عبد الله كمال 16
عبد الله كمال 16

1,004

وَتَذْكُرُ ثَوْرَتُنَا العَارِمَة***بُطُولَةَ سَيّدَتِي فَاطِمَة
يُفَجِّرُ بُرْكَانَها جُرجُرَة***فَتَرْجِفُ بَارِيسُ والعَاصِمَة

وأَلْهَبْتِ نارًا تُذِيبُ الثلوجَ***وتعصف بالفئة الظالمة

*مفدي زكريَّا – إلياذة الجزائر

بعد حوالي عقدين من دخول القوّات الفرنسية للجزائر سنة 1830، كانت المقاومة الشعبية الجزائريّة تعرف تحوّلات خطيرة، فثورة الأمير عبد القادر التي انطلقت سنة 1832 واستمرّت لما يزيد عن 15 سنة قد هُزمت بعد وقوع الأمير في الأسر، لكن ذلك لم يكن يعني انتهاء الثورة، بل إنّ نهاية مقاومة الأمير كانت موعدًا لولادة عدّة بؤر مقاومات محليّة في مختلف الأقطار الجزائريّة، إذ اشتعلت في منطقة الظهرة والزعاطشة ببسكرة في الصحراء الجزئريّة، إلى جانب بلاد القبائل في جبال جرجرة.

من جبال جرجرة.. الشابة صغيرة السنّ في موعد مع التاريخ

كان هنالك إلحاح من الجنرالات الفرنسيين على القادة السياسيّين من أجل أخذ الإذن للهجوم على منطقة جبال جرجرة، التي بقيت مستقلّة حتى سنة 1947، وذلك بسبب موقعها الجغرافي الفريد والمحصّن طبيعيًّا ضد أيّ غزو أجنبي، وقد مهّد الفراغ الثوريّ الذي نتج عن انكسار مقاومة الأمير عبد القادر لظهور قيادات ثوريّة في منطقة زواوة المعروفة بمنطقة القبائل، بضواحي جبال جرجرة، إذ شهدت تلك المنطقة بعد سنة 1849 موجة ثوريّة ضد الاستعمار الفرنسيّ التفّ حولها السكّان وطلبة الزوايا الصوفيّة، وبرزت شخصيّات قياديّة تولّت قيادة العمليّات العسكريّة ضد الاستعمار.

لعلّ قيادة الرجال لمثل هذه المواجهات العنيفة أمر معهود في التاريخ، لكن أن تقود امرأة صفوف الرجال من أجل الجهاد ضد الاستعمار، في مجتمع قبليّ ومحافظ، فهذه قصّة تستحقّ أن تُحكى، إنّها قصّة لالّة فاطمة نسومر، راعية زاوية ورجة الرحمانية، وزعيمة الجهاد ضد الاستعمار في منطقة زواوة.

وُلدت لالة فاطمة نسومر، سنة 1830 -نفس السنة التي دخلت فيها قوّات الاحتلال الفرنسيّ الجزائر- أبوها الشيخ الطيب، شيخ زاوية ورجة الرحمانية. وقد تزوّجت وهي بنت 16 سنة، لكن زواجها لم يوفّق فعادت إلى أهلها وقد رفض زوجها تطليقها، فبقيت تحت عصمته، الأمر الذي سيجعلها ترفض زيجات مهمّة لاحقًا.

بعد أن توفي والدها، تكفّلت بالزاوية وأصبحت مع أخيها راعيتها والمسؤولة عن شؤونها وطلاّبها. وفي أواخر سنوات الأربعينيات من القرن التاسع عشر، شهدت منطقة زواوة توافد العديد ممّن يُدعوْن بالأشراف، وهم رجال متصوّفون كان بعضهم في جيش الأمير عبدالقادر، وقد عزموا على تفجير الثورة من جديد في منطقة زواوة، كان أبرزهم الشريف محمّد الهاشمي الملقّب بـ«بومعزة» والشريف محمد الأمجد بن عبدالملك الملقّب بـ«بوبغلة» وغيرهم.

عندما جاء الهاشمي «بومعزة» إلى منطقة زواوة سنة 1949 من أجل إشعال الثورة بعد أن كان في جيش الأمير عبدالقادر، أراد حشد الجهود الشعبيّة في المنطقة، فاتّصل بقياداتها المحليّة من أجل جمع المال والرجال والعتاد، وقد كانت زاوية لالّة فاطمة نسومر إحدى وجهاته من أجل حشد الدعم، وتشير كتب تاريخيّة إلى أنّه عرض على فاطمة زواجًا سياسيًّا من أجل تقوية روابطه مع السكان المحليّين، إلاّ أنّ كونها تحت عصمة زوجها الأوّل -الذي رفض تطليقها رغم انتهاء زواجهما فعليًّا- حال دون هذا الزواج.

الأمجد ابن عبد الملك الملقّب بـ«بوبغلة» كان أيضًا ممّن تعاونت معهم لالة فاطمة نسومر عسكريًّا، ففي السابع من أبريل (نيسان) سنة 1854، شاركت فاطمة نسومر مع بوبغلة في معركة قادها الجنرال وولف من الجانب الفرنسيّ في وادي سيباو، وتشير بعض المصادر التاريخيّة إلى أن الشريف بوبغلة قد أصيب بجراح بليغة وكاد يقع تحت الأسر، إلاّ أن فاطمة نسومر استطاعت إنقاذه بأعجوبة، لتنتهي المعركة بانتصار المقاومين الجزائريين.

حين قادت فاطمة المجاهدين في وجه الجيوش الفرنسيّة

وَأرعَفتِ «راندون» في كِبرِه***ودُستِ على أنفه الراغمة

وصَعَّرتِ للجنرالات خدًّا***فخابت نواياهم الآثمة

تتحلّى منطقة زواوة -الواقعة في محافظة تيزي وزو حاليًّا- بصفات جغرافيّة وسكّانية فريدة جعلتها بعد 20 سنة من احتلال القوّات الفرنسيّة للعاصمة الجزائريّة تبقى دون أن تدخلها قوّات الاحتلال الفرنسيّ، إذ تُعرف بجبال جرجرة العالية ووديانها ومسالكها الوعرة، بالإضافة إلى الثلوج الكثيفة التي تكسوها في فصل الشتاء، فيقطع عنها الطرق والرؤية، بالإضافة إلى قراها ومداشرها وقبائلها المتنوّعة وغطائها النباتي الكثيف، ممّا يجعلها المنطقة المثاليّة لأيّ عمل مسلّح وحرب العصابات.

 

بينما تجد فيها القوّات النظاميّة صعوبة شديدة في التحكّم في جغرافيّتها أو سكّانها. لكن مع نهاية سنوات الأربعينيات، ورغم أنّ يد الاحتلال الفرنسي لم تسيطر عليها بعد؛ إلاّ أن جرجرة صارت محاصرة تقريبًا من كل الجهات، خصوصًا بعد احتلال بجاية والحصار البحريّ من الشمال، ممّا عنى أن جميع النشاطات الاقتصادية والمبادلات التجارية أصبحت متوقّفة.
في السابع عشر من يونيو (حزيران) سنة 1854، وقعت معركة تاشكيرت بين الفرنسيين بقيادة الجنرال راندون في محاولة للسيطرة على قرى منطقة وادي سيباو، وبين فاطمة نسومر التي قادت قوّات المجاهدين لمواجهة الجيش الفرنسيّ، ورغم تفوّق الفرنسيين في العدّة والعتاد إلاّ أنّ المجاهدين استغلّوا معرفتهم بالتضاريس الجبليّة الوعرة؛ واستطاعوا ردّ العدوان الفرنسيّ، إذ سقط في تلك المعركة 800 جندي فرنسيّ و25 ضابطًا وأكثر من 300 جريح.

وفي مايو (أيّار) سنة 1957 قاد الجنرال راندون حملة عسكريّة كبيرة من أجل اقتحام جبال جرجرة والسيطرة عليها، فاحتلّ قرى منطقة الأربعاء ناثيراثن وارتكبت القوات الفرنسيّة مجازر في حقّ السكان المحليّين، وبسقوط هذه المنطقة، أصبحت السيطرة على جرجرة مسألة وقت فقط.

جمعت لالة فاطمة نسومر المجاهدين من مختلف العشائر والقبائل للهجوم على الفرنسيين، واندلعت معركة إيشريضن التي قادتها لالة فاطمة من جهة، والجنرالات الفرنسيّون راندون، وماكماهون من الجانب الفرنسيّ، ورغم أن جيش أهالي جرجرة بقيادة فاطمة نسومر استبسل في المعركة وحاول ردّ العدوان الفرنسيّ، إلاّ أنه فشل في ذلك وأجبر على الخضوع للمفاوضات من أجل وقف القتال.

Embed from Getty Images
جبال جرجرة

بدأ وفد المجاهدين بقيادة السي الطاهر شقيق لالة فاطمة نسومر، مفاوضات إيقاف القتال مع الطرف الفرنسيّ بقيادة الجنرال راندون، واتّفق الطرفان على الهدنة مقابل الشروط التالية: أن تنتشر القوات الفرنسيّة خارج التجمعات السكنيّة، وأن لا يدفع سكّان المنطقة الضرائب، وأن لا يُحاكم قادة الثورة، والالتزام بحماية الأشخاص والممتلكات. وقد وافق الجانب الفرنسيّ على هذه الشروط، لكن وما إن غادر الوفد مكان الاجتماع حتّى أمر راندون بإلقاء القبض عليهم، ثم وقعت فاطمة نسومر في الأَسر هي ومجموعة من النسوة.

نقلت لالة فاطمة نسومر إلى زاوية في منطقة تابلاط هي وبعض النسوة المرافقات لها، وبقيت في الحراسة المشدّدة هناك إلى أن توفيت بعدها بستّ سنوات في سنة 1863، وقد دُفنت هناك، ليتمّ بعد الاستقلال نقل رفاتها إلى مقبرة العالية بالجزائر العاصمة.

أعادت تعريف دور المرأة في المجتمع القبليّ المحافظ

ينتشر عند الكثيرين عند الحديث عن المقاومات الشعبيّة والثورات ضد الاحتلال الفرنسيّ في الجزائر فكرة تفيد بأن الزوايا الصوفيّة كانت مؤيّة للاحتلال، وأن الفرنسيين استخدموا مكانتها الدينية عند السكّان من أجل شرعنة وجوده دينيًّا، من خلال استصدار فتاوى تفيد بتحريم الخروج على الحاكم الفرنسيّ أو تصوير الاحتلال الفرنسيّ باعتباره قضاء وقدرًا لا يجوز الاعتراض عليه.

وهذه فكرة بعيدة عن الدقّة، وتقع في الاختصار المخلّ الذي يتجاهل تعقيد التاريخ، فالزوايا الصوفيّة، كما في حالة لالة فاطمة نسومر -التي كان والدها شيخ زاوية- كانت هي أبرز مؤسسات المجتمع التقليدي من أجل حشد الشباب والطلبة لدعم الانتفاضات ضد الاستعمار الفرنسي.

بالإضافة إلى ذلك فإن نموذج لالة فاطمة نسومر، يتحدّى الأفكار المسبقة عن المجتمع الإسلامي التقليديّ في المخيال الغربي قبل 300 سنة، الذي تُضطهد فيه المرأة، والتي لا مكان لها في القرارات الحاسمة كقرار الحرب والسلم الذي يعتبر حكرًا للرجال، فنجد أن لالة فاطمة كانت تقود عشرات الرجال جنبًا إلى جنب من أجل صدّ قوّات الغزاة، حتّى صار اسمها يضرب به المثل في الشجاعة والقيادة.