لا يختلف أحد منا على خطورة تناول السكريات وعدم إضافتها إلى الأنظمة الغذائية، عند الحديث عن اتباع حميات صحية. وربما أيضًا لا يختلف أحد منا على أهمية تناول البروتينات ووجودها الدائم في الحميات الغذائية المختلفة، لكن عند التحدث عن الدهون، يبدأ الاختلاف والارتباك!

لفترة طويلة من الزمن، طُلِب من الناس الابتعاد تمامًا عن إضافة الدهون إلى الأنظمة الغذائية الصحية. لكن في الآونة الأخيرة، عادت الدهون من جديد إلى المائدة، وهو ما تسبب في وصول رسائل متضاربة حول الدهون وحاجتنا إليها وإضافتها إلى الحميات الغذائية الصحية. فهل الأمر يتعلق بكل أنواع الدهون؟ أم أنواع معينة منها فقط؟

«الدهون أنواع»

بعض الناس يعرفون أن السكريات أو النشويات عمومًا متنوعة وليست نوعًا واحدًا فقط، الأمر نفسه ينطبق على البروتينات خصوصًا عندما نتحدث عن مصدرها الحيواني أو النباتي. لكن البعض منا لا يعرف أن الدهون أيضًا تحتوي على عدة أنواع وليس نوعًا واحدًا فقط.

تعد بعض أنواع الدهون هذه ضرورية في الحميات الغذائية، لأنها تمدنا بالطاقة وتساعدنا على امتصاص بعض الفيتامينات، بما في ذلك فيتامين «أ» و«د» و«هـ». في المقابل، هناك العديد من أنواع الدهون التي يمكن أن يتسبب تناولها بكثرة في الإضرار بنا.

Embed from Getty Images

هناك نوعان رئيسيان من أنواع الدهون؛ الدهون غير المشبعة والتي تُعرف بالدهون «الجيدة أو المفيدة»، وهي مهمة لمساعدتنا على خفض نسبة الكوليسترول والحفاظ على صحة القلب. هذا النوع من الدهون يمكننا العثور عليه في أطعمة مثل زيت الأفوكادو، أو زيت الزيتون، أو الفول السوداني، والأسماك، وقشدة اللبن. والتي تتميز بأنها – في الغالب – سائلة في درجة حرارة الغرفة وتتميز بأن أغلبها – وليس جميعها – نباتي المصدر.

والدهون المشبعة التي يمكن أن تكون ضارة عند تناولها بكميات زائدة؛ إذ تستطيع أن ترفع نسبة الكوليسترول وتزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، ويندرج تحت هذا النوع من الدهون؛ الدهون المتحولة، والتي كانت دهونًا غير مشبعة في الأساس لكن جرى تحويلها إلى دهون مشبعة صلبة عبر عملية صناعية تسمى «الهدرجة» من أجل الحفاظ على عمر افتراضي أطول لها على الرف، وهذه الدهون هي الأكثر خطورة على الإطلاق.

مهم أن نعرف هنا أن هذه الدهون المشبعة (الضارة) وغير المشبعة (الجيدة)، لا توجد في الواقع بشكل منفرد؛ إذ إن الزيوت أو السمن وغيرها، تحتوي على تشكيلة من الأحماض الدهنية المشبعة وغير المشبعة بنسب متفاوتة. وما يحدد أن نوع الزيت أو تلك الزبد، جيد أو ضار هو كمية الدهون المشبعة وغير المشبعة الداخلة في تركيبه.

فعلى سبيل المثال؛ زيت السمك ليس نوعًا واحدًا من الدهون، بل هناك عدة أنواع داخلة في تركيبه، لكنه يتميز بارتفاع نسبة الدهون غير المشبعة (الجيدة) وانخفاض نسبة الدهون المشبعة (الضارة)، الأمر نفسه يظهر في دهون اللبن، أو قشدة اللبن التي تحتوي على كمية أكبر من الدهون غير المشبعة (المفيدة). أما بالنسبة للزيوت المهدرجة فلا خلاف على أنها الأسوأ صحيًّا على الإطلاق.

وللهيئات الصحية «مذاهب» في تناول الدهون

تتفق الهيئات الصحية حول العالم وخبراء التغذية والأطباء على أن الدهون جزء مهم من الحميات الغذائية الصحية، لكن الأمر هنا يتعلق بمقدار ما يجب علينا تناوله من دهون بشكل يومي. إذ توصي منظمة الصحة العالمية (WHO) بعدم الحصول على أكثر من 30% من السعرات الحرارية اليومية من الدهون، منها 10% فقط من الدهون المشبعة، وأقل من 1% من الدهون المتحولة.

الدهون وإضافتها إلى الحميات الغذائية الصحية

لكن في أوروبا تختلف الأمور بشكل واضح. إذ تشير التوصيات الصحية إلى أن الدهون يجب أن تشكل ما بين 20-35% من إجمالي سعراتنا الحرارية اليومية. كما أنه لا توجد أيضًا توصيات بشأن عدد السعرات الحرارية التي يجب أن تكون من الدهون المشبعة أو المتحولة، بل ما ذكر هو أنها يجب أن تكون محدودة.

وفي الولايات المتحدة، ينصح الناس فقط بالحد من تناول الدهون المشبعة إلى أقل من 10% من السعرات الحرارية اليومية، دون إعطاء توصيات واضحة أخرى.

ارتباك وتوصيات محيرة!

لذلك، وبينما يبدو أن هناك اتفاقًا بشأن كمية الدهون التي يجب أن يتناولها الأشخاص، فإن الاختلافات الطفيفة في هذه التوصيات، بالإضافة إلى الاختلافات في كمية أنواع معينة من الدهون التي يجب أن نتناولها في الحميات الغذائية الصحية، تفسر لنا ذلك الارتباك حول ما إذا كان يجب علينا تناول الدهون أم لا، والكمية التي يجب علينا تناولها.

ما يزيد المشهد إرباكًا، هو أن الكثير من المعلومات المتعلقة بالدهون إما أن تكون مبسطة للغاية وإما غير صحيحة. ما يجعل التوصيات المتعلقة بتناول الدهون أكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، توصي الجمعيات البريطانية المشتركة بأن يأتي حوالي 10% فقط من إجمالي مدخول الشخص من الدهون من الدهون المشبعة (غير المفيدة).

وتوصي الهيئات الدولية والحكومية – كما ذكرنا – أن حوالي 30% من السعرات الحرارية اليومية يجب أن تأتي من الدهون، مما يعني أن الدهون المشبعة تشكل 3% فقط من السعرات الحرارية في يومنا هذا، أي سبعة جرامات من الدهون المشبعة أي نحو ملعقتين صغيرتين من الزبدة الصناعية أو زيت النخيل.

هذا يختلف عن العديد من التوصيات الأخرى مثل من منظمة الصحة العالمية، التي تنص على أن 10% من جميع السعرات الحرارية التي يتناولها الناس يوميًّا يجب أن تأتي من الدهون المشبعة، هذا يعني أن الـ30% المخصصة للدهون في بناء الحميات الغذائية، تنقسم إلى 20% دهون غير مشبعة (مفيدة)، و10% دهون مشبعة.

الطفل

منذ 8 شهور
هل يؤثر الطعام على الصحة العقلية للأطفال؟

هذا الاختلاف في النسب حول التقييد الصارم للدهون المشبعة سيكون من الصعب على العديد من الأشخاص تحقيقه؛ نظرًا إلى أن مجموعة متنوعة من الأطعمة الصحية – مثل زيت الزيتون – يمكن أن تحتوي أيضًا على الدهون المشبعة، بفعل طريقة الاستخلاص والعصر.

هذا يعني أن محاولاتنا لتحديد كمية الدهون المشبعة وغير المشبعة في الحميات الغذائية، قد لا تكون بهذه البساطة في الواقع، لأن العديد من الأطعمة تحتوي على كلا النوعين بنسب متفاوتة.

فالأنواع المختلفة من الزيوت تحتوي على مستويات مختلفة من الدهون المشبعة. فزيت عباد الشمس، على سبيل المثال، يحتوي بالفعل على نسبة منخفضة من الدهون المشبعة (غير المفيدة)، لذا فإن استخدام كمية أقل من شأنه أن يقلل بشكل كبير من السعرات الحرارية، ولكنه يقلل بشكل طفيف من مستويات الدهون المشبعة (غير المفيدة) في الوجبة الغذائية.

وتتضمن نصائح مؤسسة القلب البريطانية، تجنب احتواء الحميات الغذائية على الأطعمة المقلية والتحول إلى الحليب شبه منزوع الدسم. هذه النصيحة تبدو منطقية ظاهريًّا، لكن عند تطبيقها في الواقع تتسبب في نوع من الارتباك للناس الذين يحاولون معرفة أنواع الأطعمة التي يجب تجنبها. فكثير من الأطعمة، حتى الصحية، يصعب معرفة المواد الداخلة في مكوناتها مثل نوع اللبن المستخدم.

لذلك، ربما تكون أسهل طريقة لتجنب الدهون المشبعة هي تجنب وجود أطعمة مثل الفطائر، والكعك، والبسكويت، والوجبات السريعة في الحميات الغذائية المتبعة، فهذه الأطعمة غنية بالدهون المشبعة والدهون المتحولة المهدرجة.

وأخيرًا.. هل نتناول الدهون في الحميات الغذائية الصحية؟

خلاصة هذا الكلام كله، وما تتفق عليه العديد من الأبحاث هو أننا يجب أن نحصل على حوالي ثلث طاقتنا من الدهون، ويجب أن يكون ثلثا هذه الكمية من الدهون غير المشبعة. ويجب أن نعرف أن مصادر غذائية معينة تحتوي على أنواع مختلفة من الدهون ومستويات مختلفة من الدهون.

على سبيل المثال، يحتوي كلٌّ من الأفوكادو والفطائر المحلاة (الدوناتس) على نسبة عالية من الدهون. لكن الأفوكادو غني بالدهون غير المشبعة الصحية، وهي مفيدة لصحة القلب، ويمكن أن تخفض نسبة الكوليسترول. من ناحية أخرى، تحتوي الفطائر المحلاة على نسبة عالية من الدهون المشبعة، والتي يمكن أن تكون ضارة بقلبك ومستويات الكوليسترول.

Embed from Getty Images

فأسهل طريقة للتأكد من أنك تتناول كمية كافية من الدهون الصحيحة هي تجنب الأطعمة التي تحتوي على الدهون المشبعة والمتحولة مثل الزبدة الصناعية، والجبن الصلب، والفطائر، والبسكويت، والمعجنات، والكعك، واللحوم المصنعة، ورقائق البطاطس.

وبدلًا من ذلك، حاول تناول مصادر الدهون الصحية مثل الأفوكادو وزيت الزيتون، والمكسرات، والأسماك، والقشدة البلدي، وسيضمن ذلك أنك لا تحصل فقط على ما يكفي من الدهون في نظامك الغذائي، ولكن ستحصل على النوع الصحيح من الدهون (نحو 75 جرامًا يوميًّا للنساء، و90 جرامًا للرجال).

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد