مرّ كل البشر خلال إحدى مراحل الطفولة بمرحلة «الخوف من الظلام»، ورغم أن أغلب المخاوف التي مرت علينا في مرحلة الطفولة تبدأ في التلاشي تدريجيًا بعد البلوغ، إلا أن الخوف من الظلام يتميز بأنه شعور يبقى ملازمًا لكثير من البشر، حتى البالغين منهم، بل قد لا يتخلص منه الكثير من الناس أبدًا.

ففي دراسة استقصائية أجريت في المملكة المتحدة عام 2012 قال ما يقرب من 40% من الأشخاص إنهم يخشون التجول في المنزل عند إطفاء الأنوار، وقال 10% إنهم لن يقوموا حتى من السرير لاستخدام الحمام في منتصف الليل.

من النوم في غرفة بلا إنارة، وحتى السير في شارع جانبي ضعيف الإضاءة ليلًا، مرورًا بالمقابر والكهوف، يظل الخوف هو الاستجابة الشائعة للظلام. لذلك يحاول العلماء دائمًا تقديم تفسير علمي لهذه العلاقة الدائمة بين الخوف والظلام. ورغم وجود تفسيرات سيكولوجية متعددة بدأ العلماء في التقدم أكثر باتجاه معرفة آليات الدماغ التي تقف وراء هذه العلاقة بين الخوف والظلام، كما تعرفوا على تفسيرات مرتبطة بالتطور أيضًا.

ليس خوفًا من الظلام.. بل مما يخفيه الخوف!

تُكتسب بعض المخاوف بناءً على تجارب حياتية محددة، بينما لا تكون بعض المخاوف الأخرى مكتسبة، بل فطرية في كل البشر. الخوف من الظلام يقع ضمن هذه الفئة من المخاوف الفطرية. ذلك أن الظلام في حد ذاته ليس هو ما يخيفنا، بل الخوف مما يخفيه ذلك الظلام الموجود أمامنا.

Embed from Getty Images

بحسب علم النفس فإن الظلام يتركنا ضعفاء ومكشوفين، غير قادرين على اكتشاف أي تهديدات قد تكون مخفية بجوارنا. عبر فترة طويلة من تاريخ البشرية كان الظلام يعني الخطر، والخوف منه يعني اتخاذ الاحتياطات للبقاء في أمان. ورغم أن الحال لم يعد كذلك الآن؛ إذ إن أغلب الناس يقضون أحلك ساعات يومهم ليلًا بأمان في أسرتهم، فإن الظلام ظل محتفظًا بمكانة قوية في أنفسنا باعتباره مظهرًا من مظاهر الرعب من المجهول.

في الطفولة يأتي الخوف عند الأطفال من خشيتهم مما هو غير متوقع؛ إذ يؤمن الأطفال بكل شيء يمكن تخيله، مثل قدوم اللصوص، أو إمكانية اختطافهم، أو حتى قدوم شخص ما شرير ليأخذ ألعابهم بعيدًا. أما عند البالغين فيمكن للظلام أن يظهر عوامل جديدة لإثارة الرعب، مثل الخوف من اقتحام شخص ما للمنزل.

تفسير تطوري للخوف من الظلام

نعود إلى ما ذكرناه حول كون الخوف من الظلام أمرًا فطريًا. على الرغم من أن هذا يبدو وكأنه شيء غريب ويصعب تصديقه، فإن الخوف من الظلام سمة تطورية اختارها البشر للبقاء على قيد الحياة من الحيوانات المفترسة التي كانت تلاحقهم في الليل.

في الحاضر القريب أصبح البشر في الحقيقة حيوانات مفترسة خارقة مع ظهور التكنولوجيا التي مكنتهم من بث الخوف في وجه الحيوانات، ومواجهتهم، وتهديد حياتهم. أما في الماضي البعيد، وقبل ظهور التكنولوجيا، لم يكن البشر بهذه العدائية، بل كان أسلافنا يخشون باستمرار الحيوانات المفترسة، لذلك كان هناك ترقب دائم من مجموعات البشر، خصوصًا في الليل، حيث تفضل هذه الحيوانات الهجوم والصيد.

Embed from Getty Images

هذا يعني أنه كان من المهم أن يظل أسلافنا آمنين في الليل؛ لأنهم لو لم يضمنوا ذلك فسيموتون. وعلى مر السنين أصبح هذا الخوف الليلي غريزيًا وفطريًا، حتى أصبحنا نختبره اليوم كشكل من أشكال القلق. هذا النوع من القلق هو طريقة جسمك لإبقائك متأهبًا حالة احتياجك إلى القتال أو الفرار بعيدًا عن الخطر.

البشر وصناعة الوحوش

وكما أنه بالنسبة للبشر القدامى كانت الحيوانات المفترسة انعكاسًا لخوفهم من ذلك الخطر المجهول الكامن في الظلام، فإنه في المدن الكبيرة، الخالية من الحيوانات المفترسة اليوم، أصبحت فكرة الوحوش هي البديل المناسب لملء هذا المجهول. فقد صنع البشر الوحوش لأنها تملأ فراغ الحيوانات المفترسة الموجودة عند الأسلاف.

خير مثال على ذلك هو كيفية عمل أفلام الرعب، فالأفلام الجيدة لا تظهر لك الوحش بشكل مباشر، وذلك لأن خيالك يجعله شيئًا أكثر ترويعًا بالتأكيد.

آلية الخوف من الظلام في الدماغ

حتى وقت قريب جدًا لم يكن العلماء يعرفون كيف يعمل المخ بالضبط لتطوير ذلك الشعور الخاص بالخوف من الظلام. لكن الآن يعتقد العلماء أنهم ربما اكتشفوا آليات الدماغ التي تقف وراء الخوف من الظلام، وهي الآليات التي تعمل في منطقتين من الدماغ على وجه الخصوص.

المنطقة الأولى المسؤولة عن ذلك الشعور هي «اللوزة الدماغية»، وهي المسؤولة عن معالجة المشاعر، وتنظيم استجابة الخوف لدينا. أوضحت دراسة جديدة نشرت في يونيو (حزيران) 2021 كيفية تغير نشاط الدماغ في هذه المنطقة عندما نتعرض للضوء والظلام.

الأمر هنا بسيط؛ فالضوء يكبت نشاط اللوزة الدماغية، وهو ما يعني تقليل مشاعر الخوف، بينما يتسبب الظلام في إثارة نشاطها؛ مما يتسبب في زيادة الإحساس بالخوف. وأدى التعرض المعتدل للضوء إلى كبت نشاط اللوزة بشكل أكبر من الضوء الخافت.

 

أضف إلى ذلك أن وجود الضوء يقوي الصلة بين اللوزة الدماغية و«القشرة الأمامية الجبهية البطنية»، وهي المنطقة الثانية من الدماغ المرتبطة بالتحكم في إحساسنا بالخوف.

brother and sister exploring with flashlight

وكان هناك أيضًا «اتصال وظيفي» أكبر بين اللوزة الدماغية والقشرة الأمامية الجبهية البطنية خلال الأوقات التي كانت المصابيح فيها مضاءة. اتصال وظيفي يعني وجود رابط يتعلق بالوظيفة الخاصة بكلتا المنطقتين، وهي الإحساس بالخوف في هذه الحالة.

ويمكن أن تساهم هذه التأثيرات المتعلقة بتأثيرات الضوء على تحسين الحالة المزاجية من خلال تقليل التأثير السلبي المرتبط بالخوف، وتحسين معالجة المشاعر السلبية. فالعلاقة بين الضوء والظلام والنشاط في الدماغ راسخة؛ إذ تساعدنا التغييرات في الضوء على معرفة وقت النوم، ولها تأثير على مستويات اليقظة لدينا، ويمكن أن تؤثر على مزاجنا أيضًا.

ومن الممكن أن تكون القدرة على التحكم في مستويات التعرض للضوء – وهو أمر لم نتمكن من تحقيقه إلا مؤخرًا جدًا في تاريخ البشر نتيجة للتكنولوجيا الحديثة المرتبطة باكتشاف وتطوير المصابيح الضوئية – إحدى طرق معالجة الرهاب المرتبط بالخوف المرضي من الظلام.

ولاحظ أن العلاج بالضوء يستخدم بالفعل على نطاق واسع في حالات مثل الاكتئاب، على الرغم من أن العلماء لا يفهمون تمامًا كيف ولماذا يعمل هذا العلاج بالضبط.

لذلك فإن الدراسة الجديدة مهمة في توضيح جزء من آلية عمل هذه العلاجات وارتباطها بمنطقة اللوزة الدماغية، عبر ما يسمى بالخلايا العقدية الشبكية الحساسة للضوء (ipRGCs)، والتي تأخذ الضوء من العين وتنقله إلى أجزاء مختلفة من الدماغ، بينها اللوزة الدماغية.

حقوق إنسان

منذ 7 شهور
كيف صمم علماء النفس بيئة معتقل جوانتانامو المرعبة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد