“يراودني حلم بأنه في يوم ما ستنهض هذه الأمة، وستعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها، نحن نعتبر أن هذه الحقائق ستكون بديهية، وأن كل الناس خلقوا متساوين” مارتن لوثر كينغ.

كان الاغتيال قدر مارتن لوثر كينغ منذ خمسة عقود بعد سعي انتهى بتوقيع قانون الحماية المدنية، واليوم رغم انتخاب رئيس أمريكي أسود وبعد قرن من إلغاء العبودية ما زالت الأزمة موجودة منذ بدأ الأوروبيون في نقل الأفارقة إلى عالم جديد لتبدأ حروب الأمريكيين مع بعضهم البعض “الأبيض والأسود” حتى تأتي حقبة ساوت بينهم فيها القوانين التي أنهت التفرقة بين العنصرين الأمر الذي أوصل في نهايته رئيسًا أسود للبيت الأبيض، لكن الشعب لم يتصالح مع ماضيه العنصري بعد.

ماذا يحدث في فيرغسون؟

القانون المدني أخفق أمام احتجاجات اندلعت في 17 ولاية أمريكية بعد قرار الادعاء بعدم محاكمة شرطي أبيض قتل مراهق أفريقي الأصل يدعى مايكل براون وهو أعزل دون سلاح بيفرغسون في ولاية ميسيسيبى، الاحتجاجات السلمية والمستمرة منذ أغسطس الماضي بعد مقتل براون أكدت للأقلية السوداء أنهم ما يزالون منبوذين بسبب عنصرية المجتمع الأمريكي، وفشل الحكومة الأمريكية في سياساتها الاجتماعية بخاصة تلك المتعلقة بمعالجة المشكلات الاقتصادية للطبقات الفقيرة من الأقليات، مع تأخرها في التحرك لمعالجة تداعيات مقتل براون الصيف الماضي.

دعمت واشنطن ونيويورك وشيكاغو الاحتجاجات التي وصلتها والتي اعتمدت السلطات الأمريكية في قمعها على العنف بشكل واضح، فقد استخدمت السلطات رجال الأمن وأسلحتهم لقمع المتظاهرين بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وتنفيذ اعتقالات بشكل عشوائي، رغم حمل المظاهرات لطابع مدني وتضامني لدعم مواطني فيرغسون، وهو الأمر الذي دعى منظمة العفو الدولية لإصدار بيان تطالب فيه الشرطة الأمريكية بإنهاء العنف ضد المحتجين مع توجه المنظمة لإرسال لجنة مراقبين للولايات المتحدة للمرة الأولى.

حوادث كان فيها الرجل الأسود هدف الضابط الأمريكي

في عام 2010 قتل الشاب الأسود أوسكار غرانت على يد رجال الشرطة، ليتم الحكم على الضابط بالسجن لمدة عامين فقط، الأمر الذي أثار غضب المتظاهرين السلميين أمام الشرطة التي قابلتهم بكل عنف. كان هذا الحادث العنصري الأخير لكنه ليس الأول، فبعد أعوام من النضال تحت قيادة مارتن لوثر كينغ وخروج مسيرات للمطالبة بالحقوق المدنية عام 1963 وتوقيع القانون لحماية حقوق السود جاء هذا القانون ليعلن عن رسميته فقط بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ عام 1968، بعد أعوام من الشغب لم يفتح موته سوى طريق آخر للاحتجاجات ومزيد من القتلى والمعتقلين.

تجدد الغضب مع قضية رودني كينغ عام 1992 حينما تعرض للضرب على يد أربعة ضباط شرطة في تسجيل صورة أحد مصوري الفيديو الهواة بسبب تجاوز رودني للسرعة المقررة، ولكن يتم تبرئة الضباط الأربعة وتشتعل الاحتجاجات المنددة مخلفة 50 قتيلاً ومئات الجرحى، ويظل الفيديو دليلاً على عنف ضباط بيض.

وفي عام 2010 اندلعت الاحتجاجات بعد مقتل شاب أسود على أيدي رجال الشرطة؛ مما استدعى الشرطة لارتكاب جرائم على نطاق أوسع ضد السود الذين خرجوا إلى الشوارع، وقبل تحقق حلم لوثر كينغ وتولي أوباما صاحب البشرة السوداء رئاسة أمريكا قتلت دورية حراسة من الشرطة شابًا أسود لمجرد الاشتباه به، الأمر الذي لم يتغير تمامًا بعد مجيء أوباما، ففي عام 2012 قتل الشاب ترايفون مارتن بولاية فلوريدا، وفي منتصف عام 2014 قتل أربعة أمريكيين من أصول أفريقية برصاص الشرطة.

ملامح تفرقة اجتماعية واقتصادية لم تنتهِ بالقانون

“إنهم يقومون بتفتيشنا بمجرد المرور من أمامهم” قالها نشطاء سود في المظاهرات الأخيرة عن تعامل الشرطة معهم، الأفروأمريكيون هم الأقلية بالتأكيد؛ حيث يمثل الأمريكيون من أصل أفريقي 13.6% من السكان وفقًا للتعداد الأخير عام 2010 بزيادات طفيفة كل عام. ويعاني متعددو الأعراق السود من العدالة الأمريكية، والتي برز فيها التمييز حيث يمثل السود 40% من السجناء (13.6% من السكان)، في الوقت الذي يمثل البيض غير اللاتينيين 64% من سكان الولايات بنسبة 39% من السجناء، مع فارق ملحوظ في المحكوم عليهم بالإعدام، فقد بلغت نسبة السود بينهم 34% منذ عام 1976.

وفي مدينة فيرغسون التي يقطنها أغلبية سوداء بلغت نسبة حالات التفتيش للأفروأمريكيين 92%، ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات من بينهم إلى 93% لعام 2013، ذلك رغم أن الشرطة أقرت بأن 34% من عدد المخالفات ارتكبها البيض مقابل 22% فقط ارتكبها السود، وهو التجاوز الذي امتد لباقي الولايات.

بين عامي 1980 و 2008 قتل 84% من الضحايا البيض و93% من الضحايا السود على يد أشخاص لهم نفس لون البشرة، وعلى الرغم من تقارب نسب جرائم القتل إلا أن أكثر من ثلاثة أرباع ضحايا المحكوم عليهم بالإعدام منذ عام 1976 هم الضحايا البيض، وهو السبب في الحادثة الأخيرة دون الالتفات إلى أن ما يقرب من نصف ضحايا جرائم القتل هم من السود.

الأقلية الأمريكية الفقيرة والتي يعيش منها 27.2% تحت خط الفقر مقابل 15% لجميع الأمريكيين لم تشهد مساواة في العمل، فمعدل البطالة بين الأفروأمريكيين يبلغ ضعف ما هو عليه بالنسبة للبيض، أما أجورهم لنفس الوظائف التي يشغلها البيض إذا وجدوا الفرصة لها، فمتوسط الدخل الأمريكي هو 51 ألف دولار، ولكنه 33 ألف دولار للعائلة السوداء.

وهنا كان الفقر الذي يعيشه الأفارقة في أمريكا أشد الأسباب ليسجلوا أعلى معدلات الوفاة في 2009 بسبب النوبات القلبية والسكتة الدماغية والسرطان والسكري، مع انخفاض متوسط عمر الفرد بينهم عن الشخص الطبيعي، واستمرارهم بالعيش في الأحياء الفقيرة دون القدرة على الاقتراض أو تكوين ثروة تعزز من بقائهم بالمجتمع أو على الأقل تحميهم من الأعاصير مثلما حدث في إعصار كاترينا؛ حيث إن الأسود هو الضحية الوحيدة لعدم الاهتمام بإنقاذه.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد