1,071

بعد أكثر من 49 شهرًا حبسًا احتياطيًا، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها في قضية «أحداث مسجد الفتح» والتي تتضمّن 43 حكمًا بالسجن المؤبد، و396 حكمًا بالسجن لمدد تتراوح بين 15 سنة إلى خمس سنوات، ولم تخلُ القضية من نقاط فاصلة ومخالفات قانونية منذ بدايتها وصولًا إلى الحكم فيها.

1- عدد القتلى.. عشرات المتظاهرين وفرد شرطة واحد

تعود القضية ليومي 16 و17 أغسطس (آب) 2013، عندما احتشد متظاهرون في ميدان رمسيس، تضامنًا مع قتلى «فض رابعة»، وواجهت قوات الأمن التظاهرات بالقوة، مما دفع المئات للالتجاء إلى مسجد الفتح المجاور، الذي تحول إلى مستشفى ميداني لإسعاف المصابين، وبمرور الوقت حاصرت قوات الأمن المئات داخل المسجد، الذين تقطعت بهم السبل للخروج منه، ليس فقط بسبب حصار قوات الأمن له وإنّما أيضًا لأن حظرًا للتجول كان مفروضًا آنذاك من بداية مساء اليوم وحتى بعد فجر اليوم التالي، وعقب ظهر اليوم التالي اقتحمت قوات الأمن المسجد واعتقلت مئات كانوا داخله.

وخلال الأحداث التي وقعت في محيط ميدان رمسيس، قتلت قوات الأمن المصري ما لا يقل عن 120 متظاهرًا، بحسب منظمة العفو الدولية، بينهم «عمّار» نجل مرشد جماعة الإخوان المسلمين «محمد بديع». وأفاد موقع «قصة رابعة» أن عدد من قتلتهم قوات الأمن في ذلك اليوم في محيط ميدان رمسيس ومسجد الفتح، لا يقل عن 203 أشخاص، فيما أفادت النيابة نفسها في أمر الإحالة بأن عدد القتلى في تلك الأحداث 210 أشخاص بينهم فرد شرطة واحد برتبة أمين.

2- اتهام النيابة

اتهمت النيابة 494 شخصًا في القضية، بـ«تدنيس مسجد الفتح» وتعطيل وسائل النقل، والقتل العمد لـ44 شخصًا وإصابة 59 آخرين، اللافت أن من بين هؤلاء البالغ عددهم 44 قتيلًا، كان هناك 37 اسمًا لم يُقتلوا في الأساس في تلك الأحداث وإنما قُتلوا قبل يومين تحديدًا، في يوم فض اعتصامي رابعة والنهضة، في 14 أغسطس (آب) 2013، بحسب ما أفاد المحامي أحمد حسين، عضو هيئة الدفاع عن معتقلي قضية أحداث مسجد الفتح.

3- أهالي القتلى نفوا التهمة عن المعتقلين

خلال جلسة المحاكمة التي استمع فيه القاضي لأهالي قتلى في تلك الأحداث، نفوا تهمة القتل عن المعتقلين واتهموا قوات الأمن بقتل ذويهم، وبالفعل منذ الأيام الأولى للأحداث قدّم عدد من أهالي القتلى بلاغات رسمية للنائب العام تتهم قوات الأمن بقتل ذويهم، والمثال الأكثر وضوحًا في هذا الصدد، أسرة «عمَّار» نجل مرشد الإخوان محمد بديع، الذي قُتل في تلك الأحداث، وكثيرًا ما اشتكى والده في جلسات محاكمته من عدم التحقيق في بلاغاتهم.

ولم تحقق النيابة إجمالًا في تلك النوعية من البلاغات التي تتهم قوات الأمن بقتل ذويهم، بحسب منظمة العفو الدولية التي قالت في تقرير حديث لها ، يعود لأغسطس (آب) 2017 «لم يجر أي تحقيق في استخدام قوات الأمن للقوة المفرطة المميتة ذلك اليوم» في الإشارة ليوم 16 أغسطس (آب) الذي وقعت فيه الأحداث، وانتقدت ما أسمته بـ«تفشي ظاهرة إفلات قوات الأمن من العقاب».

4- الشرطة أيضًا نفت التهمة!

لم يتوقف نفي تهمة القتل عن معتقلي مسجد الفتح، على أهالي قتلى فقط، وإنما امتد أيضًا ذلك النفي للشرطة، على لسان اللواء المُكلف بفض التظاهرات، والذي أشرف على اعتقال المتواجدين في مسجد الفتح!

عندما صرّح اللواء «مدحت المنشاوي»، مُساعد وزير الداخلية، ومدير الإدارة العامة للعمليات الخاصة، المكلف بفض تظاهرات مسجد الفتح، عقب اقتحام قوات الأمن للمسجد واعتقال المُحاصرين بداخله، بعدم وقوع أي إصابات بين الجانبين، وذلك حين سُئل عمَّا إذا كانت هناك إصابات بين الشرطة، فأجاب نصًا: «لا مننا ولا منهم».

5- أسطورة الممر الآمن.. الضرب من المئذنة

في الساعات الأولى من نهار يوم 17 أغسطس (آب) 2013، توسط القيادي الإخواني الدكتور علي بشر، وسيف عبد الفتاح، الدكتور بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة القاهرة، والدكتور محمد عبد الجواد، نقيب الصيادلة السابق، مع اللواء أسامة الصغير مدير أمن القاهرة السابق، واتفقوا على توفير قوات الأمن من الجيش والشرطة ممرًا آمنًا يخرج فيه المتواجدون داخل المسجد من المسجد وحتى محطة مترو قريبة من المسجد «دفعة واحدة».

وقد أخطر علي بشر ممثلي المتواجدين في المسجد بذلك، والذي كان من بينهم الإعلامي شريف منصور، وعند تنفيذ الاتفاق، طالب لواء الجيش المتواجدين بالمسجد الخروج على مجموعات صغيرة (تتكون من خمسة أفراد) واحدة تلو الأخرى، بدلًا من خروجهم «دفعة واحدة»، وبعد خروج أول مجموعتين، بدأت قوات الأمن الضرب بشكل مفاجئ على المئذنة، بزعم وجود أحد المسلحين فيها، ليبدأ بعد ذلك اعتقال المتواجدين في المسجد.

اللافت أنه إلى اليوم لم تحدد قوات الأمن أو النيابة أو المحكمة، من هو ذلك الرجل الذي كان فوق المئذنة، أو اسمه أو مصيره، أو الحكم القضائي الذي صدر ضده، إذا ما كان قوات الأمن قد اعتقلته، ومحاولة من قوات الأمن لتثبيت تلك الرواية، ساومت إمام مسجد الفتح، عبد الحفيظ غزالي، بإطلاق سراحه، مُقابل التأكيد بأن المعتقلين كانوا مسلحين، ولكن غزالي نفى ذلك وأكد سلمية المتواجدين في المسجد، وأكد أيضًا تعذُّر إمكانية وصول المتواجدين في المسجد إلى باب المئذنة، وهي شهادة مهّدت كما يبدو إلى الحكم ضده بالمؤبد!

6- تحقيقات مع المتهمين في غياب محاميهم

بعد اعتقال قوات الأمن المتواجدين في مسجد الفتح، ظل المعتقلون مختفين قسريًا فترةً امتدت نحو أسبوعين، لم يعرف فيها أهلهم فضلًا عن محاميهم أي معلومات عنهم، ويقول «علي» (اسم مستعار)، شقيق أحد المعتقلين في القضية، لـ«ساسة بوست» إنه لم يتعرف على مصير شقيقه خلال تلك الفترة، وعرف أنه معتقل بعد مرور نحو أسبوعين من اعتقاله، عندما وجد اسمًا مشابهًا لاسم شقيقه على كشوف معتقلي الأحداث التي نُشرت على الإنترنت، وتوقع أن يكون ذلك الاسم هو اسم شقيقه «بالرغم مما وجد فيه من أخطاء إملائية» استنادًا على سِنِّه الصحيحة.

وخلال فترة الاختفاء تلك، حققت النيابة مع المتهمين دون حضور محاميهم، بحسب ما أكده لنا «علي» وهيئة الدفاع أكدت ذلك أيضًا، بالمخالفة للمادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تنص على أنه «لا يجوز للمحقق فى الجنايات وفى الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبًا أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور (…) وإذا لم يكن للمتهم محام، أو لم يحضر محاميه بعد دعوته، وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن يندب له محاميًا».
وأشارت العفو الدولية إلى أن بعض المتهمين قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب على أيدي الشرطة لـ«الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها»، ولكن النيابة، بحسب العفو الدولية، لم تحقق في تلك المزاعم.

7- 4 قضاة تناوبوا على القضية

منذ تداول القضية في محكمة الجنايات في فبراير (شباط) 2014، تناوب عليها أربعة قضاة، بعدما تنحى ثلاثة منهم: الأول المستشار محمود الرشيدي، الذي كان قد برَّأ الرئيس المخلوع حسني مبارك في «محاكمة القرن»، وفي 12 أغسطس (آب) 2014، تنحى الرشيدي عن نظر «قضية الفتح» لـ«استشعاره الحرج»، ليخلفه المستشار صلاح رشدي الذي تنحى عن نظر القضية في منتصف 2015 لـ«بلوغه سن التقاعد».

ثم جاء المستشار سعيد الصياد لينظر القضية، ويحيلها للنطق بالحكم في يوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ذلك اليوم الذي أجل فيه الصياد الجلسة وتنحى عن نظر القضية دون إبداء أسباب، قبل أن ينظرها المستشار شبيب الضمراني الذي أصدر عصر أمس حكمه في القضية.

8- «ليسوا كمبارك».. المحكمة لم تلتزم بتنفيذ قانون الحد الأقصى للحبس الاحتياطي

خلال عمليات التناوب تلك، قضى المعتقلون أكثر من أربع سنوات قيد الحبس الاحتياطي، دون إخلاء سبيل بالمخالفة للقانون الذي وضع حدًا أقصى للحبس الاحتياطي، يتراوح بين 18 شهرًا إلى سنتين في القضايا الجنائية، ولم يكن معتقلو قضية مسجد الفتح مثل مبارك الذي قررت المحكمة إخلاء سبيله في أبريل (نيسان) 2013، في قضية قتل المتظاهرين، «لانقضاء فترة الحبس الاحتياطي».

وذلك تنفيذًا للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على: «في جميع الأحوال، لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي، وسائر مراحل الدعوى الجنائية، ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح، و18 شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام».

اقرأ أيضًا: «في طي النسيان».. ألفا معتقل في السجون المصرية تخطوا فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي

9- أطول جلسة محاكمة في التاريخ!

في فبراير (شباط) 2015، قرر القاضي صلاح رشدي نقل محاكمة المتهمين في القضية إلى سجن وادي النطرون لـ«يسع جميع المتهمين»، في واقعة قد تكون غير مسبوقة في المحاكم المصرية، أعقبها أكثر من قضية إلى مجمع المحاكم في سجن وادي النطرون.

وخلال جلسات المحاكمة، يُجمع مئات المعتقلين في قفص زجاجي، في ظروف تهوية غير مثالية مع كثرة عدد المعتقلين، كما يحول القفص الزجاجي أيضًا دون التواصل الجيد بين المعتقلين ومحاميهم.

صورة لمعتقلي مسجد الفتح  التقطها أحد الأهالي داخل القفص الزجاجي في جلسة النطق بالحكم.

وخلال هذه الظروف سالفة الذكر، انعقدت جلسة محاكمة قد تكون هي الأطول في التاريخ المصري، بدأت في صباح يوم 20 أغسطس (آب) ، وانتهت قرب فجر يوم 21 أغسطس (آب) في الساعة الثانية والنصف صباحًا، لإصرار القاضي يومها على إنهاء مرافعات الدفاع في تلك الجلسة لإحالتها للنطق بالحكم، اللافت أيضًا أن تلك الجلسة لم تُفضِ في نهايتها إلى إحالة بالحكم، وأجله القاضي لصباح يوم 21 أغسطس ليحيلها إلى جلسة النطق بالحكم.

10- ما رأيك في ثورة 30 يونيو؟!

«لقد ألف الله بين قلوب المصريين في يوم الثلاثين من يونيو، لنجد 30 مليون مصري ومصرية على قلب رجل واحد وإرادة واحدة، وأي قوة في الدنيا بإمكانها أن تصمد لحظة واحدة أمام إرادة 30 مليون جمعهم هدف واحد. لقد استشعر الشعب المصري أنه في خطر وأن هناك مؤامرة لمصر وشعبها والعالم العربي، فخرج عن بكرة أبيه وكانت ثورة الثلاثين من يونيو التي اهتزت لها الأرض ورفعت لها قبعتها تدبرًا واحترامًا وإجلالًا».

«وكان من نتائج تلك الثورة خروج الإخوان المسلمين من الحكم بإرادة شعبية حرة، بعد أن لبّت قواتنا المسلحة ورجال الشرطة نداء الشعب. فكانت ثورة 30 يونيو ملحمة وطنية، بأبطالها الجيش والشعب والشرطة، وجرت بعد ذلك انتخابات رئاسية حرة ونزيهة وحصل فيها الرئيس الحالي على أعلى الأصوات بنسبة لم تحدث من قبل. فكانت دليلًا على وعي الشعب المصري وحسه الوطني. كيف يقال إن ما حدث هو انقلاب على الشرعية؟».

هذه الفقرة لم تكن ضمن مقال رأي لمحلل سياسي في إحدى الصحف المؤيدة للنظام المصري، وإنما كانت ضمن مقدمة القاضي شبيب الضمراني، التي قالها في إطار تبريره لحكمه ضد المعارضين للنظام المصري في قضية مسجد الفتح، وهو ما يُخالف القانون ويشكك في حيدة القاضي الذي ختم تلك الفقرة بآية قرآنية أخطأ في تلاوتها «ومن قتل نفسًا بغير (حق) فكأنما قتل الناس جميعًا» فاستبدل كلمة «نفس» بكلمة «حق».

تابع من الدقيقة 4 حتى 7:

11- أحكام متباينة دون إبداء سبب اختلافها

وأعقب تلك المقدمة، تلاوة القاضي للحكم الذي تضمن:

الحكم بالسجن المؤبد وخمس سنوات مراقبة ضد 43 متهمًا: 22 متهمًا حضوريًا و21 غيابيًا، بينهم عبد الرحمن عز الذي نفى وجوده في محيط مسجد الفتح يوم الأحداث في الأساس.

الحكم بالسجن 15 عامًا وخمس سنوات مراقبة ضد 30 متهمًا: 17 متهمًا حضوريًا و13 غيابيًا.

الحكم بالسجن 10 أعوام وخمس سنوات مراقبة ضد 142 متهمًا: 54 حضوريًا و88 غيابيًا.

الحكم بالسجن خمسة أعوام وخمس سنوات مراقبة ضد 216 متهمًا حضوريًا، بينهم الطبيب إبراهيم اليماني.

الحكم بالسجن 10 سنوات لاثنين من القُصر، وخمس سنوات لستة أحداث آخرين.

والحكم ببراءة 52 متهمًا (حضوريًا وغيابيًا دون تحديد القاضي عدد الحضوري أو الغيابي) من بينهم أربعة من عائلة واحدة يحملون الجنسية الأيرلندية وهم: إبراهيم حلاوة المتهم حضوريًا، وشقيقاته الثلاث المتهمات غيابيًا، في تلك الجلسة التي حضرها السفير الأيرلندي واثنان من ممثلي السفارة الأيرلندية في مصر، بعدما شغلت قضية حلاوة الكثير من الأوساط الأيرلندية الحقوقية والرسمية.

اللافت أن القاضي خلال نطقه بالحكم لم يُحدد الأسباب الفارقة، التي جعلت من مُتهم مُعين يُحكم عليه بالمؤبد أو السجن سنوات، وبين آخر حُكم عليه بالبراءة، وبالأخصّ أن عملية الاعتقال كانت عشوائية، حاولت فيها قوات أمن اعتقال كل من كان في المسجد، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحكم القضائي لا يزال من الدرجة الأولى، وقابل للطعن أمام محكمة النقض.

اقرأ أيضًا: الحصانة للأجانب والمحاكمات العسكرية للمصريين.. كيف تحولت مصر لجنة «السياح المجرمين»؟