سيطرت حركة طالبان على السلطة بالكامل في أفغانستان عقب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الأراضي الأفغانية في أغسطس (آب) 2021، ومع الأيام الأولى للحكم أعلنت طالبان نيتها وقف زراعة الأفيون وتجارته في أفغانستان. ويشكل الأفيون الأفغاني نسبة 90% من المخدرات الأفيونية في السوق العالمية، وإذا منعت طالبان الأفيون الأفغاني عن السوق العالمية حقًّا، فمن المتوقع أن تحدث أزمة كبيرة في سوق تجارة المواد الأفيونية حول العالم، وسيبدأ البحث عن بدائل، وهنا تكمن الخطورة!

فهناك بالفعل مادة أفيونية اصطناعية قوية وسهلة الإنتاج وغير مكلفة متوافرة في سوق المخدرات، وقد تحل محل الأفيون الأفغاني وكذلك تدخل في صناعة الهيروين والكوكايين، وتسببت في موت الآلاف نتيجة الإدمان والجرعة الزائدة؛ مادة الفنتانيل أو الأفيون الصناعي الصيني، التي غرد الرئيس الأمريكي ترامب من أجل وقف دخولها من الصين للولايات المتحدة الأمريكية.

إذ كتب على حسابه الشخصي في أغسطس 2018، قائلًا: «إنه لأمر مشين أن يتدفق الهيروين الصناعي السام، «الفنتانيل»، إلى نظام البريد الأمريكي من الصين، يمكننا بل يجب علينا إنهاء هذا الآن، يجب أن يمرر مجلس الشيوخ قانون الإيقاف، ويوقف بحزم هذا السم الذي قتل أطفالنا ودمر بلدنا، لا مزيد من التأخير»، فما هو الفنتانيل؟ وما هي قصته؟

الفنتانيل الأفيون الصيني

مصدر الصورة: فنتانيل فور سيل

مخدرات الأفيون الصناعية: الفنتانيل القاتل

يُصنف الفنتانيل باعتباره نوعًا من أنواع المسكنات القوية أو مسكنات الموجة الثالثة من مواد الأفيون الصناعية، وهو مركب كيميائي يصنع في المعمل، جرى اختراعه في المعمل للمرة الأولى عام 1960 على يد العالم البلجيكي بول يانسن، ووصف في البداية باعتباره دواء لتخفيف الألم لدى مرضى السرطان وأصحاب الأمراض المزمنة ولعلاج المرضى الذين يعانون من الآلام الشديدة خاصة بعد الجراحة.

لسوء الحظ لم يحسن الأطباء وصفه في العديد من الحالات، فأخذ في الانتشار بين المرضى والأصحاء بوصفه مسكنًا قويًّا وفعالًا، ونتيجة لذلك بدأ كثيرون استخدامه على أنه مخدر يماثل الأفيون والمورفين، مما أنتج كمية لا بأس بها من المدمنين في الستينيات والسبعينيات في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 1981 انتهت براءة الاختراع الأمريكية وبدأت شركات الأدوية حول العالم في تصنيع المادة الكيميائية الفنتانيل للاستخدام الطبي، فأصبح منتجًا مخدرًا يغزو الأسواق العالمية، مسببًا أعلى نسب وفيات نتيجة الإدمان.

يتوفر مخدر الفنتانيل بعدة أشكال لتسهيل عملية التعاطي، يمكن أن يكون على شكل مسحوق، أو على شكل سائل ويوضع في قطرات العين وبخاخات الأنف، ويصنع أيضًا في شكل كبسولات تؤخذ عن طريق الفم، ويمكن تعاطيه عن طريق الحقن أو لصقه على جلد الشخص.

فيديو توضيحي يبين ما يفعله الفينتانيل في الجسم والدماغ:

يطلق على مادة الفنتانيل أسماء أخرى في سوق المخدرات ومنها الفتاة الصينية، ومدينة الصين، وأباتشي، وحمى الرقص، وتانجو كاش، وفريندز، وميردير إيت. ويؤثر هذا المخدر في العقل البشري بشدة، ويعمل عن طريق الارتباط بمستقبلات المواد الأفيونية في الجسم، والتي توجد في مناطق الدماغ التي تتحكم في الألم والعواطف، ويعطي إثر تناوله شعورًا كبيرًا بالسعادة، إلى جانب الشعور البالغ بالقوة والصمود وتحمل الآلام، وطوال مدة تأثيره، يشعر المتعاطي وكأنه في رحلة بعالم آخر متوحش وقاس وهو مقاتل صعب وقوي يحاول الصمود، وفي النهاية قد يؤدي إلى النعاس الشديد والطويل.

القاتل الخفى المسئول عن أعلى معدلات وفيات الجرعات الزائدة

تشكل مادة الفنتانيل المخدرة خطرًا كبيرًا على العالم، نظرًا لقوة تأثيرها وطريقة تسويقها واستخدمها، وسهولة الوفاة بجرعة زائدة منها أمر وارد الحدوث بنسبة كبيرة، ومع بداية تسعينيات القرن الماضي، سجلت الولايات المتحدة الأمريكية أعلى نسب إدمان ووفاة، نتيجة تعاطيه، بينما تتزايد النسب منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

يعتبر الفنتانيل أقوى 50 مرة من الهيروين و100 مرة من المورفين في التأثير، وأكثر ربحًا من الهرويين 20 مرة، وبحسب وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية «يحتمل أن يكون الفنتانيل مميتًا، حتى عند المستويات المنخفضة جدًّا، فتناول جرعات صغيرة تصل إلى 0.25 ملجم يمكن أن يكون قاتلًا».

يقوم تجار المخدرات بخلطه مع الكوكايين والهيروين والميثامفيتامين والإكستاسي لزيادة كمية المخدرات وبالتالي ضمان زيادة الربح، وأحيانًا يباع على أنه هيروين، ومؤخرًا اشتق منه مادة مخدرة أكثر تأثيرًا تستخدم مهدئًا ومنومًا للأفيال، ويستخدمه البشر أيضًا مخدرًا. هذا النمط للتعاطي والاتجار، جعل مادة الفنتانيل المجرم الخفي الذي يقف وراء أعلى نسبة وفيات في أمريكا منذ 1990 وحتى الآن.

وجدير بالذكر أن أمريكا عانت على وجه التحديد من انتشار مخدر الفنتانيل وأثره المدمر في الأشخاص والاقتصاد على مدار عقود، وفي السنوات العشر الأخيرة، سجلت أمريكا أعلى نسبة وفيات جراء الجرعة الزائدة بمادة مخدرة وهي الفنتانيل، وقدرت أعداد ضحاياه في أمريكا عام 2018 بأكثر من 30 ألف شخص، وأكثر من 50 ألف شخص عام 2019، وأكثر من 70 ألف شخص عام 2020، وهي نسب أكبر من عدد ضحايا حوادث السير أو القتل العمد في أمريكا.

فمنذ التسعينيات وحتى الآن تسبب هذا المخدر في موت أكثر من ربع مليون شخص تقريبًا، ويسهل شراؤه غير القانوني عبر الإنترنت، وتشحن غالبية كمياته إلى المكسيك من الصين للمعالجة قبل أن يشحن إلى الولايات المتحدة، ويمكن إنتاجه دون مجهود أو إنفاق مادي كبير، وزيادة الطلب عليه من قبل تجار المخدرات جعل منه هدفًا يضمن الربح للمعامل وشركات الأدوية حول العالم، وتتهم الولايات المتحدة الأمريكية الشركات والمعامل الصينية بالوقوف وراء تصنيع مادة الفنتانيل أو الأفيون الصناعي وتصديرها وانتشارها، ووصفت الحكومة الأمريكية الصين بأنها «المصدر الأول للمادة الخام في العالم».

تنتشر هذه المادة المخدرة حول العالم، ولا تقتصر تجارتها على الولايات المتحدة فقط، وتظهر الإحصاءات الصحية من كندا ارتفاع نسبة الوفيات جراء جرعات الفنتانيل القاتلة إلى 72% من إجمالي وفيات المواد المخدرة، وصرحت وكالة مراقبة الأدوية الأوروبية أن «عدد المواد الأفيونية الاصطناعية قد نما بسرعة في أوروبا منذ الإبلاغ عن المادة الأولى عام 2009، وتنتشر هذه المادة المخدرة في بريطانيا بشكل أكبر»، وأكد تقرير وكالة مراقبة الأدوية الأوروبية أن معظم شحنات الفنتانيل الجديدة القادمة إلى أوروبا تأتي من شركات مقرها الصين، إلى جانب وجود معامل تصنيع أوروبية، كما توجد تجارة محدودة لهذا المخدر في البلدان العربية، لكن دون إحصائيات واضحة أو موثقة عن حجم التجارة أو عدد المدمنين.

الفنتانيل في أيدي الحكومات

استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مادة الفنتانيل المخدرة لأول مرة لإعدام سجين في أغسطس 2018، وجرى إعدام كاري دين مور المتهم بقتل سائقين، في سجن بولاية نبراسكا، بحقنة قاتلة، تم إعطاؤها له في الوريد، وكانت مكونة من أربعة عقاقير: سيترات الفنتانيل لمنع التنفس وجعل المريض فاقدًا للوعي، ومادة الديازيبام مهدئًا، ومادة سيزاتراكوريوم بيسيلات لإرخاء العضلات، ومادة كلوريد البوتاسيوم لإيقاف القلب. أثار الإعدام قلق خبراء عقوبة الإعدام لأنه كان جزءًا من خليط مخدرات لم يُختبر من قبل، كذلك احتج المناهضون لعقوبة الإعدام على عملية الإعدام هذه، في السجن أثناء الإعدام وبعد ذلك في مبنى الكابيتول بنبراسكا.

استخدمت قوات الأمن الروسية غازًا مشتقًّا من مادة الفنتانيل أيضًا، للقضاء على مجموعة شيشانية احتجزت 750 رهينة روسية في مسرح موسكو عام 2002، وانتهى الحصار بعد إطلاق الغاز المخدر، الذي صرح وزير الصحة الروسي في وقت لاحق أنه يعتمد على الفنتانيل، وقد تسبب استخدام المادة المخدرة إلى وفاة 170 شخصًا من الرهائن.

ووفقًا للفيلم الوثائقي الحربي «Armadillo» والتقارير الحربية الأمريكية، استخدم كل من قوات الجيش الدنماركي وقوات الجيش الأمريكي في حرب أفغانستان مادة الفنتانيل في العمليات العسكرية باعتباره مسكنًا للألم، نظرًا لضعف المورفين باعتباره مسكنًا مقارنة به.

الحظر الأفغاني والتصنيع الصيني

كما أشرنا سابقًا، فقد فرضت طالبان حظرًا على الأفيون عقب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، الأمر الذي قد يؤدي إلى كوارث كبيرة في جميع أنحاء العالم، ويعود ذلك لحقيقة أن أفغانستان مصدر 90% من الأفيون العالمي، مما يعطي فرصة ذهبية لانتشار البديل الأمثل الفنتانيل أو الأفيون الصناعي الصيني في حال وقف الأفيون الأفغاني، وهذا ما يخشاه العالم حاليًّا، أن تغير العقاقير الاصطناعية الأفيونية تجارة المخدرات العالمية إلى الأبد، وهذا ما حدث بالفعل.

Embed from Getty Images

مقارنة بين الكمية القادرة على قتل فرد بالغ، من مخدري الهيروين والفنتانيل

فقد أدى جفاف الهيروين في إستونيا في الشهور الماضية، إلى قيام بعض الكيميائيين في عالم المخدرات بالبدء في تصنيع مادة الفنتانيل المخدرة، باعتبارها بديلًا مثاليًّا ليحل محل الهيروين في سوق تجارة المخدرات بإستونيا، ويتخوف المجتمع الأوروبي من تداعيات حظر الأفيون الأفغاني الذي يزود أوروبا بالهيروين، وفي حال انتهى هذا العرض الأفغاني فعلًا، فلن يمر وقت طويل قبل أن يجد شخص ما بديلًا كما حدث في إستونيا وقد يكون المادة الصينية القاتلة أيضًا.

وتختلف الصين مع الولايات المتحدة وأوروبا حول التصريح بأنها المنتج والمصدر الأكبر لمادة الفنتانيل، لكنها لم تنف أبدًا تصنيع شركات الأدوية الصينية لهذه المادة واحتمالية تصديرها، بل على العكس بدأت الصين في اتخاذ إجراءات جادة لاحتواء الأزمة.

ويقول مارتن ريثهلبير الخبير في المخدرات الاصطناعية في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة «إن الصين قد فرضت الآن قيودًا على أكثر من 150 مادة كيميائية يمكن استخدامها لصنع عقاقير اصطناعية، ومنهم مادة الفنتانيل، ويضيف لقد كانوا نشيطين للغاية في إدخال ضوابط وتعاون مشترك».

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
هكذا استُخدم «الكريستال ميث» في الحرب العالمية الثانية

وبالفعل تعاونت الشرطة الأمريكية والشرطة الصينية لأول مرة في التاريخ عام 2019 لحل قضية اتجار في مادة الفنتانيل المخدرة، ونجحت الأجهزة الأمنية في القبض علي تسعة أشخاص صينين متورطين في تجارة المادة ومحاكمتهم في الصين.

وقد أشادت الحكومة الأمريكية بتلك العملية وطلبت زيادة التعاون بين الطرفين، وعلى الجانب الآخر صرح مسؤول اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات في الصين يو هايبين بأنه «من الضروري اتخاذ إجراءات صارمة ضد الطلب وكذلك العرض، فإذا تعذر تقليص الطلب غير القانوني بشكل كامل، فمن الصعب للغاية معالجة قضية الفنتانيل بشكل أساسي». فهل يحل الأفيون الصناعي الصيني محل الأفيون الطبيعي في سوق المخدرات العالمية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد