قبل 48 ساعة من مقتلها تلقت جولي ديب اتصالًا من مكتب الشرطة الفرنسية يطلعها بأن جميع شكاواها ضد زوجها السابق قد أُسقطت، كانت جولي تعتقد أن زوجها السابق سيقتلها وأخبرت عائلتها، وأبلغت الشرطة عنه 10 مرات، حتى أنها أخبرتهم أنه يحمل مسدسًا وتخشى أن يستخدمه، لكنهم قالوا إنهم لا يستطيعون فعل شيء ما لم يوجه فوهته إليها، وهو ما فعله طليقها جارسيا كروشياني بالفعل في وضح النهار، عندما تسلل إلى منزلها، وأطلق عليها ثلاث رصاصات «لتأديبها» في حضور طفليهما، لتعد المرأة رقم 39 التي يقتلها زوج سابق عام 2020 بفرنسا.

«أنجدوني لقد عاد إلى المنزل».. والشرطة الفرنسية لا تسمع الاستغاثة

أحيت الفرنسيات الذكرى الأولى لجولي ديب يونيو (حزيران) 2021، في أعقاب مقتل شاهيناز 31 عامًا، في شهر مايو (أيار)، أثناء عودتها إلى أطفالها الثلاثة بمنزلها في فرنسا، هناك حيث تخفى منير، زوجها السابق، البالغ من العمر 45 عامًا، في شاحنة خارج منزلها طوال اليوم، وبمجرد أن رآها أطلق رصاصتين على ساقيها، وأظهر تشريح الجثة أنها كانت لا تزال على قيد الحياة عندما سكب على جسدها سائلًا قابلًا للاشتعال وأشعل النار فيها أمام المنزل. 

نساء يحملن لافتات مكتوب عليها أسماء النساء ضحايا قتل النساء في ساحة الجمهورية، في باريس، خلال مظاهرة للتنديد بجرائم قتل النساء 2019

جاء مقتل شاهيناز بعد أسبوع قُتلت خلاله ثلاث نساء على يد أزواج سابقين، في بلد به أحد أعلى معدلات قتل النساء في أوروبا، فكانت شاهيناز هي الضحية رقم 55 التي يقتلها زوج أو زوج سابق منذ بداية 2021 وحتى شهر مايو في فرنسا، وبعد شهرين من إبلاغها الشرطة الفرنسية عن تعرضها لهجوم مباشر منه، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد مكانه، رغم إلزامه بارتداء السوار الإلكتروني لتتبع الأزواج المعنفين، وثبت بعد ذلك أن الشرطي الذي تعامل مع ملفها قد أدين هو نفسه بالعنف الأسري في وقت سابق.

بعد أيام من تصاعد الاحتجاجات النسوية على مقتل النساء منذ مايو 2021، وقفت فاليري باكو أمام المحكمة بتهمة قتل زوج والدتها، بعد أن اغتصبها في عمر 12 عامًا، ثم سُجن بتهمة «سفاح القربى» لثلاث سنوات، وسُمح له بالعودة للمنزل، واستمر في اغتصابها حتى أصبحت حامل في سن 17 عامًا، وأنجبت ثلاثة أطفال آخرين.

عاشت فاليري وأطفالها في رعب وتهديد بالقتل، وأُجبرت على العمل في الدعارة، حتى عندما ذهب أطفالهاإلى الشرطة الفرنسية مرتين للإبلاغ قيل لهم بأن يرحلوا ويخبروا أمهم «المذعورة» أن تأتي بنفسها، لكن فاليري التي لم يكن لديها أدنى فكرة عن كيفية الهروب من إرهابها اليومي، أخبرت المحققين أنها في إحدى الليالي، وبعد أن اغتصبها أحد العملاء على مرأى من زوجها، أخذت المسدس الذي يخفيه زوجها بين مقاعد السيارة، وأطلقت الرصاص عليه.

يلوح خطر التعرض للقتل بين النساء في فرنسا بشكل أكبر حيث يُفترض أن يكون الإنسان آمنًا، في منزله، فقد أشارت الأبحاث التي أجرتها لوموند في عام 2019 إلى أن أكثر من ثلثي النساء الفرنسيات عانين من العنف المنزلي، وأن أكثر من ثلث من قُتلن لاحقًا قد أبلغن الشرطة الفرنسية بتهديد أمنهن، لكن جرى رفض 80٪ من هذه الشكاوى، ولم تتحرك الشرطة لنجدتهن، وكانت طريقة القتل السائدة باستخدام الأسلحة النارية بنسبة 68%، وجميعها أسلحة شرعية ومرخصة؛ ما أطلق الدعوات بضرورة سحب الأسلحة المرخصة من الأزواج المعنفين.

يواجه المجتمع الفرنسي حقيقة أن النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 30 و59 عامًا أكثر عرضة للقتل في منازلهن منه في الشوارع، ومن قبل حبيبهن أكثر من شخص غريب، فقد أعلنت الحكومة الفرنسية في بيان لها، فبراير (شباط) 2021، أن 100 امرأة لقيت حتفها على يد زوج أو طليق في عام 2020، و146 ضحية حدث لها ذلك في عام 2019، بمعدل امرأة واحدة كل ثلاثة أيام، بخلاف تعرض 200 ألف امرأة للعنف المنزلي كل عام بفرنسا، وهو العدد الذي ارتفع بنسبة 30% خلال فترة الإغلاق الكلي عام 2020.

لم ينتبه المجتمع لواقع جرائم القتل الزوجية التي يرتكبها بعض الرجال بفرنسا، حتى عام 2016، مع حركة «أنا أيضًا-Metoo»، وصارت القتيلات على يد زوج أو طليق ضحايا جرائم بهدف (إبادة الإناث- Feminicide) تنتشر صورهن في الميادين العامة، وضمت الإحصائيات لأول مرة النساء فوق سن 75 عامًا، اللائي لم تشملهن من قبل، ومثلن زيادة بنسبة 25% في أعداد الضحايا.

كانت جرائم القتل بحق النساء المسنات تصنف باعتبارها «انتحارًا قسريًا»، أو «قتلًا رحيمًا»، أو «انتحارًا متفق عليه» يقدم عليه الزوج لعدم قدرته على رعاية زوجته في سن الشيخوخة، حتى جاءت المأساة من شانتال مونتي الضحية رقم 78 في عام 2019، بعد شهر واحد من الاحتفال بعيد ميلادها الثاني والسبعين، وكتب الزوج – القاتل – في رسالة أصبح من الصعب معها الاعتناء بها وهي تعاني من مرض الألزهايمر.

«جرائم غرف النوم».. قانون رومانتيكي لحماية القاتل

كان تصوير جرائم قتل النساء بفرنسا، على أيدي أزواجهن على أنها جرائم منعزلة تنبع من الحب المجنون، إستراتيجية دفاعية ناجحة منذ بداية القرن العشرين، أطلق عليها «جرائم الشغف»، للإشارة إلى جريمة قتل أو محاولة قتل يكون الدافع وراءها هو العاطفة أو الغيرة في الحب، وتكون الضحية بشكل عام شخص يقول القاتل إنه يحبه، وأنه خدعه أو انفصل عنه، والأخيرة هي الحالة الأكثر شيوعًا في القرن الحادي والعشرين في فرنسا، من الرجال ضد زوجاتهم السابقات.

لم يكن مفهوم «جرائم الشغف» موجودًا على هذا النحو في القانون الفرنسي، ومع ذلك، قبل عام 1975، تلقت الجرائم من هذا النوع بعض التساهل من المحاكم والمجتمع، حين كان يُعتقد أن عواطف الحب الملتهبة يمكن أن تتسبب في فقدان ضبط النفس في الحالات القصوى، بما في ذلك الغيرة، وبالتالي، غالبًا ما كانت العقوبة أقل شدة من أنواع القتل الأخرى، كما نصت المادة 324 من قانون العقوبات لعام 1810 على بعض «الأعذار» عن قتل الزوج لزوجته، وذهب المحلفون إلى حد تبرئة بعضهم، بعد سماعهم جمل مثل: «لقد أحببتها كثيرًا»، «لقد فعلت كل شيء من أجلها».

لفترة طويلة ارتكب بعض الرجال مئات الجرائم تحت اسم «خصوصية غرفة النوم» أو «تقلبات الحياة العاطفية»، ولكن مؤخرًا تحول قتل النساء على يد أزواجهن من مرادف لـ «جرائم الشغف»، الذي تم التلويح بها في محاكم الجنايات للدفاع عن القتلة لأنهم «أحبوا كثيرًا»، إلى المصطلح المتنازع عليه مع الدولة (إبادة الإناث- Feminicide).

شاع استخدام مصطلح (إبادة الإناث – Feminicide) في المجال العام ووسائل الإعلام الفرنسية، منذ ذلك الوقت، دون وجود قانوني له، وقد ظهر ذلك المصطلح لأول مرة في كتاب «قتل النساء: سياسة قتل المرأة» الذي نشر في عام 1992، ثم فصلت الهيئات الدولية مثل «منظمة الصحة العالمية» هذا المصطلح على أنه جريمة يتورط فيها أحد أفراد الأسرة، مثل القتل في حادث اعتداء جنسي، وجرائم الشرف لـ«محو عار» الأنثى في بعض البلاد، والقتل الحميم على يد الحبيب أو الزوج، ويتضمن مسبقًا تمهيد يتمثل في الاعتداء المستمر في المنزل أو التهديد أو التخويف أو العنف الجنسي.

أكدت منظمة «هيومن رايتس وتش-HRW» على التعريف، واعتبرتها جريمة على أساس النوع الاجتماعي، وعرفته على أنه «قتل النساء لكونهن نساءً»، فلا يمكن اعتبار المرأة التي قُتلت في حادث سيارة أو سطو على بنك ضحية لجريمة بهدف (إبادة الإناث- Feminicide)، لكنها المرأة التي قُتلت على يد الزوج الحالي أو السابق، وهو النوع الذي قتلت عليه 35% من النساء في العالم.

دخلت جريمة (إبادة الإناث- Feminicide) قانون العقوبات عندما أصدرت إسبانيا قانونًا عام 2004 يشدد العقوبات ضد العنف ضد المرأة على أساس الجنس، وتبعتها دول الاتحاد الأوروبي، وأقرت به لجنة حقوق المرأة في البرلمان الأوروبي عام 2014، وأدرجه قانون العقوبات في أمريكا اللاتينية وإسبانيا وإيطاليا في 2013 و2014، باعتباره «قتلًا على أساس الجنس».

واعترفت فرنسا بالمفهوم في القانون العام، لكنها لم تدرجه في قانون العقوبات، على الرغم من اعترافها بجرائم التمييز على أساس الجنس ضد المثليين جنسيًا منذ عام 2017، وأبقت على اعتبار أن جرائم قتل الزوج أو الطليق هي انتحار قسري أو جريمة بدافع الحب والغيرة، حتى ردت اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان، في تقريرها لعام 2016 على أصوات النساء الغاضبات بأنه «ليس من المناسب إضفاء طابع قانوني على الجرائم ضد النساء، والاعتراف بها كحقيقة من حقائق المجتمع».

«إنهم يبدوننا»: صرخة المقتولات ضد تخاذل الدولة والشرطة الفرنسية

أظهرت دراسات الاتحاد الأوروبي أن فرنسا لديها معدل أعلى من العنف المنزلي مقارنة ببقية دول الاتحاد، الأزمة التي وصفها الرئيس إيمانويل ماكرون بأنها «عار على فرنسا»، ورغم تعهده بحلها في حملته الانتخابية، إلا أن وزارة العدل أقرت بفشل السلطات في التدخل لوقف القتل الناجم عن العنف الأسري، فتصدرت عناوين الصحف حوادث قتل ما كانت لتتم لولا تقاعس الشرطة الفرنسية عن نجدة النساء، لاعتبارها «شأنًا خاصًا»، أو لأن الضحية لا تتفق مع رؤيتهم الخاصة للضحية المثالية.

 وقفة احتجاجية ضد «إبادة الإناث» في باريس 2019 

أنشأت الحكومة الفرنسية خدمة الخط الساخن لضحايا العنف المنزلي من النساء عام 2019، وتلقى الخط 45 ألف مكالمة خلال أول ثلاثة أشهر من الإغلاق العام الماضي، وتلقى رقم الطوارئ 164957 مكالمة، بزيادة 70٪ من عام 2019، لكن 40٪ من تلك المكالمات لم يتم الرد عليها لأسباب تتعلق بالميزانية، 80٪ من الشكاوى المرسلة إلى النيابة لم يتم التحقيق فيها.

في بيانات عام 2019، كان 35% من الضحايا قد تعرضن بالفعل لأعمال عنف سابقة من الزوج، و67٪ منهن أبلغن قوى الأمن الداخلي عن هذا العنف السابق، ومنهن 75٪ تقدمن بشكوى سابقة، وخضع اثنان فقط من الجناة للتحقيق، وخضعت ضحية واحدة لأمر حماية، خاصة وأن 17٪ من الجناة كانوا معروفين لدى سلطات إنفاذ القانون، خاصة فيما يتعلق بالعنف الأسري ضد الضحية، وفي تقرير أعدته المفتشية العامة للعدل، نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، تبين أن 80٪ من شكاوى العنف المنزلي التي كان على القضاة أن يحكموا فيها بين عامي 2015 و2016 قد تم رفضها.

ردت الحكومة بمؤتمر حول العنف الأسري في نهاية عام 2019، ووعدت بعدة إجراءات، بما في ذلك استخدام الأساور الإلكترونية لتنبيه الضحايا عندما يكون المهاجمون في مكان قريب، وتوزيع الهواتف المحمولة في حالات الطوارئ للنساء المهددة بالعنف مما يسمح لهن بتنبيه الشرطة الفرنسية بسهولة، لكن نجح بعض الرجال في فك الأساور، وتجاوز قرارات عدم الاتصال بالزوجة السابقة، مثلما نجح عدة رجال في الوصول لمنزل الضحية دون تنبيهها بخطر في الطريق.

لمواجهة الاتهامات الموجهة إلى الشرطة الفرنسية بالتقصير، توجه الرئيس الفرنسي بزيارة لخدمة اللخط الساخن عن حملة القمع ضد العنف المنزلي، استمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمكالمة حية رفض فيها ضابط شرطة محلي مساعدة امرأة في خطر

كالحال في معظم دول العالم، ارتفعت معدلات حوادث العنف الأسري ضد النساء بنسبة 30% منذ الإغلاق الكلي الأول في فرنسا في 17 مارس (آذار) 2020، وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة، كما ارتفعت نسبة شكاوى النساء من العنف حتى 36% عما قبل تطبيق إجراءات العزل الذاتي، وأعادت جريمتا قتل مروعتان العنف ضد النساء في فرنسا إلى الواجهة مع بداية فصل الصيف، فكانتا جريمتي القتل خاصتين لأن كلتا المرأتين قدمتا شكاوى ضد شركائهما بسبب العنف الأسري قبل شهرين وستة أشهر من وفاتهما، ما أثار تساؤلًا حول جدية الإجراءات الحكومية التي تم الإعلان عنها في أعقاب التظاهرات النسوية في نهاية عام 2019.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد