يميل الإنسان إلى الاعتقاد بمسلمات معينة عن المشاعر والعواطف، مثل أنها ثابتة لا تتغير، ومثل أنها عالمية تنطبق جميعها على كل البشر. لكن في الحقيقة، فإن هذه المسلمات ليست صحيحة على الإطلاق.

ليس هذا فحسب، بل حتى الكلمات التي تحدد العواطف أو تعبر عنها، تختلف من بلد إلى آخر. فكر على سبيل المثال في كلمة «schadenfreude»، والتي لا توجد إلا باللغة الألمانية، وتصف التمتع غير المشروع بثروة شخص آخر سيئ. أضف إلى هذا أن هناك عواطف جديدة تظهر في كل وقت، وبالتالي فهي ليست ثابتة.

حتى أن مصطلح «تغيير المشاعر»، الذي نستخدمه كثيرًا اليوم للتعبير عما يحدث لمشاعرنا، يعكس أيضًا مدى الديناميكية أو الحركية التي يمكن أن تكون عليها المشاعر. وكما أن هناك عواطف أو مشاعر جديدة يمكن أن تظهر، فإن هذا يعني أن هناك بعض المشاعر التي يمكن أن تموت وتنقرض أيضًا.

هذه بعض النماذج لمشاعر ظهرت في أوقات معينة من التاريخ، لكنها اندثرت وانقرضت مع مرور الوقت ولم يعد يشعر بها أحد بنفس الطريقة.

«الحزن Melancholy» الممزوج بالخوف والألم

هذه الكلمة هي التي نستخدمها الآن لوصف مشاعر الحزن الهادئ. لكن في الماضي، كانت الكلمة تصف نوعًا مختلفًا من الحزن. تحديدًا في الفترة المبكرة من العصر الحديث، كان يُعتقد أن «Melancholy» بمثابة ألم جسدي يرتبط غالبًا بالخوف.

هناك فيلم سيجعلك تعيش بشكل تفصيلي هذا الحالة بالفعل اسمه «Melancholia»، وهو إنتاج دنماركي عام 2011 وبطولة كريستين دانست وتشارلوت غاينسبورغ. تدور قصة الفيلم حول شقيقتين، إحداهما تستعد للزواج قبل أن يصطدم كوكب بالأرض ليفني الحياة عليه.

في هذا الفيلم تعيش البطلة حالة «Melancholy» مفاجأة رغم سعادتها البالغة بحفل زفافها، وارتبطت هذه الحالة بحديث حول اقتراب كوكب كامل من كوكب الأرض وتطمينات بأن مساره ليس تصادميًا. لكن بطلة الفيلم بدأت تدخل في حالة من الحزن والألم الجسدي والاعتقاد التام بأن الكوكب سيصطدم بالأرض.

جدير بالذكر أنه حتى القرن السادس عشر، كان يعتقد أن الصحة تتأثر بتوازن أربع خلطات معينة: الدم والبلغم ومادة الصفراء ذات اللون الأصفر، ومادة الصفراء ذات اللون الأسود. وكان يعتقد أن الحزن سينتج عندما يكون لدى الشخص الكثير من الصفراء السوداء.

كان أحد أعراض الحزن في ذلك الوقت هو الخوف. في بعض الحالات، كان الناس يشعرون بالرعب من التحرك لأنهم اعتقدوا أنهم مصنوعون من الزجاج وسوف ينكسرون. أبرز هؤلاء ربما كان الملك شارل السادس ملك فرنسا الذي خيط قضبانًا حديدية في ملابسه لحماية نفسه من التحطم غير المقصود.

«حنين النوستالجيا».. البحارة والأعراض الجسدية

ربما تكون «النوستالجيا» إحدى تلك المشاعر التي ترتبط في أذهاننا بشكل واضح بالحنين إلى الماضي. نحن نستخدم كلمة «نوستالجيا» بحرية تامة في محادثاتنا الآن، لكن عندما دخل هذا المصطلح حيز الاستخدام، فإنه كان يشير إلى شيء مختلف كليًا. في الواقع كان هذا المصطلح يشير إلى ما كان يعتقد أنه مرض. كان يشير في القرن الثامن عشر إلى مرض يصيب البحارة. كان المرض هو بعدهم عن أوطانهم، وكان مرتبطًا بالشوق إلى المنزل.

صاغ هذا المصطلح لأول مرة يوهانس هوفر، الطبيب الفرنسي خلال إحدى الأطروحات التي قدمها عام 1688. قدم هوفر مصطلح «النوستالجيا» أو «مرض الحنين إلى الوطن»، لوصفه تلك الحالة التي كانت معروفة باسم «المرض السويسري» أو «Swiss illness» أو «الحنين إلى الوطن السويسري»، بسبب تكرار الحالة وسط العمال المرتزقة السويسريين في سهول الأراضي المنخفضة في فرنسا أو إيطاليا، والذين كانوا يتجهون إلى المناظر الطبيعية الجبلية المشابهة لوطنهم بالكثير من الحنين.

أعراض هذا المرض لم تكن نفسية فقط، بل كانت الأعراض تشمل الإغماء والحمى الشديدة وعسر الهضم وآلام المعدة والموت. افترض الأطباء العسكريون أن المرض كان بسبب الأضرار التي لحقت خلايا الدماغ وطبول الأذن نتيجة الرنين المستمر لرعاة البقر في مراعي سويسرا.

وفيما يتعلق بالبحارة، فعلى عكس الحنين إلى الماضي، فإن النوستالجيا في القرن الثامن عشر كانت لها أعراض جسدية أيضًا. كان البحارة يشعرون بالتعب ويعانون من آلام غامضة وغير قادرين على العمل. وكانت الحالات الشديدة من «النوستالجيا» تؤدي إلى الوفاة أحياًنا.

الأعمال الدرامية التي تبحر في الماضي.. «نوستالجيا» أم هروب من مقص الرقيب؟

«ملل acedia».. مغادرة حياة الرهبنة

كان هذا شعورًا محددًا للغاية والذي يشعر به مجموعة معينة من الرجال في زمن العصور الوسطى. كان الشعور متعلقًا بالرهبان الذين يعيشون في الأديرة. وغالبًا ما كانت هذه المشاعر ناجمة عن أزمة روحية.

يمكن وصف هذا الشعور بأنه حالة من الضياع أو السخط، وعدم الاهتمام بمكانة الشخص أو وضعه في العالم. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى حالة من عدم القدرة على أداء واجبات الفرد في الحياة. أولئك الذين يعانون من ذلك الإحساس كانوا يشعرون باليأس والإحباط والخمول، وقبل كل شيء كانت لديهم رغبة ساحقة لمغادرة حياة الرهبنة المقدسة.

أوضح هذا بشكل كبير سارة تشاني، الخبيرة في «مركز تاريخ العواطف» في المملكة المتحدة، والتي تحدثت مع القناة الإذاعية الثالثة لراديو «بي بي سي» حول مشاعر انقرضت وأصبحت من الماضي، وكان «acedia» من بين تلك المشاعر التي أوضحت كيف تطور هذا الاسم واستخدامه مع مرور الوقت.

وذكرت أنه في تلك الأيام، يمكن وصف هذا الشعور بأنه شيء يشبه الكآبة، لكن هذا النوع كان مرتبطًا بشكل خاص بالأزمة الروحية والحياة في دير. ومع مرور الوقت، أصبح مصطلح «acedia» أكثر قابلية للتبادل في المعنى مع «الكسل»، وهو واحد من الخطايا السبع المميتة بالنسبة للمسيحية.

«Shell shock».. ما سببته الحرب العالمية الأولى

أولئك المهتمون بالتاريخ، وخصوصًا الحرب العالمية الأولى، ربما سمعوا بهذه الحالة التي تسمى «الصدمة القاسية» أو «صدمة الخنادق»، وهي تلك الحالة التي أثرت على الجنود المتضررين في خنادق الحرب العالمية الأولى. ومثلما يحدث في النماذج السابقة، وفي العديد من التجارب العاطفية الأخرى عبر التاريخ، تعلقت هذه الصدمة بشكل غريب في الخط الفاصل بين العاطفة والمرض، وتحديدًا فيما يتعلق بالطريقة التي كان يجري الحديث بها عن الحالة، أو علاجها.

وبالعودة إلى الخبيرة تشاني، فقد ذكرت أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الصدمة كانت لديهم تشنجات غريبة، وغالبًا ما فقدوا قدرتهم على الرؤية والسمع، على الرغم من أنه لا يبدو أن هناك أي مشكلة جسدية معهم.

وأضافت «في بداية الحرب، ظنوا أن هذه الأعراض ناجمة عن قرب الجنود المشاركين من الانفجارات التي كانت تهز الدماغ بشكل مادي واضح مسببة ارتجاجات». لكن فيما بعد كان يعتقد أن كل هذه الأعراض ناتجة عن تجارب المرضى وحالتهم العاطفية خلال هذه الحرب التي كانت الأولى من نوعها.

«Moral insanity».. تفسير المشاعر العنيفة

صاغ الدكتور جيمس كاولز برايتشارد مصطلح «الجنون الأخلاقي» أو «Moral insanity» عام 1835. كان يقصد به على نحو فعال، فقط «الجنون العاطفي»، لأن كلمة «أخلاقي» كانت تعني «نفسي» بالنسبة للناس لفترة طويلة. لكنها كانت تعني أيضًا بشكل مربك، أنها تحدث الآن.

كان المرضى الذين اعتبرهم برايسارد «مجانين أخلاقيًا» هم أولئك الذين يتصرفون بشكل غير عادي أو خاطئ مع عدم وجود علامة على وجود اضطراب عقلي. لقد شعر أن هناك عددًا كبيرًا من المرضى الذين كانوا قادرين على العمل في الغالب مثل الآخرين، لكن ربما لم يتمكنوا من التحكم في عواطفهم، أو ارتكابهم جرائم غير متوقعة.

هوس السرقة أو «Kleptomania» في مجتمع السيدات المتعلمات، على سبيل المثال، كان يُنظر إليه كعلامة على الجنون الأخلاقي، لأن النساء يُنظر إليهن على أنهن ليس لديهن سبب للسرقة. لقد كان وصف هذا الجنون في الأساس مصدرًا يمكن من خلاله جذب المشاعر الشديدة، وكان يطبق في كثير من الأحيان على الأطفال المتعبين.

هذه مشاعر كانت موجودة وانتهت ولم يعد يشعر بها أحد بذات الطريقة التي كان يشعر بها الناس في وقت ظهورها.

الكلاب تشبه أصحابها.. 6 ظواهر نفسية غريبة يصعب على الكثيرين تصديقها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد