هل تجد نفسك تتهرب من شريكك العاطفي، بمُجرد أن تقترب العلاقة من الحديث عن الزواج؟ بعض الأشخاص قد يفتعلون مشكلات يُخربون بها علاقاتهم قبل موعد زفافهم بشهر أو أقل، فقط لكي لا يُتمِّون الزواج. قد يسهل تفسير الأمر بأن هؤلاء الأشخاص لا يتمتعون بالشجاعة اللازمة لتحمُّل مسؤوليات البيت والأسرة، وهذا التفسير يماشي الصورة النمطية التي يرتاح الكثيرون منَّا عند رسمها؛ صورة الجاني والضحية، لكن الأمر من وجهة نظر أخرى قد لا يخضع لهذا التفسير بأي درجة.

الهرب من العلاقات العاطفية، قد يعود إلى اضطراب يُسمى بـ«الخوف من العلاقة الحميمة» أو «قلق التجنب»، ويُمكنك خلال السطور التالية التعرُّف أكثر إلى هذا الاضطراب.

الخوف من العلاقة الحميمة

يوصف الخوف من العلاقة الحميمة بأنه الرعب والقلق المُبالغ فيه من التشارك في علاقة عاطفية أو جسدية وثيقة. الأشخاص الذين يُعانون من هذا الرعب قد يتمنون التقارب مع أحد، لكنهم رغمًا عنهم يجدون أنفسهم يُخربون علاقاتهم ويُبعدون عنهم، أي شخص من المُحتمل أن يصل معهم إلى علاقة حميمة. فتجد فتاة تتهرب من أي شخص يبدو مُناسبًا للزواج منها، أو تجدها تهرب من شخص ما، لأنها فقط شعرت بالإعجاب تجاهه.

Embed from Getty Images

قد تجد هذا في الرجال أيضًا، فرُبما خرَّب صديقك علاقة خُطبته بعدما تحدد موعد الزفاف وجرى تأسيس منزل الزوجية، وهو نفسه لا يعرف سببًا مُقنعًا جعله يفعل هذا.

والعلاقة الحميمة هنا، لا يُقصد بها العلاقة الجنسية فحسب، بل تُشير إلى القدرة على مشاركة ذاتك الحقيقية مع شخص آخر، وذلك من خلال تجربة التقارب والاتصال.

ومن هذا المنطلق، تجد أن هناك عدَّة أنواع للعلاقات الحميمة، فهناك العلاقة الحميمة الفكرية، وهي قدرتك على تشارك أفكارك مع شخص آخر، أو علاقة حميمة عاطفية، وهي قدرتك على تشارك مشاعرك، وهناك العلاقة الحميمة الجنسية، وهي قدرتك على التقارب الجسدي والعلاقة الوثيقة الجسدية مع شخص آخر. لكن ما الأسباب التي تجعل شخصًا ما يخاف من التقارب ويصل إلى درجة الخوف من العلاقة الحميمة مع شخص آخر؟

أسباب الخوف من العلاقة الحميمة

هناك عدَّة أسباب تجعل البعض يخافون ويهربون من العلاقات الحميمة، منها:

1. الخوف من الهجر.. أشباح تجارب الطفولة حاضرة وبقوة

البعض يتحسب ويحذر من الهجر بمُجرد بدء الاقتراب أو التعلُّق بشخص آخر، حينما يشعر هذا الشخص بأنه يتعلق بشخص ما ورُبما يشعر أنه لا يستطيع الاستغناء عنه يهرب فورًا، فقط بسبب الخوف من ترك الشخص الآخر له، فيُعجل هو بالرحيل، قبل أن يهجره الطرف الآخر.

علوم

منذ 5 شهور
علميًّا.. لماذا تبدأ العلاقات العاطفية في الشتاء وتنتهي في الصيف؟

قد يحدث هذا الخوف بسبب تجارب سيئة خلال الطفولة المُبكرة، التي اشتملت على بعض تجارب الخذلان أو العنف والقسوة من الأشخاص القائمين بالرعاية. مثلًا: الأشخاص الذين فقدوا أحد الوالدين بسبب الموت أو الطلاق أو السجن قد تنشأ لديهم المُعاناة من مشاعر الهجر، وقد يواجهون صعوبة في تكوين روابط وعلاقات صحية عند البلوغ.

2. اضطرابات القلق.. اهرب ولا تدع أحدًا يقترب

قد يُعاني الأشخاص الذين يواجهون اضطرابات القلق والرُهاب الاجتماعي من الخوف من العلاقة الحميمة، وذلك في إطار قلقهم ومخاوفهم الاجتماعية بشكل عام.

الأشخاص الذين يُعانون من القلق والرُهاب الاجتماعي، قد يخافون من حكم الآخرين عليهم، قد يخافون من رفض الآخرين لهم، هذا يجعلهم بطبيعة الحال لا يُفضِّلون الاقتراب من أحد حتى وإن كانوا يرغبون من داخلهم بشدة في التقارب.

3. الاعتداء الجسدي أو الجنسي.. حاجز منيع في الداخل

يمكن أن تؤدي الإساءة الجسدية مثل تعرُّض الأطفال للتحرش أو الانتهاك الجسدي إلى صعوبة تكوين علاقة حميمة عاطفية أو جنسية عند بلوغهم.

قد يدخل في هذا الإطار أيضًا التعرُّض للإساءة اللفظية، فقد ينمو الأطفال الذين يتعرضون للإيذاء العاطفي وهم يخشون إلى حد الذعر التعرُّض للسخرية أو الإساءة اللفظية إذا شاركوا أي شيء مع الآخرين؛ مما قد يجعلهم يرفضون حتى تشارك أفكارهم أو مشاعرهم مع شخص آخر.

لكن.. ما آثار الخوف من العلاقة الحميمة؟

بالطبع يؤثر الخوف من العلاقة الحميمة سلبًا في حياتك من جوانب مُختلفة، خاصة الجانب العاطفي منها، فالحواجز التي تضعها أو هربك يجعل الشريك يستنتج بعض الرسائل التي تحمل معنى سلبيًّا، مثل أنك لا ترغب في وجوده، أو أنك لا تملك مشاعر تجاهه.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى الأثر مع الشريك، هناك تأثيرات أخرى ناتجة من الخوف من العلاقة الحميمة والتي تشمل:

  • العزلة الاجتماعية ورفض التعامل مع الآخرين، الذي قد يكون ناتجًا من الخوف من الرفض.
  • العلاقات العاطفية والاجتماعية الكثيرة والقصيرة الأمد، فكما سبق الذكر، الشخص الذي يُعاني من هذا الخوف يهرب قبل أن يُهجر، وهو ما يجعله مُخربًا لعلاقاتة العاطفية والاجتماعية بشكل دائم ومُتكرر.
  • تزيد لدى الأشخاص الذين يُعانون من هذا الخوف احتمالية خطر الإصابة بالاكتئاب، ورُبما قد يصل الأمر إلى تعاطي المواد المُخدرة.

وكيف نتعامل مع هذا الاضطراب؟

هناك عدَّة طرق للتعامل الفعَّال مع الخوف من العلاقة الحميمة منها:

1- الحصول على استشارة مهنية مُتخصصة: حان وقت زيارة الطبيب

للتعامل الفعَّال مع الخوف من العلاقة الحميمة غالبًا ما يكون الحصول على استشارة مهنية مُتخصصة أمرًا مهمًّا، خاصةً إذا كان لهذا الخوف جذور مُعقدة من الماضي. يمكن أن يساعدك مُعالجك في كشف وإعادة إدراك الأحداث الماضية التي تؤثر فيك، وإعادة ترجمة المواقف بحيث تستطيع التعامل معها بفعَّالية، كما قد يُصمم لك بعض الخطوات والطرق السهلة للتغلب على مخاوفك تدريجيًّا.

2- تقبل أن هناك أشياء ليست بأيدينا: شهادات الضمان لا تسري مدى الحياة

إذا كُنت تهرب من علاقاتك لأنك تخشى الهجر أو الفقدان، فمن المهم أن تعرف هنا أنه لا يوجد أي ضمانات في الحياة أو في العلاقات الإنسانية.

كل علاقة مع شخص آخر في النهاية هي مُقامرة نهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات، لا يعني هذا فقدان الثقة بالآخرين، لكنه يعني فقط فهم طبيعة الحياة، وفهم أن الطرف الآخر قد يتغير، أو أن ظروف الحياة ذاتها قد تتغير ويُصبح لا مفر من الرحيل.

علاقات

منذ شهرين
أسوأ من الـ«فريندزون»! دليلك الشامل للتعامل مع علاقات «فتات الخبز»

3- قدِّر نفسك: قيمتك ليست مستمدة من الآخرين

أتريد أن تعرف متى يكون الرفض ساحقًا ومُرعبًا؟ عندما تكون غير مُقدِّر لذاتك، عندما تستمد قيمتك فقط من الآخرين، حينها يُصبح رفض شخص ما لك أكثر قسوة عليك بكثير بشكل لا يتناسب مع حقيقة الأمر.

فعندما يرفضك شخص ما، فالسبب عنده في النهاية، قد يكون رافضًا لك لأنك تُشبه شخصًا ما آلمه في الماضي! وهذا لا ذنب لك فيه، لذا عندما تعرف جيدًا قيمة نفسك، تستطيع أن تضع الرفض في حجمه الطبيعي، ولا تسمح له بأن يكون مُدمرًا لك.

4. امنح نفسك الوقت الكافي: لماذا أهرب؟

عادة لا يحدث التغلب على مخاوفنا بشكل سريع، خاصةً إذا كانت هذه المخاوف مُتجذرة في الماضي بأحداث وتراكمات تحتاج إلى كشفها وإعادة إدراكها.

اسمح لنفسك بأخذ الوقت الكافي لإعادة استكشاف مشاعرك ورغباتك وأهدافك، إذا كنت ترغب في علاقة طويلة الأمد اسأل نفسك عن سبب هربك من الآخرين، استمع إلى صوتك الداخلي، واحصل على إجابة حقيقية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد