يتبادر إلى ذهن المرء عند التطرق للحديث عن حقوق المرأة في إيران، والنضال الذي تخوضه؛ قانون الحجاب الإلزامي ضد النساء الإيرانيات، أو السماح لهن بدخول الملاعب مثلًا.

وبالرغم من أن هاتين المسألتين مهمتان في تاريخ الحركة النسائية الإيرانية؛ لكنهما ليسا كل شيء. فالمرأة الإيرانية قبل وبعد الثورة الإسلامية لم تزل تخوض نضالًا واسع المجال، من أجل تحقيق حفنة من المكاسب، تتطلب الكثير من الجهد، ودفع ثمن باهظ.

بالتأكيد الحديث عن الحركة النسائية الإيرانية، سواء في فترة الملكية، أو ما بعد الثورة الإسلامية، يحتاج إلى عدة تقارير مطولة، لمناقشة جميع القضايا والعقبات التي تواجه النساء داخل الجمهورية الإسلامية، لكننا في هذا التقرير، نمنح القارئ نظرة عامة على تاريخ هذا النضال، على لسان بعض الناشطات الإيرانيات في مجال حقوق المرأة.

كسر حاجز الصمت

في الأسابيع الماضية وبعد انتشارها في الغرب خلال السنوات الماضية وصلت حملة «me too» أو «أنا أيضًا»، التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدث النساء من خلالها عن تعرضهن لحوادث التحرش والعنف الجنسي، واتُهمت فيها شخصيات مشهورة في الغرب، وحوكم بعضهم، إلى إيران.

في البداية كان الأمر صادمًا، لسببين: أولهما: الجرأة التي تحدث بها النساء الإيرانيات عن معاناتهن مع التحرش الجنسي في أماكن العمل والدراسة، وكسرهن للكثير من المحرمات داخل الجمهورية الإسلامية.

وثانيهما: عدد الجرائم التي ارتكبتها شخصيات بارزة في المجال الثقافي والفني ضد النساء، سواء كن زميلات لهن، أو طالبات، أو حتى صحافيات تعاملن معهم لإجراء حوارات صحافية.

لم يكن أحد يتوقع أن تجد مثل هذه الحملة صداها داخل الجمهورية الإسلامية، وأن تتحدث النساء علانية، وبدون خوف من الوصم الاجتماعي، والملاحقة القانونية.

لكن كسر حاجز الصمت هذا لم يأت بين ليلة وضحاها، بل يقف وراءه الكثير من النساء الناشطات، والكثير من التعب والجهد لمناهضة التمييز ضد المرأة.

الحركة النسائية في زمن ما بعد الثورة الإسلامية

مع اندلاع الثورة، ووصول رجال الدين إلى الحكم، وإقامة جمهورية إسلامية، كانت النتيجة الطبيعية إلغاء معظم قوانين الحقبة الملكية، ووضع دستور جديد، أغلب قوانينه مستمدة من الشريعة الإسلامية.

تشمل القوانين التي تم تغييرها بعد الثورة والتي تخص النساء، قوانين الحجاب الإلزامي، وخفض الحد الأدنى للزواج، وخفض دية المرأة مقارنة بالرجل، وحق المرأة في حضانة أطفالها، وتطليق نفسها.

تقول مهناز رحيمي (45 عامًا)، وإحدى الناشطات في مجال حقوق المرأة في إيران، لـ«ساسة بوست»: «منذ الثورة الإسلامية، وتغيير القوانين؛ والمرأة الإيرانية، سواء متدينة محجبة أو علمانية، تسعى إلى تعديل هذه القوانين التي تعد مناهضة للنساء. نجحنا في الحصول على بعض التعديلات، لكن ما زال الطريق طويلًا».

حقوق إنسان

منذ سنتين
«حكم عليها بـ148 جلدة».. لهذا السبب أصبحت نسرين ستوده مغضوبًا عليها في إيران!

تصف السيدة رحيمي، التعديلات الصغيرة التي استطاعت الحركة النسوية الإيرانية تحقيقها بالنسبة لقوانين ما بعد الثورة الإسلامية بأنها انتصار ضئيل، مقابل أحلام النساء الإيرانيات.

الانتصار الضئيل الذي تحدثت عنه السيدة رحيمي، يتمثل في تعديل طفيف لبعض القوانين التي وضعت بعد الثورة، على سبيل المثال:

1. قانون الحضانة: بعد الثورة الإسلامية عام 1979 نص قانون الحضانة، على أنه إذا انفصل الزوجان تكون الحضانة للأم حتى سن سبع سنوات في الطفلة الأنثى، وعمر سنتين للطفل الذكر، ثم ينتقل الأطفال مباشرة إلى حضانة الأب.

وبعد اعتراضات واسعة النطاق من قبل النساء الإيرانيات عُدّل القانون، بأنه بعد بلوغ الأطفال العمر السابق ذكره، يُرد الأمر للمحكمة، للبت في منح الأطفال لحضانة الأم أو الأب، بحسب ما يتوافق مع مصلحة الأطفال.

2. رفع الحد الأدنى لزواج الفتيات: بعد الثورة خُفض الحد الأدنى لزواج الفتيات من 13 عامًا إلى تسع سنوات فقط. فناضلت النساء الإيرانيات من أجل رفع الحد الادني للزواج، ليصل إلى 13 عامًا كما كان في السابق، لكن يسمح القانون بزواج الفتيات في سن التاسعة بأمر من المحكمة، بعد موافقة الأب أو الجد!

تقول السيدة رحيمي، بخصوص هذا الأمر، لـ«ساسة بوست»: «كأن التعديل لا وجود له، فمن حق الأب أو الجد، أن يذهب إلى المحكمة بابنته، ويقدم أوراقًا تفيد ملائمة صحة الفتاة للزواج، وبالتالي على الفور يوافق القاضي على تزويجها».

ولم تزل بعض الناشطات في حقوق المرأة، علاوة على بعض البرلمانيات، يحاولن انتزاع موافقة على مشروع قانون يجرم هذه الثغرة، بالإضافة إلى رفع الحد الأدنى لزواج الفتيات إلى 19 عامًا، تقول السيدة رحيمي: «مشروع القانون مهمل إلى الآن، لم نستطع الحصول على موافقة النواب، ولا مجلس صيانة الدستور».

3. حق الطلاق: بعد الثورة أصبح الرجل فقط هو من يملك حق الطلاق، وفي عام 1981 استطاعت النساء الضغط للحصول على تعديل هذا القانون، وأصبح من حق الزوجة رفع دعوى طلاق بعد إثبات «مشقة الحياة مع الزوج».

يبدو التعديل وكأنه مكسب للنساء، لكن المحامية الحقوقية، نفيسة مهرداد تصف الأمر لـ«ساسة بوست»، بـ«الخداع»، فتقول: «أمر إثبات استحالة الحياة مع الزوج، لا تأخذ به المحكمة إلا في حالات إدمان الزواج على المخدرات، أو عدم استطاعته الإنجاب، أما مئات الحالات والمواقف التي تجعل من الصعب على الزوجة استكمال حياتها الزوجية لا اعتبار لها، وفقًا للمحكمة».

4. قوانين الميراث: حتى عام 1987 لم يكن من حق الزوجة أن ترث في ما تركه زوجها المتوفي من أراض وعقارات، ثم عُدل هذا القانون بعد احتجاجات نسائية، فاستطاعت النساء الحصول على حقها في ميراث زوجها.

تقول السيدة مهرداد: «هناك الكثير من البنود التمييزية في قوانين الميراث بالنسبة للنساء، لكن الصراع على هذه القوانين لاقى معارضة شديدة من رجال الدين، بصفتها مستمدة بالكامل من الشريعة الإسلامية».

صِدام منذ البداية!

كان أول تصادم بين النساء الإيرانيات والسلطة الإيرانية الجديدة، بعد الثورة الإسلامية على الفور،عندما وصل الخميني إلى السلطة في فبراير (شباط) 1979. ففي مارس (أذار) من العام نفسه احتشد عدد هائل من النساء في قاعة إحدى المحاكم في طهران للاحتجاج على قوانين الحجاب الإلزامي، ومن هنا كانت البداية.

تقول السيدة رحيمي لـ«ساسة بوست»: «الحركة النسائية الإيرانية، مثلها مثل جميع الحركات المدنية الأخرى في إيران، مرت بفترات ضعف وانهيار، فترات ازدهار، فعلى سبيل المثال، شهدت مرحلة الستينات والسبعينات حتى قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية، نضالًا واسع المدي من قبل النساء، فكانت الحركات النسائية تعمل على المساواة مع الرجل، والحق في التعليم الجامعي، والانتخاب، وتعديل قوانين الأحوال الشخصية».

بعد الثورة الإسلامية، دخلت الجمهورية الجديدة في حربا دامية مع عراق صدام حسين، طالت لمدة ثماني سنوات، حينها كانت الحركة النسائية في انحسار تام، فوضع البلاد الممزق لم يسمح بأي شيء، بعد الحرب جاءت مرحلة إعادة الإعمار، وبالطبع لم يكن للمطالب النسوية مكان في هذه المرحلة، في حقيقة الأمر لم يكن لأي مطالب فئوية مكان في بلد خسر مليون شخص، وتعرض لكم هائل من الدمار.

عهد الرئيس خاتمي.. العصر الذهبي للنساء

جاء الرئيس محمد خاتمي رجل الدين الإصلاحي، والذي يُعد بمثابة الأب الروحي للإصلاحيين في إيران، إلى الحكم في التسعينات، واعدًا بالمزيد من الحريات السياسية والاجتماعية، وتمكين النساء الإيرانيات في مختلف المجالات.

والحقيقة أنه في عهده، وبالرغم من كل الضغوط التي كانت تحاط به من قبل المسئولين المتشددين، استطاع توفير مساحة ذهبية للنساء، فانتشرت المطبوعات والصحف الخاصة بتوعية المرأة، والتي تشرف عليها النساء بشكل كامل، كما أتاح لهن فرصة إنشاء المنظمات غير الحكومية.

Embed from Getty Images

صحافيات إيرانيات في مقر صحيفة إيرانية مملوكة لابنة الرئيسي الإيراني السابق محمد خاتمي 

تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة، السيدة مهناز رحيمي، لـ«ساسة بوست»: «فترة الرئيس خاتمي، هي السبب في زيادة وعي النساء الإيرانيات بحقوقهن، وبضرورة المطالبة بها مهما حدث».

ثم أتت الحركة الخضراء وارتفعت أحلام النساء

بعد انتهاء فترة حكم الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، بوصول الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى منصب الرئيس، وهو الآتي من المعسكر المحافظ، شهدت الحركة النسائية نكسة أخرى.

تقول السيدة رحيمي «أصاب الحركات النسائية في عهد أحمدي نجاد، ركودًا هائلًا، وتم تشديد الرقابة على حجاب النساء في الشوارع وأماكن العمل، حتى تواجدهم السياسي كان ضعيفًا للغاية».

بعد فترة ولاية الرئيس أحمدي نجاد الأولى، والتي دامت أربع سنوات، وجدت الحركات النسائية أنفسها أمام أكبر حركة مطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ألا وهي «الحركة الخضراء»، التي نشأت احتجاجًا على فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية، في الانتخابات المتنازع عليها عام 2009.

تقول السيدة رحيمي لـ«ساسة بوست»، «في أثناء اندلاع الحركة الخضراء، كان الزخم السياسي هائلًا، ووجدت الحركات النسائية متنفسا لها، صحيح أننا كنا نشعر أننا رهن تحركات المطالب السياسية في المقام الأول، لكننا استطعنا العودة إلى المجال العام مرة ثانية».

لكن سرعان ما تبددت أحلام الحركات النسائية، فقد شهدت الحركة الخضراء الإصلاحية قمعًا شديدًا من قبل المؤسسات الأمنية والسياسية الإيرانية، واعتقل المئات من قادتها، ونالت الناشطات في مجال حقوق المرأة نصيبها من هذه الاعتقالات.

حسن روحاني واستخدام حقوق النساء كبطاقة انتخابية

في عام 2013 استخدم الرئيس المعتدل حسن روحاني في حملته ووعوده الانتخابية بطاقة حقوق ومطالب النساء بشكل متزايد، إلى جانب وعوده بالمزيد من الحريات السياسية والاجتماعية.

نجح روحاني في الفوز بولايتين رئاسيتين، عام 2013 و2017، وفي كل مرة كان يتجدد أمل الحركات النسائية، في تحقيق وعوده.

تقول المحامية الحقوقية، السيدة نفيسة مهرداد، لـ«ساسة بوست»: «بناء على وعود حسن روحاني، توقعنا تمثيل نسائي أكبر في حكومته، ووصل الأمل بيننا إلى توقع وصول النساء إلى مناصب وزارية، لكن الأمر كان العكس تمامًا، تم استخدامنا واستخدام مطالبنا، لتحقيق نصر انتخابي ليس أكثر».

عين حسن روحاني عددًا من النساء في مناصب استشارية فقط، لكنه لم يستطيع تغيير الأمر الواقع، ومساعدتهن في الحصول على أكثر من ذلك.

إيران

 لكن يمكن القول إنه وخلال ولاية روحاني زاد وعي الحركات النسائية أكثر وأكثر، فالانفتاح على العالم، واستخدام مصادر متنوعة للمعلومات، مثل الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، جميعها عوامل ساهمت في زيادة وعي الحركات النسائية، خاصة أن الحركة النسوية حول العالم في تزايد مستمر في السنوات الاخيرة.

بالرغم من عدم تحقيق حسن روحاني لوعوده بشأن مطالب الإيرانيات، إلا أنهن لم ينهزمن، وخضن العديد من المعارك. على سبيل المثال لا الحصر هناك معركة طويلة بين الحركات النسائية والسلطات الإيرانية حول مشروع قانون «أمن المرأة»، أو تجريم العنف ضد المرأة.

للأسف لا توجد إحصاءات رسمية تستطيع منها الحصول على أعداد محددة لجرائم العنف ضد المرأة، لكن بحسب الكثير من التقارير الحقوقية داخل إيران، فإن حالات تعنيف النساء موجودة بكثرة داخل الجمهورية الإسلامية.

قانون «تجريم العنف ضد المرأة» يلغي دور الرجل في الأسرة الإيرانية!

قبل سبع سنوات قدمت نائبات البرلمان الإصلاحيات، بمساعدة الناشطات في مجال حقوق المرأة مشروع قانون لتجريم العنف ضد المرأة، إلى البرلمان الإيراني، وناقشه البرلمان وعدل بعض بنوده، وأُرسل إلى مجلس صيانة الدستور، الهيئة التي تمر مشاريع القوانين عبرها للموافقة عليها بعد البرلمان.

في البرلمان أثناء مناقشة مشروع القانون، كان هناك الكثير من الجدل بشأن بنوده، والتي اعتبرها بعض النواب المحافظون تلغي دور الرجل في الأسرة الإيرانية.

لكن ليس هذا هو المهم الآن، فمشروع القانون وصل إلى القضاء الإيراني وتم فحصه بواسطة 18 قاضيًا، تقول السيدة مهرداد «مشروع القانون يحتوي على 92 مادة، تم حذف نصف المواد، ليصبح عددها 52 مادة، دون الرجوع إلينا!». وبحسب السيدة مهرداد، بالرغم من ذلك، لم تتم الموافقة على مشروع القانون إلى الآن، لم يزل حائرًا بين المؤسسات القضائية والتشريعية!

«سنواصل طريقنا مهما حدث»

لم تحقق الحركات النسائية في إيران، الكثير من المكاسب، لأسباب كثيرة متعلقة بالنظام السياسي والديني للدولة الإيرانية، لكن ليس هذا هو السبب الوحيد، فهناك الكثير من الانتقادات قد وجهت إلى الحركات النسائية، منها عدم توحدهم، وعدم قدرتهم على تكوين مؤسسات مجتمع مدني تهتم بأمور النساء المهمشات في مختلف أنحاء الجمهورية الإيرانية.

تدافع السيدة رحيمي عن نشاطهم ضد هذه الانتقادات قائلة: «حجم الضغط والقمع الذي نتعرض له في مجال الدفاع عن حقوق المرأة في إيران هائل، أعترف أن الحركات النسائية ليست جميعها على قلب واحد، وهناك العديد من المشاكل الهيكلية داخل هذه الحركات، لكننا نحاول معالجة هذه الأمور بجانب تحدي القوانين التمييزية والمناهضة للمرأة».

رياضة

منذ سنتين
رياضة بلا رعاة أو جمهور.. ما لا نعرفه عن الرياضات النسائية في إيران

تقول السيدة رحيمي: «إن الطريق طويل ووعر، وشديد الصعوبة، فإننا نواجه خطر الاعتقال والزج بنا في السجون لعشرات السنيين، لكننا سنواصل طريقنا مهما حدث».

تقف أمام الحركات النسائية الإيرانية الكثير من العقبات والمشاكل، والقوانين التمييزية، فهناك معارك نسائية لإلغاء التمييز ضد النساء في أماكن العمل والدراسة، ومعارك أخرى بشأن قوانين الأحوال الشخصية، وإلغاء عقوبة الرجم ضد النساء في تهم الزنا.

في النهاية إذا حاولنا الإجابة عن سؤال: «ماذا حققت الحركات النسائية على مدار أربعة عقود»، نستطيع القول إن الإنجاز الأهم إلى الآن، هو وجود جيل من النساء الواعيات بحقوقهن، العاقدات العزم على نيل هذه الحقوق، ضد أي ضغط، وأي ظرف.

المصادر

تحميل المزيد