في 17 مارس  (آذار) الجاري، أعلنت جماعات كُردية، تأسيس نظام حكمٍ فيدراليٍ في مناطق سيطرتهم شمالي سوريا، وهو ما لاقى رفضًا واسعًا من مختلف أطراف الصراع في سوريا داخليًا ودوليًا،بما في ذلك روسيا، التي لا ترى مانعًا من أن تتحول هي إلى دولةٍ فيدرالية!

كيف نشأت الفيدرالية المزعومة؟

يوم الأربعاء، 16 مارس (آذار) 2016، وفي الوقت الذي تستمر فيه محادثات جنيف بسويسرا، في ظل غياب أحد أبرز الأحزاب الكُردية (الاتحاد الديموقراطي)، بدأ مؤتمر في الرميلان بالحسكة شمالي سوريا، شارك فيه  200 شخصية،ممثلين عن30 حزبًاأغلبها أحزاب كُردية، مع بعض الأحزاب العربية والآشورية والتركمانية والسريانية والشيشانية. وكان هدف المؤتمر مُناقشة مسودة ما أسموها «وثيقة النظام الاتحادي الديمقراطي في شمال سوريا»، ومن المفترض أنها الوثيقة التي سيُبنى على أساسها شكل نظام الإدارة فيما وصفوها بفيدرالية «روج آفا»، أي شمال سوريا.

وتشمل الفيدرالية الكُردية المزعومة، ثلاث مناطق أساسية بالقرب من حلب، وهي: عين العرب(كوباني)، في ريف حلب الشمالي، وعفرين، في ريف حلب الغربي، والجزيرة، في الحسكة، بالإضافة إلى مناطق سيطرت عليها وحدات حماية الشعب الكُردية، من خلال قوات «سوريا الديموقراطية»، ذات الأغلبية الكُردية، في كلٍّ من  محافظتي الحسكة وحلب، في الفترة الأخيرة، على حساب المعارضة السورية، بمساعدة القصف الجوي الروسي.

ووقع اختيار المشاركين في المؤتمر المحلي، على شخصيتين؛ ليعملا رئيسين مُشتركين للمجلس التأسيسي للفيدرالية، كان من بينهما امرأة تُدعى هدية يوسف وآخر يُدعى منصور سلوم.

ردود الفعل الداخلية: إجماع على الرفض

في واقعة نادرًا ما تحدث،اتفق النظام السوري ومعارضيه على رفض تحرك الأكراد الأخير، لأسباب تبدو مُتقاربة. وكان رياض حجّاب، مُنسق الهيئة العليا للمفاوضات، المُنبثقة عن المُعارضة السورية، قد أعلن رفضه التام للخطوة الكُردية. الائتلاف السوري المُعارض كذلك أعرب عن رفضه خُطوة الأكراد، وذلك في بيان له، شدد فيه على أنّ «تحديد شكل الدولة السورية، سواءً أكانت مركزية أو فدرالية، ليس من اختصاص فصيل بمفرده».

أمّا بالنسبة للنظام السوري، فقد وصف دولة الأكراد المزعومة بأنّها «ليس لها قيمة»، فيما قال وزير خارجية النظام، وليد المعلم، إن «دمشق ترفض الحوار بشأن الفيدرالية.إن السلطة ضد أي محاولة لتقسيم البلاد ووحدة أراضيها».

ماذا عن ردود الفعل الدولية؟

«كنا واضحين جدًا في أننا لن نعترف بمناطق حكمٍ ذاتي في سوريا»، هكذا أكدت الخارجية الأمريكية، على لسان متحدثها الرسمي، الذي أضاف قائلًا: إنّ «هذا أمر ينبغي أن يُناقش ويُوافق عليه من قبل جميع الأطراف المعنية في جنيف، ثم من الشعب السوري نفسه».

تُركيا أيضًا رفضت الخُطوة الكُردية، وبشكل استباقي قبل الإعلان عنها رسميًا، إذ قال مسئول بوزارة الخارجية التركية، لرويترز، في 16 مارس (آذار) الجاري، إنّ «تركيا تدعم وحدة سوريا، وأي خطوات منفردة من جانب واحد باطلة»، مضيفًا أن «شكل الحكومة والهيكل الإداري في سوريا، سيقرره الشعب السوري، في دستوره الجديد».

اللافت كان الموقف الروسي الرافض للخطوة الكردية هو الآخر. فقد جاء على لسان مسئولين في وزارة الخارجية الروسية: أنّه «لا يحق للأكراد أن يُقرروا بصورة أحادية، مسائل فدرلة سوريا، لا سيّما خارج مُفاوضات جنيف». وأضاف المسئولون في تصريحاتهم التي نقلتها روسيا اليوم، أنّه «يجب على السوريين أنفسهم، أن يقرروا نظام الحكم المستقبلي لبلادهم، ويجب عليهم جميعا أن يشاركوا في إعداد مشروع دستور جديد للبلاد».

مُعطيات ساعدت الأكراد على إنشاء فيدراليتهم

الحكم الذاتي حُلمٌ يُراود الأكراد منذ زمن. ومُؤخرًا بدا أن الجانب الروسي، أحد أكبر المُحرضين على تنفيذ الحُلم، عبر المساعدات السياسية والعسكرية والدبلوماسية، المُوجهة للأكراد، وبخاصة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وجناحه المُسلح، وحدات حماية الشعب الكردية.

ودائمًا ما كانت موسكو تُطالب بتمثيل الاتحاد الديمقراطي في محادثات جنيف، وهو ما ترفضه المُعارضة السورية وتركيا. كذلك فإن روسيا أوّل من افتتح ممثلية للأكراد السوريين في موسكو، في فبراير (شباط) الماضي، بُغية «تعزيز العلاقات بين الشعب الكُردي وروسيا»، وهو ما وصفه الجانب الكُردي بـ«الحدث التاريخي»،وعدّه «خطوة أولى على طريق افتتاح ممثليات لأكراد سوريا في فرنسا وألمانيا والسويد والولايات المتحدة ودول أخرى».

عسكريًا، حققت وحدات الشعب الكردية، انتصارات ملحوظة شمالي سوريا حيث حلب، وذلك على حساب المُعارضة السورية، بمساعدة الغارات الروسية الجوية على مواقع المُعارضة، ما أفقد المعارضة السيطرة على طرق الإمداد بينها وبين تركيا.

ويُعتبر أحد أهم الجوانب في العلاقات الكُردية الروسية، هو أن روسيا أول من طرحت تحوّل سوريا إلى نظام الحكم الفيدرالي، وقد يكون هذا الطرح أحد أكبر الأسباب لخطوة إنشاء فيدرالية كُردية في شمال سوريا.

ومع الدعم الروسي للأكراد، تجد أمريكا في وحدات حماية الشعب الكُردية صديقها المُفضل في سوريا، وقد ساعدتهم عبر الجو في 2014م، لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في كوباني. هذا ولا يزال التعاون الأمني بين أمريكا والوحدات الكُردية مُستمرًا،ولا تُصنِّف الولايات المُتحدة حزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي، مُنظمة «إرهابية»، على عكس تُركيا التي تُصنفه «مُنظمة إرهابية»، وتعتبره تابع لحزب العمال الكُردستاني،والذي يقود تمردًا ضد تُركيا مُنذ أربعة عقود، وتصنفه أنقرة وواشنطن على أنه مُنظمة إرهابية.

وربما يكون التماهي الأمريكي مع الوحدات الكُردية، والتصريح الأمريكي السابق، بصعوبة بقاء سوريا موحدة إذا لم تتوقف الحرب قريبًا- أحد أسباب التحرك الكُردي الأخير.

إذًا ساعدت الولايات المتحدة، الأكراد في السيطرة على كوباني في 2014م على حساب «تنظيم الدولة» في 2014م، وساعدت روسيا مؤخرًا الوحدات الكُردية في السيطرة على أجزاء من حلب على حساب المُعارضة، مع تجاهل أمريكي وغضب تُركي يصعب أن يجد صداه دوليًا مع تقارب موقفي واشنطن وموسكو –الطرفين الدوليين الأكبر في الصراع السوري- تجاه الأكراد!

ويصعب تحديد تبعات التصرف الكُردي الأحادي الخاص بإعلانها دولة فيدرالية في سوريا، على طبيعة العلاقات الكُردية مع أمريكا وروسيا، بعد رفض جميع الأطراف له، في انتظار ما تُخبئه لنا الأيام.

اقرأ أيضًا:

الأكراد: كلمة السر في تغيّر خارطة التحالفات الإقليمية

عرض التعليقات
تحميل المزيد