا في الإصابة بداء السكري، إلا أن زيادة معدل السكر في الدم يساهم في متلازمة مقاومة الأنسولين، وبالتالي الإصابة بداء السكري.

4. خطورة الإصابة بالسرطان:

فمقاومة الأنسولين الالتهابات الناتجة من زيادة معدل السكر في الدم، تساهم في احتمالية الإصابة بالسرطان. فعندما أجريت دراسة على 430 ألف شخص، تبين أن استهلاك السكر يرتبط بخطر الإصابة بسرطان المريء والأمعاء الدقيقة.

5. الإصابة بالاكتئاب:

فتقلب معدل السكر في الدم وسوء انتظام النواقل العصبية، يؤثر في الصحة النفسية بالسلب. وهذا ما أقرت به إحدى الدراسات التي أجريت على 8 آلاف شخص يبلغون 22 عامًا. فالذين استهلكوا 67 جرامًا من السكر يوميًّا، ازدادت نسبة إصابتهم بالاكتئاب بمعدل 23% مقارنة بالذين استهلكوا 40 جرامًا فقط.

وهذه مخاطر الأطعمة المعلبة

تلجأ بعض النساء العاملات إلى استعمال الأطعمة المعلبة، توفيرًا للوقت والجهد المبذول في إعداد الطعام الطازج، لكن هل يدرين أي فخ وقعن به؟

أثناء تخزين الأطعمة وتعليبها، تستخدم المصانع مادة «ثنائي الفينول أ» لحفظها من التلف أو التعفن، إلا أن المادة سرعان ما تختلط بالطعام المعلب، ومن ثم قد تتسبب في مشكلات صحية خطيرة.

فقد أكدت إحدى الدراسات المختصة بمعرفة تأثير «مادة ثنائي الفينول أ» في صحة الإنسان، أنها تزيد من خطورة الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب، بالإضافة إلى أنها تصيب الرجال بالضعف الجنسي.

كما أن الأمر يزداد خطورة عندما يتلوث الطعام المعلب بالبكتيريا المطثية الحاطمة «Clostridium botulinum»، التي تصيب الإنسان بالتسمم الغذائي، ومن ثم الشلل والوفاة. لذا كن واعيًا عند شرائك أحد الأطعمة المعلبة إن اضطررت لذلك، فلا تشتر العلب المنتفخة والمتشققة أو المثقوبة.

علوم

منذ سنة واحدة
علم أم بيزنس؟ هكذا تتلاعب شركات الأغذية بالدراسات العلمية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد