كثيرًا ما نقرأ في عناوين الصحف ونشرات الأخبار عن «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، وهو النظام الذي يشبه البنك المركزي في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهو الذي يمتلك سيطرة مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، وغير مباشرة على اقتصادات دول العالم، نظرًا إلى الأدوات المتاحة لديه، والتي تتحكم في رفع أسعار الفائدة وتوجيه السياسة النقدية، وهو أمر قد يبدو بعيدًا عنا من الوهلة الأولى، لكن إن دققت النظر، تجده يتحكم في اقتصاد منزلك ومستوى المعيشة الخاصة بك، ويؤثر في معدلات التضخم التي بدورها توجه أسعار السلع. فما الذي تعرفه عن «الاحتياطي الفيدرالي» وتأثيراته فينا؟ هذا ما نتناوله بالبحث في السطور التالية.

من هنا تنبع أهمية «النظام الاحتياطي الفيدرالي»

نشرت «وول ستريت جورنال» في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، تقريرًا عن التغييرات التي قد يجريها «الرئيس المنتخب» للولايات المتحدة الأمريكية جو بايدن، على النظام الاحتياطي الفيدرالي فور توليه الرئاسة. كان من ضمن تلك الاحتمالات ما إذا كان سيعرض على الرئيس الحالي للمجلس، جيروم باول، فترة ولاية ثانية، أم يختار خلفًا له لتوجيه سياسات البنك المركزي، بشأن أسعار الفائدة والائتمان والتنظيم المالي.

يشير التقرير إلى أن ولاية السيد جيروم باول للمجلس الاحتياطي الفيدرالي، من المرجح أن تستمر حتى فبراير (شباط) 2022، كما كان مقررًا له، ومن المرجح – بحسبهم – أن يتمتع باول بعلاقة متحضرة وأقل عدائية مع بايدن حتى نهاية ولايته، على عكس العلاقة المتوترة التي جمعته مع الرئيس الحالي دونالد ترامب، والذي ألقى باللوم على المجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن سياسات الأسعار.

انضم جيروم باول إلى مجلس المحافظين عام 2012، أثناء ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وقد كان جو بايدن حينذاك نائبًا للرئيس. وفي عام 2018، قام الرئيس دونالد ترامب بترقية باول رئيسًا لمجلس المحافظين، في ولاية من المقرر أن تستمر مدة أربع سنوات. 

يلعب مجلس الشيوخ دورًا مهمًّا أيضًا في إقرار تعيينات الرئيس الأمريكي بالمجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ ويشير التقرير إلى أن استمرار الأغلبية بالكونجرس الأمريكي للجمهوريين قد يعني تأخير إقرار اختيارات الرئيس المنتخب، أو الرفض.

يعد «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» مثل البنك المركزي للولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ يشرف على أكبر البنوك في البلاد، ويعزز استقرار النظام المالي فيها. كما يعد هيكلًا مستقلًّا عن التأثيرات السياسية، ومن هنا تنبع أهميته، فهو الممثل الأكبر للولايات المتحدة واقتصادها. من أجل فهمٍ أشمل لكيفية عمل «الاحتياطي الفيدرالي»، يجب أن تتعرف أولًا إلى هيكله الإداري الذي يوجه «السياسة النقدية» ويحدد متطلبات الاحتياطي للبنوك الأعضاء. 

مجلس المحافظين

تأسس «النظام الاحتياطي الفيدرالي» عام 1913، من قبل الكونجرس الأمريكي، وذلك بهدف تزويد الأمة بنظام نقدي ومالي أكثر أمانًا ومرونة واستقرارًا، ويباشر المجلس ثلاث وظائف أساسية، هي: «توجيه السياسة النقدية، والرقابة المصرفية، وتوفير الخدمات المالية». 

يتكون النظام الاحتياطي الفيدرالي من «مجلس المحافظين»، والمعروف حاليًا بـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، ويتألف من سبعة أعضاء يعيِّنهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ويقر بتعيينهم أعضاء «مجلس الشيوخ». يخدم المحافظون مدة 14 عامًا بشروط متداخلة لضمان استقرار «النظام المالي» والاستمرارية. يرأس المجلس رئيس ونائب رئيس مدة أربع سنوات ويمكن إعادة تعيينهم وفقًا لقيود معينة.

استقلال البنك الاحتياطي الفيدرالي أمر بالغ الأهمية؛ وقد أنشأ الكونجرس هيكل مجلس الإدارة لضمان استقلاله السياسي الذي يمكنه من التركيز على الأهداف الاقتصادية طويلة الأمد، واتخاذ القرارات بناءً على المؤشرات الاقتصادية دون تدخل أية عوامل خارجية.

Embed from Getty Images

(مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن)

يوجه أعضاء المجلس نظام الاحتياطي الفيدرالي بأكمله، ومن بين مسؤولياتهم توجيه السياسة النقدية وتحليل الظروف الاقتصادية والمالية سواء المحلية أو الدولية، كما يرأس المجلس اللجان التي تدرس مختلف القضايا، مثل قوانين التجارة الإلكترونية والخدمات المصرفية للأفراد. يمارس المجلس أيضًا رقابة إشرافية واسعة النطاق على الخدمات المالية وأعمال البنوك، ويقر تعيين رؤسائها وأعضاء مجالس إدارتها، كما يشرف على نظام المدفوعات في الدولة، هذا إلى جانب تحديد متطلبات الاحتياطي المالي للمؤسسات وإدارة لوائح حماية المستهلك.

يعمل المجلس بالتعاون مع البنوك الاحتياطية الفيدرالية الإقليمية، وعددهم 12، وتتمثل أهم مسؤولياته في المشاركة بـ«اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC)» التي تجتمع ثماني مرات في السنة؛ إذ يشكل المحافظون السبعة أغلبية الأصوات في اللجنة الفيدرالية، أما الأصوات الخمس الأخرى تأتي من رؤساء البنوك الاحتياطية، وهم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأربعة من رؤساء البنوك الإقليمية البالغ عددهم 11 عضوًا.

يقدم رئيس المجلس تقاريره مرتين في العام إلى «الكونجرس الأمريكي» حول أهداف السياسة النقدية للنظام الاحتياطي الفيدرالي، ويجتمع دوريًّا مع وزير الخزانة الأمريكي. أما أعضاء مجلس الإدارة يصبحون على اتصال منتظم بالمنظمات الحكومية الأخرى.

البنوك الاحتياطية الفيدرالية

تمثل «البنوك الاحتياطية الفيدرالية» الأذرع العاملة للبنك المركزي، وهي شبكة تتكون من 12 بنكًا فيدراليًّا احتياطيًّا ولها 24 فرعًا يخدم كلٌّ منهم منطقة مختلفة من البلاد، ويخضعون جميعًا لإشراف مجلس المحافظين. أما عن مهمتهم الأساسية، فهي خدمة البنوك الأمريكية، وتقديم خدمات «غير مباشرة» للجمهور.

يطلق على البنك الاحتياطي غالبًا اسم «البنك المصرفي»، وتشمل مهامه تخزين العملات ومعالجة الشيكات والمدفوعات الإلكترونية وإدارة النقد وأنشطة الاستثمار، كما تشرف البنوك الاحتياطية على عمل البنوك التجارية في المناطق الخاصة بها، هذا إلى جانب إجراء الأبحاث حول القضايا الاقتصادية المختلفة على المستوى الإقليمي والدولي، وهي الأبحاث التي تلعب دورًا حاسمًا في توجيه السياسة الوطنية.

البنوك الأعضاء

ما يقرب من 38% من البنوك الأمريكية التجارية البالغ عددهم 8039، هم أعضاء داخل النظام الاحتياطي الفيدرالي، وتشمل تلك النسبة البنوك الوطنية وبعض البنوك المستأجرة من قبل الدولة في حالة استيفاء شروط العضوية. ويعد البنوك الأعضاء من المساهمين في البنك الاحتياطي التابع لنطاق عملهم الجغرافي، وعليهم الاحتفاظ بنسبة 3% من رأس مالهم بوصفها مخزونًا في البنوك الاحتياطية التابعين لها، ويتلقون أرباحًا عن ذلك، إلا أنهم في الوقتِ ذاته لا يستطيعون بيع أو تداول أسهم الاحتياطي الفيدرالي.

أربع وظائف يؤديها «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»

في سبتمبر (أيلول) 2020، تعهد المجلس الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على سعر الفائدة أقرب إلى صفر، وذلك حتى عام 2023 في محاولة لمساعدة الاقتصاد الأمريكي على التعافي من آثار جائحة «فيروس كورونا»، ومن أجل فهم أعمق لطريقة عمل هذه المؤسسة التي تسيِّر الاقتصاد الأمريكي يجب أن نلقي نظرة أشمل على وظائفها وطريقة عملها.

تعد الوظيفة الأكثر أهمية بالمجلس هي السيطرة على مستوى التضخم وإدارته، إذ يحدد معدل التضخم الأساسي بحيث لا يزيد على 2%، هذا باستثناء المعدل الأساسي لأسعار السلع المتغيرة، مثل البنزين والمواد الغذائية. كما يتابع الاحتياطي الفيدرالي عن كثب معدلات البطالة وتوفير الحد الأقصى من فرص العمل، هذا إلى جانب الإبقاء على التوازن في أسعار الفائدة، والإشراف على البنوك التجارية وتنظيمها لحماية المستهلكين.

أهمها توجيه «السياسة النقدية»

إبان تفشي الجائحة العالمية للمتلازمة التنفسية «كوفيد-19» اتخذ الاحتياطي الفيدرالي عدة إجراءات للحد من آثار كورونا في النظام الاقتصادي العالمي، وذلك عن طريق خفض أسعار الفائدة بصورةٍ طارئة إلى الصفر، من أجل توفير سيولة لا تقل عن 700 مليار دولار أمريكي؛ إذ تعمل «السياسة النقدية» للمجلس عن طريق رفع أو تخفيض قيمة الائتمان للأسر أو الشركات، عن طريق أداة «سعر الفائدة» على الأموال الفيدرالية.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«اقترض بفائدة تساوي صفر».. هل اقتصاد بلا «ربا» يعني اقتصادًا ناجحًا؟

في الأزمة المالية العالمية عام 2008، على سبيل المثال، اتخذ الاحتياطي الفيدرالي عدة إجراءات احترازية لمواجهة الأزمة، عن طريق خفض أسعار الفائدة إلى الصفر، فيما يعرف بـ«الفائدة الصفرية»، وهنا واجه المجلس ضعف السيولة من خلال أدوات إدارة الأزمات وتعديل عمليات «السوق المفتوحة»، لتوفير أموال الائتمان والسيولة للأفراد والشركات.

(توجيه السياسة النقدية)

تتمثل مهام المجلس أيضًا في المحافظة على استقرار الأسواق المالية والحد من الأزمات المحتملة التي قد تواجه النظام الاقتصادي؛ بالإضافة إلى تقديم الخدمات المصرفية للحكومة الأمريكية والبنوك المحلية والأجنبية، ويمتلك المجلس عدة أدوات تمكنه من تحديد معدل الأموال الفيدرالية وتوجيه أسعار الفائدة المتداولة في أنحاء العالم لتنفيذ «السياسة النقدية»، وتعد معرفة معدل الأموال الفيدرالية أمرًا مهمًّا لأنه يمثل معيارًا للأسواق المالية.

عندما يخفض الاحتياطي الفيدرالي «أسعار الفائدة» يعني أنه يستخدم سياسة نقدية توسعية، تحفز الأعمال التجارية وتتيح الاقتراض بفائدة أقل؛ وذلك من أجل تقليل البطالة والتشجيع على العمل. على العكس من رفع أسعار الفائدة، والذي يعني استخدام سياسة نقدية انكماشية تجعل الاقتراض باهظ الثمن، وتعمل على إبطاء النمو.

أما عن «عمليات السوق المفتوحة»، تستخدم لشراء وبيع الأوراق المالية للبنوك الأعضاء، وهو ما يضيف إلى أموال الاحتياط التي يمكن للبنوك إقراضها، لكنه يؤدي في النهاية إلى خفض معدل الأموال الفيدرالية، وهي من أدوات إدارة الأزمات لدعم النظام المالي والمحافظة على استقراره، وهو ما لن يؤثر فقط في الاقتصاد الأمريكي، بل في اقتصاديات الدول الأخرى في مختلف أنحاء العالم.

هل تؤثر قرارات الاحتياطي الفيدرالي فينا؟

عندما أنشئ «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» بأمر من الرئيس الأمريكي حينذاك، وودرو ويلسون، كان هناك حالة من الذعر والسخط ناتجة من الإفلاس المستمر للبنوك والشركات، حينها أقر الكونجرس قانون الاحتياطي الفيدرالي عام 1913، للعمل على استقرار النظام المالي، والإشراف على بنوك الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة أكثر فاعلية، ونتيجة لذلك سن الكونجرس عدة تشريعات لتوسيع سلطات الاحتياطي الفيدرالي وأهدافه.

الآن تمتلك البنوك التجارية الأعضاء أسهمًا في 12 بنكًا احتياطيًّا فيدراليًّا، إلا أن ذلك لا يمنحهم أية سلطة؛ لأنهم لا يستطيعون التصويت في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح (FOMC). أما مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي، تمنحهم سلطاتهم سيطرة طويلة الأجل على الاحتياطي دون تدخلهم في عملياته اليومية.

يحدد رئيس المجلس الاتجاه العام لمجلس الاحتياطي الفيدرالي واللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، وهو ما يمنحه أدوات تساعد على منع تدهور النظام الاقتصادي أو تحويل الأزمات إلى كساد عالمي، وذلك إن أجاد استخدامها، كما فعل الرئيس بن برنانكي بين عامي 2006 و2014، والذي شملت فترة ولايته أحداث الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

اقتصاد

منذ شهرين
المسؤول عن أقوى اقتصاد في العالم.. ماذا تعرف عن منصب «وزير الخزانة الأمريكية»؟

أما عن تأثير الاحتياطي الفيدرالي فينا أفرادًا، ينبع من تأثيره في الأداء الاقتصادي الناتج من استراتيجيات السوق المفتوحة وقرارات مجلس المحافظين، والتي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في صناديق الاستثمار ومعدلات القروض والأسهم والسندات، وهو ما يجعل له دورًا أساسيًّا غير مباشر في معدلات البطالة والقيمة العقارية وما يرتبط بها من معدلات التضخم، وغير ذلك من الأشياء التي تؤثر في مستوى معيشتنا والظروف المالية الخاصة بمنازلنا.

على سبيل المثال، تتأثر الهياكل الاقتصادية والاجتماعية لاقتصادات الأسواق الناشئة، بما في ذلك الاقتصادات الهشة، والتي تعاني من الركود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ تعمل القرارات الخاصة بزيادة سعر الفائدة على تدفق الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، والتي تعرف بـ«السوق السوداء» ويكون لها تأثيراتٍ عميقة في الاقتصاد لفترات طويلة الأجل.

كما يعمل رفع أسعار الفائدة بـ«البنك الاحتياطي الفيدرالي» على زيادة فائدة الاقتراض لحكومات الشرق الأوسط؛ نظرًا إلى رفع معدلات الاقتراض العالمية، مما ينتج منه مشروعات استثمارية أكثر تكلفة، ويؤدي في بعض الحالات إلى ضعف قيمة العملة. نتيجة ذلك عادةً ما يعقب هذه القرارات ارتفاع معدلات التضخم وتأخر الاستثمارات، مما ينتج منه ضعف تدفق رؤوس الأموال في أسواق الشرق الأوسط، إلى جانب «دولرة» الديون – أي تكون محررة بالدولار- وهو ما يعني ضعف اقتصادات ضعيفة بالفعل.

عادةً ما يقترن ذلك أيضًا، بانخفاض أسعار النفط، والذي يتبعه عجز في ميزانية القطاع العام، وضعف القطاع المصرفي للدول. يدل على ذلك التحركات المصرفية لجمهورية مصر العربية قبيل قرار رفع فائدة الاحتياطي الفيدرالي 2016؛ إذ اتخذ محافظ البنك المركزي، طارق عامر، عدة إجراءات من أجل تزويد البنوك المصرية بالسيولة الدولارية اللازمة، تحسبًا لنقص العملات الأجنبية في الأسواق المصرية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد