«على أحر من الجمر»، كان أنصار حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، والشعب الفلسطيني ودول عربية، بالإضافة إلى إسرائيل، ينتظرون النتائج التي يثمر عنها المؤتمر السابع لفتح، والذي انعقد مساء اليوم الثلاثاء 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، في قاعة أحمد الشقيري في مدينة رام الله.

أولى القرارات التي ربما تكون مفاجئة للكثير هي انتخاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالإجماع، قائدًا عامًا لحركة فتح، لكن أمام هذا المؤتمر الذي يضم حوالي 1400 عضو، مهام أُخرى، عليهم الفصل فيها خلال الأربعة أيام المتبقية للمؤتمر، منها انتخابات هامة خاصة باللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإقرار البرنامج السياسي للحركة.

لكن الأوضح في قراءة المشهد السياسي، هو إقصاء المؤتمر لعضو الحركة المفصول محمد دحلان، والذي بدأ أنصاره صبيحة هذا اليوم بإغلاق شارع القدس عند مدخل نابلس الشرقي، ومنع مرور السيارات، بينما ردت الشرطة الفلسطينية بتشديد الإجراءات الأمنية حول مكان عقد المؤتمر.

و يأتي المؤتمر وسط ضغوطات إسرائيلية وعربية تتمثل في الموقف المصري والخليجي المؤيد للخصم اللدود لعباس، أي محمد دحلان

قضايا المؤتمر الأهم

شارك في مؤتمر فتح السادس المنعقد قبل سبع سنوات، نحو 2400 عضو، ولذلك كان يقتضي تحقيق هدف ضخ دماء جديدة لفتح، لزيادة عدد الأعضاء المشاركين في المؤتمر السابع، لكن ما حصل هو تقليص عدد المشاركين إلى 1400، وهو ما اعتبر إقصاء متعمدًا للتيارات المناوئة لعباس داخل الحركة، ولتفتيت أي تكتل محتمل لأنصار دحلان.

وأوضح القيادي في حركة فتح، يحيي رباح، أنهم «كفتحاويين نريد من المؤتمر، أن يشكل انطلاقة جديدة لفتح ورافعة للحالة الوطنية الفلسطينية، فلدينا قضايا خطيرة علينا أن نتفق حولها لرؤية مستقبلية، خاصة في وجه الاحتلال الإسرائيلي والاضطراب العربي المستمر منذ ست سنوات».

ويرى ربّاح أن تغير مواقع قوى كثيرة في العالم، أوجب على فتح المحافظة على ثوابتها، وبذل مجهود لتقرير الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام وإعطاء دفعة جديدة لمشروع الاستقلال الفلسطيني، على حد قوله، مُعتبرًا أن تلك القضايا هي الأهم.

وأضاف في حديثه لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «لدينا مواضيع أخرى، كتعديلات في النظام الداخلي لفتح، حتى يتواءم مع تغيرات العصر وتدافع الأجيال الفتحاوية، وكذلك هناك قضايا تتعلق ببحث جدي لعلاقتنا مع الكل الوطني والمؤسسات الوطنية، أيضًا العلاقة مع منظمة التحرير وكيف نقوي منظمة التحرير ونجعلها قادرة على استيعاب المتغيرات السياسية حولنا في المنطقة والعالم».

ويعبر القيادي بفتح، عن الآمال الكبيرة لهذا المؤتمر على مستوى انتخاب القيادة، وإدخال دماء جديدة عليها، وتحقيق انسجام بين الأجيال الفتحاوية، وفيما يتعلق بدعوة فتح لحركتي المقاومة الإسلامية (حماس)، والجهاد الإسلامي، قال رباح: «فتح عندما تعقد مؤتمرها تقعده لنفسها وليكون رافعًا للعمل الفلسطيني ككل، ونحن دعونا حماس والجهاد وكل فصائل منظمة التحرير للحضور، وهذا تقليد متبع ونحن مع تعزيز هذا التقليد الدولي المتبع».

هل سيحدد خليفة لعباس؟

يوضح القيادي في حركة فتح وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، تيسير نصر الله، أنه جرى العمل على صياغة أو تعديل بعض بنود النظام الداخلي لحركة فتح حتى «تستجيب للتطور الحاصل في الحركة، وازدياد عدد المنتسبين إليها، وإيجاد صيغة مناسبة لمعايير قادرة على الوصول إلى الكفاءات بكوادر وقيادات الحركة وحتى لا يكون هناك أي ازدحام في عضوية المؤتمر».

ويبين نصر الله أن المؤتمر ناقش البرنامج السياسي لحركة فتح، بخاصة أن الحركة لم تنجز حتى الآن مشروعها الوطني للشعب الفلسطيني، بإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة وإعادة اللاجئين، كما تطرق المؤتمر إلى ملف الوحدة الوطنية والمصالحة مع حماس، كما أخبر نصرالله.

وفي سؤال «ساسة بوست» حول مصير خلافة الرئيس محمود عباس، الذي كان مُتوقعًا أن يحدد له خليفة، بخصوص وقد بلغ من العمر 81 عامًا، أجاب نصر الله: «المؤتمر جدد الشرعية لأبو مازن (محمود عباس)، وهذا عمل ديمقراطي كون المؤتمر سيد نفسه، وعزز من صلاحيات و قدرة الرئيس أبو مازن بقيادة حركة فتح، بالإضافة إلى العمل على انتخاب لجنة مركزية ومجلس ثوري قادرين على تحمل المسؤولية خلال المرحلة الصعبة القادمة، خاصة أن هناك ازدواجية للحركة سواء بعلاقتها مع السلطة أو مع منظمة التحرير فلابد من إيجاد صيغة مناسبة لهذا الملف».

وقال إن المؤتمر، أسس لدورة جديدة للسلطة، تُمكّنها للسلطة تمكنها من انتخاب لجنة تأسيسية بالإضافة إلى دعوة لإجراء انتخابات للرئاسة وللمجلس التشريعي مباشرة بعد انعقاد المجلس الوطني وانتخاب لجنة تأسيسية جديدة، على حد قوله.

هل يؤسس دحلان حركة فلسطينية جديدة؟

اعتبر البعض أن الهدف الأساسي من عقد مؤتمر فتح السابع، إقصاء محمد دحلان من صفوف الحركة للنهاية، وإبعاده هو وأنصاره عن الهيئات القيادية الجديدة، وذلك كون نتائج المؤتمر تحدد الشكل التنظيمي القادم للحركة، وهنا بدأت تحليلات عدة تتحدث عن موقف دحلان من هذا الإقصاء.

فكما يؤكد الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني، فإن من ضمن السيناريوهات التي يمتلكها دحلان لمواجهة مؤتمر فتح السابع «بناء إستراتيجية إعلامية لمهاجمة مخرجات المؤتمر على صعيدي البرنامج والأشخاص وصولاً لخلق رأي عام فتحاوي وفلسطيني رافض لهذا المؤتمر ولنتائجه».

وأضاف الدجني سيناريو آخر، وهو «عقد مؤتمر فتحاوي موازٍ ومؤسسات تنظيمية موازية تنتخب دحلان رئيساً لها»، أما السيناريو الثالث كما جاء في مقال الدجنى المعنون بـ«خيارات دحلان ما بعد المؤتمر السابع»، فهو «إجراء اتصالات مع حركة حماس وباقي مكونات النظام السياسي الفلسطيني والتوافق معهم على أفكار تتمثل في امتلاك زمام المبادرة، مع زيادة وتيرة العمل الاجتماعي والإنساني الذي تقوده زوجته جليلة دحلان.«

وفي قراءة إسرائيلية لردة فعل دحلان، يُرجّح تقرير إسرائيلي انشقاق دحلان عن فتح، بسبب إقصاء ع عباس له، وأن قد يلجأ إلى تأسيس حركة فلسطينية جديدة، وهو ما قد يُؤدي إلى انشقاق تنظيمي كبير داخل صفوف فتح.

وبحسب موقع «ويللا» الإسرائيلي فإنّ «عباس سيحاول إقصاء عدوه التقليدي من مراكز القوة في فتح، في حين سيرد دحلان بمحاولة انشقاق تاريخية في الحركة، ويبقى الجمهور الفلسطيني صامتا إزاء ما يحدث داخل فتح».

الانقسام الفتحاوي

يؤكد المحلل السياسي، خالد عمايرة، على أهمية هذا المؤتمر، وتأثيره الكبير المحتمل على حركة فتح، فهو بعتبيره، إما أن يكون سببًا في «الخروج بفتح متحدة وقوية ومتماسكة»، أو أن يكون سببًا في «الخروج بفتح منقسمة على نفسها أكثر فأكثر، خاصة فيما يتعلق بقضية محمد دحلان».

وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «القضية الأخرى التي تؤثر على وحدة حركة فتح هي الكل الفلسطيني، فهناك قلق من احتمال أن لا تسير الأمور كما يرام بعد هذا المؤتمر، ولخاصة بسبب استمرار الانقسام الفتحاوي الفتحاوي، وليس فقط الفتحاوي الحمساوي»، موُضحًا أن هذا الانقسام الداخلي في فتح، قد يكون أكثر خطورة من الانقسام الحمساوي الفتحاوي؛ «لأن حركة فتح، حركة كبيرة وتمسك بتدابير الحركة الوطنية الفلسطينية، وكذلك السلطة الفلسطينية».

وأشار عمايرة إلى قضية حسم خلافة محمود عباس، من قبل قيادات فتح، فقال: «استمرار تجنب هذه المشكلة المسألة لا يصب في مصلحة فتح  ولا مصلحة السلطة الفلسطينية، كما يراد أن يُعرف من قتل الراحل أبو عمار، ويراد من فتح أن تكون فتح أقرب للفصائل الفلسطينية الأخرى».

ماذا عن دعوة حماس؟

لأول مرة تشارك حركتي حماس والجهاد الإسلامي في مؤتمر فتح السابع، بعد أن وجهت لهما دعوة رسمية، تم قوبلها من الحركتين، اللتين لم تتعدى مشاركتهما، «الحضور البروتوكولي، الذي لا يحمل أية أبعاد أُخرى»، كما قال أحد قادة حماس.

وبينما تعتبر فتح هذه المشاركة «تكريسًا للوحدة الوطنية، والتأكيد عليها، في إطار علاقات الأخوة وتعزيزًا لهذه العلاقات»، كما قال الناطق باسم المؤتمر العام السابع لفتح، محمود أبوالهيجا؛ يأخذنا أستاذ العلوم السياسية والإعلام بجامعة فلسطين التقنية (خضوري)، محمد إشتيوي، لأسباب أخرى، وهي في رأيه: «حركة فتح تدرك خطورة المرحلة القادمة، وهي تواجه تيارًا انفصاليًا يقوده محمد دحلان المدعوم من الرباعية العربية، وفتح من خلال مؤتمرها تسعى لتعزيز وضعها الداخلي من خلال إقصاء تيار المتجنحين كما أطلقت عليه، وتستقوي بالفصائل الفلسطينية، كما كانت دعوة لحماس كنوع من رد الجميل للحركة التي سهلت خروج أعضاء المؤتمر من غزة للضفة».

ولا يستبعد إشتيوي أن تكون فتح كحزب للسلطة «تريد سحب البساط من تحت أرجل دحلان والنظام المصري الذي يسعى للانفتاح على حماس مقابل تسهيلات لدحلان في غزة»، حسبما قال.

ويعتقد اشتيوي، أن فتح أرادت توجيه رسالة، مفادها أن جميع الفصائل الفلسطينية حاضرة في مؤتمرها، وهي تشكل غطاء لشرعية المؤتمر.

أما فيما يتعلق بدوافع حماس من حضور المؤتمر، يرى إشتيوي أنها تتمثل في رغبتها إتمام المصالحة الفلسطينية، قائلًا: «حماس تدرك تمامًا أن عباس أهون على القضية الفلسطينية من دحلان وتياره المدعوم من الرباعية العربية التي على عداء دائم معها، وتدرك حماس أن مؤتمر فتح السابع هو مقدمة للمجلس الوطني الفلسطيني، وهي بذلك تريد أن تعطي فرصة للتوافق مع فتح حول مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية».

بالإضاف إلى ذلك، فإن لحماس «مصلحة في لعب قيادتها في الضفة دورًا علنيًا ومنحها غطاء يعيد لها إمكانية النهوض بواقعها الذي فرضته سنوات الانقسام واليد الثقيلة من السلطة على الحركة في الضفة»، كما قال عمايرة.

معلومات عن مؤتمر فتح

يعتبر انعقاد المؤتمر السابع لحركة فتح بمثابة استحقاق قانوني وتنظيمي، فقد عقد المؤتمر الأول في دمشق أواخر عام 1964، وفيه حدد الأول من يناير (كانون الثاني) 1965، موعدًا لانطلاق الحركة، وعقد في العام 1967 مؤتمر اعتبر استكمالًا للمؤتمر الأول للحركة، وفيه انتخبت لجنة مركزية، وكُلّف الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ناطقًا باسم فتح، أما الأهم فهو إقرار الحركة العمل العسكري ضد إسرائيل.

وشهد عام 1968، عقد المؤتمر الثاني أيضًا في دمشق، وفيه انتخبت لجنة مركزية جديدة، مكونة من 10 أعضاء، وشكل مجلس ثوري، وفي سبتمبر (أيلول) عام 1972 عقد المؤتمر الثالث في دمشق أيضًا، وفيه انتخبت لجنة مركزية جديدة.

وعقد المؤتمر الرابع لحركة فتح، في مايو (أيار) 1980، وأُقر خلاله التحالف مع الاتحاد السوفيتي السابق، كحليف استراتيجي، أما المؤتمر الخامس، فعقد عام 1988 في تونس العاصمة، وفيه وُسّعت عضوية اللجنة المركزية.

وفي العام 2009، عقدت الحركة مؤتمرها السادس في مدينة بيت لحم، وتناول المؤتمر حينها الأوضاع السياسية، وخلاله انتخب مجلس ثوري، ولجنة مركزية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد