“إن أكبر مصيبة علينا هو سقوط الأسد.. عندها لن يبقى هناك قضية فلسطينية”، “ما يجري في سوريا صيف قاحل وليس ربيعًا عربيًّا”، “حركة فتح تصطف إلى جانب النظام السوري”، ربما قتلت تلك التصريحات لقادة حركة “فتح” عنصر المفاجأة في إعلان الحركة الأخير بعودة العلاقات بينها وبين النظام السوري.

فبعد أكثر من اثنين وثلاثين عامًا من الصراع السياسي والدموي بين حركة فتح والنظام البعثي – الذي وصف فلسطينيي سوريا بأنهم ضيوف يسيئون الأدب- بدأت العلاقة تتحسن في الأشهر الأخيرة لتتوج مؤخرًا بتسليم النظام السوري المقر الرئيسي لتنظيم “فتح الانتفاضة” (انشق سابقًا عنها) لحركة فتح.

“ساسة بوست” في التقرير التالي يقف على حال العلاقة بين النظام السوري وحركة فتح، ويقرأ توقعات ما بعد هذا القرار.

تاريخيًّا، كيف كانت العلاقات بين حركة فتح والنظام السوري؟

The Conference Of Refusal To Damascus In 1978. En 1978, au lendemain des accords de Camp David qui fixent les bases d'un accord de paix au proche orient, entre Israël et l'Egypte, réunion des leaders de l'unité arabe contre Israël, à Damas, en Syrie, pour une 'conférence du refus'.  Ici assis autours de la table  ronde, Houari  BOUMEDIENNE président de la république algérienne, Hafez EL ASSAD président de la république Syrienne, Mouammar KADHAFI dirigeant de la Libye et Yasser ARAFAT leader Palestinien.. (Photo by Jack Garofalo/Paris Match via Getty Images)

The Conference Of Refusal To Damascus In 1978. En 1978, au lendemain des accords de Camp David qui fixent les bases d’un accord de paix au proche orient, entre Israël et l’Egypte, réunion des leaders de l’unité arabe contre Israël, à Damas, en Syrie, pour une ‘conférence du refus’. Ici assis autours de la table ronde, Houari BOUMEDIENNE président de la république algérienne, Hafez EL ASSAD président de la république Syrienne, Mouammar KADHAFI dirigeant de la Libye et Yasser ARAFAT leader Palestinien.. (Photo by Jack Garofalo/Paris Match via Getty Images)

في عام 1963، أصبحت سوريا محطة مهمة لحركة “فتح”، كان ذلك بعد قرار حزب البعث السوري السماح لها التواجد على الساحة السورية، في هذا العام انتقل الرئيس الراحل ياسر عرفات من الكويت إلى دمشق.

وفي عام 1965، شكلت فتح مجلس طوارئ برئاسة ياسر عرفات في دمشق، وكان الكثير من قيادات حزب البعث في سوريا قد أيدوا حركة “فتح”، أملًا في استيعابها ثم السيطرة عليها، وأيدوا عملياتها بعيدًا عن الحدود السورية، في ذلك الوقت كان حافظ الأسد قائد سلاح الجو وكان من أشد المعادين للحركة، لذا سارع لاستغلال حادثة قتل أحمد عرابي ومحمد حشمة عام 1966 على أثر صراع النفوذ في “فتح”، ليوطد مواقعه في حزب البعث. ويتم اعتقال القيادة الفلسطينية في دمشق التي لم تخرج من المعتقل إلا بعد وساطات عدة.

في بداية الثمانيات، وصل توتر علاقة “فتح” بالنظام السوري حدّ حمل السلاح؛ حيث دعم النظام السوري تنظيم “فتح الانتفاضة” الذي انشقّ عن حركة فتح الأم، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وجاء هذا الدعم نكاية في ياسر عرفات، الذي اختار بعد خروج قيادة منظمة التحرير من لبنان، أن ينقل مراكزها نحو مصر وتونس والجزائر، وليس إلى سوريا، حفاظًا على استقلال إرادتها من التدخلات السورية العارمة.

لكنّ دعم دمشق للانشقاق، ورغبتها بالاستحواذ على ورقة الفلسطينيين في جيبها، وعوامل أخرى، شكلت الشرارة لحرب المخيمات التي انطلقت في لبنان، وقاتلت فيها فتح ضد “فتح الانتفاضة” ومليشيات لبنانية موالية للنظام السوري، الذي ارتكب مجازر القتل والتجويع بحق عدد من المخيمات الفلسطينية، هذا الأمر أورث كراهية لدى “فتح”، وشريحة واسعة من الفلسطينيين، للنظام السوري.

وفي التسعينيات، لعب النظام السوري على وتر ما أسماه تفريط حركة فتح بالقضية الفلسطينية، بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وأصبح يصف السلطة الفلسطينية بـ”سلطة أوسلو”، كما نقلت تصريحات متلفزة عن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس، وهو يوجه ألفاظًا مسيئة بحق الزعيم الراحل ياسر عرفات.

وقد بقيت العلاقات بين الجانبين على سوئها، حتى عام 2011، فقد أكدت فتح على حرصها على عدم التدخل في الشأن السوري، والتركيز فقط على مصير نصف مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في سوريا.

وبلغ الأمر ذروة التحول مطلع 2013، عندما قام التلفزيون السوري لأول مرة بتغطية فعاليات انطلاقة حركة فتح على الهواء مباشرة، ثم أعلنت دمشق استعدادها تسليم مكاتب “فتح الانتفاضة” إلى حركة فتح الأم، وهو ما تم لاحقًا، كما بدا الخطاب السياسي لمحمود عباس مغايرًا، وتحول للحديث عن أهمية “مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه والعلاقات الثنائية”، وفق ما كانت تنقله وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا).

ما هي دوافع حركة فتح من التقارب مع النظام السوري؟

في عام 2013، قدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس مبادرة لحل أزمة المخيمات الفلسطينية في سوريا، تتضمن ثلاثة بنود هي “إعادة أملاك حركة فتح وإعادة الأملاك التي استولت عليها “فتح الانتفاضة” وكذلك أرض مدينة أبناء الشهداء، ومعالجة مسألة إعادة الأملاك الفتحاوية من أراضٍ وعقارات بقرار رئاسي من الرئيس بشار الأسد”.

وطلب حينها عباس – من السفير السوري في عمان بهجت سليمان- تنفيذ القرار السوري الذي يعترف بدولة فلسطين وأن يتم تحويل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية إلى سفارة وأن يقام مقر السفارة في أحد العقارات التي تعيدها الحكومة السورية لسلطة فتح.

تمثل تلك المبادرة أطماع فتح من إعادة علاقتها بالنظام السوري حيث بدأت تسليم مكاتب “فتح الانتفاضة” إلى حركة فتح كما أسلفنا،
كما أن هناك أهداف أخرى، منها كما يرى المحلل السياسي ياسين عز الدين: “أن حركة فتح توجهها عقدة التمثيل الفلسطيني، وهي مستعدة لعمل أي شيء من أجل أن يقال عنها إنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتالي ليس غريبًا أن يأتي هذا التحالف مع النظام الأسدي”، ويتساءل الكاتب في تحليل عنون بـ”حلف الشيطان:  سر تحسن العلاقة بين نظام الأسد وسلطة محمود عباس”، هل من الحكمة أن يراهن محمود عباس وحركة فتح على النظام السوري وقد بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار؟ ويجيب ياسين: “حركة فتح من الأصل لا تؤمن بالثورات العربية وتعتبرها جزءًا من لعبة الشطرنج التي تمارسها أمريكا، وبالتالي فالأفضل أن تتقرب لرأس النبعة- أي أمريكا، ومن الناحية الأخرى هنالك داخل قيادة حركة فتح وفي المحيطين لمحمود عباس من يؤمنون بأن النظام السوري لن ينهار وأنه بأسوأ الأحوال ستقسم سوريا بين النظام والثوار، وبالتالي يظنون أنهم أذكى من حركة حماس التي راهنت على سقوط النظام”.

مصلحة أخرى مهمة تضاف إلى دوافع فتح في التقارب مع الأسد وقد تكون أحد أبرز مبررات اليد التي مدها عباس لدمشق رغم الخلافات التاريخية بين الطرفين، وهي كما يتوقع المراقبون “ملء الفراغ الذي تركته حماس”.

فالقيادي في حركة حماس صلاح البردويل قال إن ما دفع فتح لذلك هو أن “حركة فتح تمارس أسلوب الانتهازية الرخيصة من خلال استغلال الخلاف بين حماس وطهران ودمشق من أجل إعادة فتح مكاتبها في دمشق”، مضيفًا أن تداعيات هذه الخطوة تسيء للمخيمات الفلسطينية في تلك الدول، متهمًا الحركة بأنها “تلعب على وتر التوتر بين حماس وسوريا، بل وأرسلت وفودًا إلى إيران وعلى حساب اللاجئين الفلسطينيين”.

هل استغلت سلطة “فتح” علاقاتها مع الأسد لإنقاذ مخيم اليرموك؟

قانونيًّا منظمة التحرير هي المسؤول الأول عن مصير مخيم اليرموك، وهي المسؤولة عن حث مؤسسات الإغاثة الإنسانية الدولية والجامعة العربية لإيجاد الحلول من أجل إنقاذ المخيم. لذلك كثيرًا ما أعلن قادة فتح عن وجود تعاون بين السلطة الفلسطينية والنظام السوري من أجل إنقاذ لاجئي اليرموك المحاصرين (قرابة 18 ألف مدني)، وآخر تصريحات مسؤول ملف مخيم اليرموك في منظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني ذكر فيها أن “قرارًا مشتركًا سيكون بين الجانبين لاستعادة المخيم من الإرهابيين الظلاميين الذين يسيطرون عليه الآن” تعقيبًا على سيطرة داعش على المخيم.

على أرض الواقع، لم تتعاط السلطة الفلسطينية مع “عاصمة الشتات الفلسطيني” التي تتعرض لهجمات مستمرة من قبل نظام الأسد وتركت المخيم يواجه مصيره، ولم تتحرك بشكل جدي حتى بعد سيطرة تنظيم الدولة على المخيم، ليظهر هذا الحال عجز المنظمة عن وضع المواقف والخطط والمبادرات والموازنات لحماية المخيم، بل إن الخطاب السياسي والإعلامي لم يكن بالمستوى المطلوب لإنقاذ حياة الآلاف من الأبرياء المدنيين في مخيم اليرموك.

وكما يقول الكاتب مهند عبد الحميد في مقاله “مخيم اليرموك يقرر مصير المنظمة والفصائل”: “أن تداعي المنظمة بفعل قصورها وعجزها عن حماية المخيمات الذي سيؤدي إلى فكفكة مكونات الشعب وبعثرتها وتصفية قضيته الوطنية وقطع الطريق على حقه في تقرير المصير في مدى زمني قريب ومتوسط”.

تقول الكاتبة فلسطين إسماعيل: “في بداية الأزمة في سوريا، تخلت غالبية الفصائل الفلسطينية عن المخيم وأغلقت مكاتبها ورحلت، واستغل النظام السوري والمعارضة على حد سواء الأزمة من جهة أخرى لابتزاز أهل المخيم وترهيبهم وقطع الطعام والماء عنهم”، وتتساءل الكاتبة: “ألا يستحق سكان المخيم بعد خذلانهم الأول من السلطة وغيرها من الفصائل الفلسطينية أن يرد اعتبارهم؟ ألا يستحق سكان المخيم بأن تقيم السلطة الدنيا ولا تقعدها للدفاع عنهم من سيناريو الذبح المنتظر؟”.

ما هي عواقب عودة العلاقات بين حركة فتح والنظام السوري؟

بينما سكان حي مخيم اليرموك يستغيثون لرفع الحصار المستمر عليهم منذ عامين وسط البرودة الشديدة وانقطاع الكهرباء، وتحديدًا في يناير الماضي، ظهر قادة فتح بجانب قيادات النظام السوري يتبادلون الضحكات ويقطعون الحلوى احتفالًا بذكرى انطلاقة “فتح” الخمسين.

تعقيبًا على صور هذا الاحتفال، علق الكاتب والناشط السياسي الفلسطيني ماجد الكيالي قائلًا: “إنها تبعث على الدهشة والتأسّي والغضب لمآلات هذه الحركة، التي لم تعد ذاتها وباتت أكثر بعدًا عن تراثها الكفاحي وعن شعبها، أكثر من أي وقت مضى”، مضيفًا: “إذا كانت فتح التي تقود منظمة التحرير والسلطة تتنكّر لعذابات فلسطينيي سوريا ولواقع مخيم اليرموك فكيف سيتعاطف العالم معنا؟ وتابع: “لن يقدم هذا النظام الذي يقتل أبناءه والذي دمر سوريا أي شيء لفتح فهو أصلًا لم يعد يمتلك مصيره وفتح عنده مجرد ورقة للاستخدام لا أكثر.. اسألوا نزلاء معتقلات الضابطة الفدائية وفرع فلسطين من مناضلي فتح”.

على المستوى العربي، يتوقع أن يثير هذا الموقف لحركة فتح جدلًا واسعًا في الدول العربية، خاصة تلك التي تدعو إلى رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، ومنها التي تدعم المعارضين في سوريا بشكل مباشر وغير مباشر.

المصادر

تحميل المزيد