كتب المدير السابق للموساد الإسرائيلي بين عامي 1988 و1996 «شبتاي شافيت» مقالاً لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، هذا نصه:

منذ صعود الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، تشتد قوة التركيبة السكانية والجغرافية للأمة اليهودية يومًا بعد يوم، رغم الصراع الدائر مع الفلسطينيين. لقد نجحنا في فعل ذلك لأننا تصرفنا بحكمة وحُسن تدبير بدلًا من الانخراط في محاولة حمقاء لإقناع أعدائنا بأننا على حق.

اليوم، وللمرة الأولى منذ بدأت أعقل الأمور من حولي، بدأت في القلق على مستقبل المشروع الصهيوني. أشعر بالقلق بسبب التهديدات التي تُحدق بنا من كل جانب، وكذلك بسبب العمى السياسي والشلل الاستراتيجي الذي أصاب حكومتنا. رغم أن دولة إسرائيل تعتمد في وجودها على الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن العلاقة بين البلدين وصلت إلى أزمة غير مسبوقة. والعلاقات مع الأوروبيين ليست أفضل حالًا؛ فقد أصاب أوروبا، التي تمثل أكبر أسواق المنتجات الإسرائيلية، اليأس منا؛ واقتربت من فرض عقوبات اقتصادية علينا. وإذا تحدثنا عن الصين، فنحن نبيع لهم ثرواتنا الوطنية في مقابل المال لأنهم يعدون إسرائيل مشروعًا تكنولوجيًا واعدًا. روسيا تغير موقفها تجاهنا شيئًا فشيئًا؛ تتحرك ضدنا، وتدعم وتساعد أعداءنا.

وصلت كراهية إسرائيل وعداء السامية إلى مستويات غير مسبوقة منذ فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. لقد فشلت دبلوماسيتنا وعلاقاتنا الخارجية فشلاً ذريعًا، بينما أحرزت دبلوماسية أعدائنا وعلاقاتهم الخارجية انتصارات مهمة في العالم. تمثل الجامعات في الغرب حاضنةً للقادة الذين سيمسكون بدفة السياسة في بلادهم في المستقبل، خاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية. لكننا نخسر تأييد إسرائيل في الأوساط الأكاديمية. ويبتعد المزيد من الطلبة اليهود كل يوم عن إسرائيل. لقد نمت حركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)» المعادية لإسرائيل في كافة أنحاء العالم؛ وتعمل الحركة على نزع الشرعية عن إسرائيل؛ وقد انضم إليها عدد غير قليل من الطلبة اليهود.

في عصر الحروب غير المتكافئة هذا، لا تستخدم إسرائيل كل ما لديها من قوة؛ وهذا سيكون له أبلغ الأثر في الحد من قوتنا الرادعة. إن مركزية الجدل حول أسعار الوجبات الخفيفة في إسرائيل على حساب القضايا القومية يبرهن على تناقص فكرة التضامن التي تمثل شرطًا ضروريًا لوجودنا هنا. إن الإسرائيلين يتسابقون للحصول على جوازات سفر أجنبية؛ مما يدق أجراس الخطر التي تُنذر بأن إحساس الإسرائيليين بالأمن قد بدأ في التصدع.

أنا قلقٌ للمرة الأولى؛ فأنا أرى قدرًا مبالغًا فيه من التكبر والغطرسة بين الإسرائيليين، بالإضافة إلى تفكير سائد يعتمد على فكرة «الخلاص» التي تدفعنا إلى تحويل الصراع إلى حرب دينية مقدسة. إذا كان هذا الصراع، حتى الآن، مجرد نزاع سياسي محلي بين الإسرائيليين والفلسطينيين على قطعة محددة من الأرض؛ فإن الحركة الصهيونية وقادتها الدينيين يفعلون كل ما بوسعهم بحماقة شديدة لتحويلها إلى حرب دينية فظيعة يقف فيها المسلمون من كل أنحاء العالم ضدنا.

ألاحظ أيضًا أن الانفصال عن الواقع والعجز عن إدراك الإجراءات الدولية وأهميتها بالنسبة إلينا سيقود الجناح اليميني في إسرائيل- بكل العمى والغباء الذي أصابه – إلى تحقيق وصف العهد القديم لأمة إسرائيل بأنها «الأمة التي ستسكن وحيدةً، مستضعفةً بين الأمم».

أنا قلقٌ لأنني أرى التاريخ يكرر نفسه. إن إسرائيل منساقة إلى فجوة زمنية تعيدها إلى عصر القائد اليهودي «بار كوشبا» وحربه ضد الإمبراطورية الرومانية، التي كانت نتيجتها عدة قرون عاشتها الأمة اليهودية على أرض إسرائيل، لكن تبعها 2000 عام من الشتات.

أنا قلقٌ لأنني أرى أن النفي يمثل تهديدًا بالنسبة إلى القطاع العلماني فقط في إسرائيل. إنه القطاع الذي يدرك إن الشتات سيكون تدميرًا كاملاً للشعب اليهودي. لكن قطاع المتدينين الحريديم يعيش في إسرائيل فقط لأنه وجد نفسه هنا. إن إسرائيل بالنسبة إليهم مثلها مثل أي ولاية أمريكية. إذا شُردنا من إسرائيل فسيعيشون في الشتات منتظرين نزول المسيح من السماء.

وفي المقابل، تؤمن الحركة الصهيونية الدينية إن اليهود هم شعب الله المختار. تُقدس هذه الحركة الأرض أكثر من أي شيء آخر؛ وهي مستعدة للتضحية بكل شيء. إذا دُمرت إسرائيل فسيفسرون هذا بتفسيرات دينية تقول إن الفشل كان بسبب ذنوبنا التي ارتكبناها في حق الله. سيقولون إنها ليست النهاية: سنعيش في المنفى؛ وسنحافظ على اليهودية وننتظر حتى تحين الفرصة مرة أخرى.

أتذكر في هذا الوقت مناحم بيجن، أحد الآباء المؤسسين لرؤية «إسرائيل الكبرى». لقد قاتل في حياته لتحقيق هذا الحلم. وحين انفتح الباب للسلام مع مصر، أهم وأخطر أعدائنا، تخلَّى عن سيناء التي تمثل ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل داخل الخط الأخضر في سبيل السلام. وبعبارة أخرى، لقد أدرك أن بعض الأمور أهم من الأرض. السلام أهم من الأرض؛ فهو روح الديمقراطية الحقيقية.

أنا قلقٌ لأني قطاعات واسعة من الإسرائيليين قد نسوا أو تجاهلوا أن المشروع الصهيوني الأصلي هو: إقامة دولة يهودية ديمقراطية للشعب اليهودي في أرض إسرائيل. لم تكن الحدود قد وُضعت حينها؛ وسياستنا المتحدية الحالية تعمل ضد المشروع الصهيوني.

ماذا باستطاعتنا أن نفعل؟ يجب أن نطوِّر سياسة توقف التدهور الحالي، وتعكس الواقع الذي نعيشه بأسرع وقت ممكن. أنا أقترح أن نتبنى سياسة تعتمد على مبادرة السلام التي أطلقتها الجامعة العربية في عام 2002 بقيادة المملكة العربية السعودية. يجب أن تقرر الحكومة أن المبادرة العربية ستكون هي أساس المباحثات مع الدول العربية المعتدلة، التي تقودها السعودية ومصر.

يجب أن تقوم الحكومة بثلاثة أمور:

1) تحدد خطة تفاوضية لنفسها، مع تحديد موقفها من كل بند من بنود مبادرة الجامعة العربية.

2) فتح قناة اتصال سرية مع الولايات المتحدة الأمريكية لتقييم الفكرة، والتوافق المسبق على الخطط الحمراء التي تحدد مساهمة الولايات المتحدة في هذه العملية.

3) فتح قناة اتصال سرية بين إسرائيل وأمريكا من جانب، والسعودية من الجانب الآخر للوصول إلى اتفاقات مسبقة بشأن الموضوعات التي ستُطرح خلال المباحثات.

وحين تتم العمليات السرية، تعلن إسرائيل أنها مستعدة لبدء المفاوضات على أساس مبادرة الجامعة العربية.

لا يساورني الشك في أن الولايات المتحدة والسعودية ستقبلان بهذه المبادرة الإسرائيلية، كلٌ لأسبابه الخاصة. لديَّ انتقادات شديدة بشأن اتفاقية أوسلو، لكن لا يمكن لأحد أن يُنكر أن البلاد العربية كلها تقريبًا قد بدأت في الحوار معنا بمجرد توقيع الاتفاقية؛ وفتحت أبوابها لنا؛ وانخرطت معنا في مساعٍ مشتركة غير مسبوقة في الاقتصاد ومجالات أخرى.

لست ساذجًا لأفكر أن هذه العملية ستحقق السلام المنشود. لكني على يقين بأن خطوة من هذا النوع، مهما كانت مرهقة، ستحقق الثقة المتبادلة في البداية، ثم سيمكنها بعد ذلك تحقيق اتفاقيات أمنية يكون الجميع مستعدون لتبنيها. وإذا قمنا ببناء الثقة، فسيكون من الممكن الحديث عن حل نهائي وشامل للصراع تحت رعاية سعودية أمريكية.

إن خطوة من هذا النوع تتطلَّب وجود قيادة شجاعة، وهو ما لا أستطيع رؤيته الآن في إسرائيل. لكن إذا حاول رئيس الوزراء التفكير في الأخطار التي تهددنا، وحماقة السياسات الحالية، وحقيقة أن واضعي هذه السياسات ينتمون إلى اليمين المتطرف والحركة الدينية الصهيونية، وإذا فكَّر قليلًا في التأثير المدمر لهذه السياسات على المشروع الصهيوني بالكامل، فربما سيجد الشجاعة اللازمة لاتخاذ مثل هذه الخطوة.

لقد كتبت هذه الكلمات لأني أشعر بأني مدينٌ لوالديَّ، اللذين كرَّسا حياتهما لانتصار الصهيونية؛ وبأني مدين لأبنائي وأحفادي، ولأمة إسرائيل التي خدمتها لعقودٍ طويلة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد