يشهد العالم سنويًّا مئات المهرجانات في مختلف دول العالم، ما بين احتفال بمواسم الحصاد، أو قدوم الربيع، إلى الاحتفال بالآلهة بغية التقرب إليها والتبرك بها، وربما تظن أن الآلهة هنا تعني الآلهة الذكور فحسب، لكن، هناك العديد من المهرجانات التي لا تزال تقام من أجل الاحتفال والاحتفاء بإلهات مقدسات ما زلن يُعبدن، نذكر لك بعضهن في هذا التقرير.

1- مهرجان «نافراتري»: الاحتفال بـ«شاكتي» يقام 5 مرات في العام!

يعد مهرجان نافراتري الهندوسي أحد أهم المهرجانات الهندوسية التي لا يزال يُحتفل بها حتى الآن، يُقام المهرجان في الولايات الهندية الشمالية والغربية للاحتفال بالمؤنث الإلهي أو الجانب الأنثوي للآلهة الذي يسمونه «شاكتي»، يحتفل الهندوس بمهرجان نافراتري خمس مرات كل عام، لكن الاحتفال الأكبر يكون «شاراد نافراتري»، ويُقام في بدايات الخريف على مدار تسعة أيام خلال شهر أشفينا، وهو الشهر السابع من التقويم الهندوسي ويكون عادةً في التقويم الجريجوري ما بين شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، وقد يكون الاحتفال ثمانية أيام فقط في بعض الأعوام لأنه يعتمد على التقويم القمري.

الاحتفال بمهرجان نافراتري في الهند

الاحتفال بمهرجان نافراتري في الهند. مصدر الصورة: رويترز

عادةً ما تُخصص ليالي المهرجان التسع لجوانب مختلفة من مبدأ المؤنث الإلهي، أو شاكتي، ورغم وجود اختلافات، فإنه عادة ما يركز الثلث الأول من المهرجان على الاحتفال بالإلهة دورجا، والثلث الثاني بالإلهة لاكشمي، والثلث الأخير بالإلهة سارسفاتي، يحتفل البعض بالمهرجان بالصيام والتفكير الديني، بينما يتمحور احتفال آخرين حول الرقص والولائم، وغالبًا ما تُقدم القرابين للآلهة.

في البنغال وآسام والولايات الهندية الشرقية الأخرى، يُعرف المهرجان باسم دورجا بوجا، ويزيد عدد أيام الاحتفال على 10 أيام، كما أنه مخصص فقط للاحتفال بانتصار الإلهة دورجا على رأس الشيطان ماهيشاسورا، والإلهة دورجا تعد نموذجًا لتجسيد الجانب الأنثوي للآلهة، وهي الإلهة العليا في الهندوسية، ويُعتقد أنها مانحة الإشباع الديني والدنيوي، كما أنها الوجه القوي المحارب للشياطين للإلهة بارافاتي زوجة شيفا.

خلال المهرجان يتعبد الهندوس يوميًّا لصور دورجا التي تصور انتصارها على رأس الشيطان ماهيشاسورا، وتنتهي الاحتفالات مع اليوم العاشر للنصر، وسط ترانيم عالية وقرع طبول، وتُنقل الصور المقدسة في مواكب ضخمة إلى الأنهار المحلية، حيث تنغمس فيها، ويرمز هذا الطقس إلى مغادرة الإلهة إلى منزلها وإلى زوجها شيفا في جبال الهيمالايا.

أما عن الأسطورة التي تجعل الإلهة دورجا مقدسة، فتبدأ منذ أن منح الإله براهما، وهو من أعظم آلهة الهندوس، قوة الخلود للشيطان ماهيشاسورا بشرط ألا تكون هزيمته إلا على يد امرأة، وحينما أمِن الشيطان الهزيمة، هاجم العوالم الثلاثة (الأرض والسماء والنار)، ولم تقدر الآلهة على ردعه، وهنا طلبوا من عظام الآلهة (براهما وفيشنو وشيفا) أن يساعدوهم على هزيمة الشيطان ماهيشاسورا.

هنا، وضع الإلهان براهما وشيفا قواهما العظيمة معًا في المرأة التي خلقها الإله فيشنو لتتمكن من هزيمة الشيطان وكانت الإلهة دورجا هي هذه المخلوقة الجيدة ذات البأس. استمرت دورجا في محاربة ماهيشاسورا الذي كان يتخذ أشكالًا متعددة لإرباكها، وحينما أخذ شكل جاموس، تمكنت دورجا من اختراق صدره بسلاح متشعب مما تسبب في قتله على الفور.

2-  مهرجان إلهة القمر: ولائم ومصابيح تضيء السماء وإجازة رسمية

مع اكتمال قمر الشهر الثامن في التقويم القمري، ترتفع الفوانيس المبهرة بمختلف الأشكال والأحجام لتضيء سماء الصين أثناء الاحتفال بمهرجان كعك القمر أو كما يعرف بمهرجان منتصف الخريف.

ولأن المهرجان يعد ثاني أهم المهرجانات الصينية التقليدية بعد مهرجان العام القمري الجديد، تحتفل العائلات الصينية بالمهرجان بتحضير الولائم، ويحمل الأطفال الفوانيس في الشوارع، وتمتلئ المتاجر بكعك القمر بنكهاته المتعددة، ويكون اليوم التالي إجازة رسمية في هونج كونج، بينما تمتد الإجازة إلى ثلاثة أيام في مدن أخرى.

يرتبط المهرجان بأسطورة الإلهة تشانغ؛ إلهة القمر، وتروي حكايتها تعرض الأرض منذ زمن بعيد للجفاف الشديد لأنها كانت محاطة بعشر شموس، إلى أن تمكن رامي السهام العظيم «هو يي» من إسقاط تسع شموس لينقذ الأرض، وحينئذ، كافأته ملكة السماء بإكسير الخلود الذي يحوله إلى إله حينما يشربه، فأخذه الصياد إلى زوجته تشانغ إي، وطلب منها أن تخفيه.

حينما ذهب هو يي في رحلة للصيد، أراد أحد الأشرار ويدعى «فنغ منغ» سرقة الإكسير من المنزل، ولم تجد تشانغ إي أي طريقة لمنع السرقة سوى شرب جرعة إكسير الخلود، فتحولت إلى إلهة، وصعدت إلى السماء، ولأنها أرادت القرب من زوجها، اختارت القمر منزلًا لها؛ لذا، حينما يكتمل القمر، يحتفل الناس بالمهرجان ويعدون الأطعمة التي كانت تحبها تشانغ إي.

3-مهرجان إلهة الأرض الأم: بطاطا مقلية واستحمام في الأضرحة المقدسة

يحتفل شعب غانا في غرب أفريقيا بحلول العام الجديد على مدار 13 يومًا، يقيمون خلالها حفلات الرقص لإبعاد الشر، واستقبال عام جديد، ويدعون خلالها الإلهة آلا، إلهة الأرض الأم، ويشعلون لها الشموع النذرية. كما أنهم يستحمون في الأضرحة المقدسة بما فيها أضرحة آلا، خلال اليوم الأخير من الاحتفالات للتخلص من الذكريات السيئة للعام السابق.

يرمز شعب غرب أفريقيا إلى آلا على أنها إلهة الأرض الأم، وأنها جالبة الحظ والحصاد والفرح، وإليها ينتهي كل شيء حتى الموت، فهي تمثل دورة مواسم الأرض الكاملة من الولادة إلى الموت. ولأن البطاطا أحد الرموز المخصصة للإلهة آلا، يتناول المحتفلون البطاطا المقلية خلال وجبة العشاء أيام الاحتفالات لجلب الفرح والحظ السعيد ودفء الأجواء.

وينظر أيضًا شعب الإيغبو في نيجيريا إلى الإلهة آلا على أنها أم كل شيء، فهي الأرض الخصبة والحقول الفارغة في الوقت ذاته، كما أنها توجد في بداية دورة الحياة فتجعل الأطفال ينمون في بطون أمهاتهم، وموجودة كذلك في نهاية دورة الحياة، فتستقبل أرواح الموتى في رحمها.

4- مهرجان «فاسنت بانشمي»: بدء تعليم الأطفال القراءة والكتابة

يحتفل الهندوس في دول جنوب شرق آسيا (الهند، وبالي، وكمبوديا، وتايلاند، وفيتنام) بمهرجان فاسنت بانشمي للتعبد للإلهة ساراسواتي؛ إلهة المعرفة والفن والإبداع، يُقام المهرجان في اليوم الخامس من شهر ماغ الهندي، ويتزامن مع أحد أيام الفترة بين شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) في التقويم الميلادي، ويُعتقد أنه اليوم الذي ولدت فيه ساراسواتي.

من أهم ما يميز يوم الاحتفال بدء الناس في تعليم أولادهم قراءة وكتابة كلماتهم الأولى لاعتباره اليوم الأمثل لبدء إرساء أسس التعلم لأنه يحتفل بإلهة المعرفة التي تمثل التنوير وبدونها سيغرق العالم في الجهل، كذلك، يحتفظ الطلاب بدفاترهم وأقلامهم وموادهم التعليمية ومستلزماتهم الفنية بالقرب من تمثال الإلهة ساراسواتي، وتقيم جميع المؤسسات التعليمية الهندوسية صلاة خاصة بإلهة المعرفة في هذا اليوم.

صورة من مهرجان فاسنت بانشمي للاحتفال بالإلهة ساراسواتي

صورة من مهرجان فاسنت بانشمي للاحتفال بالإلهة ساراسواتي. مصدر الصورة: فليكر

يمثل المهرجان بداية الربيع، وتتفتح أزهار الخردل الصفراء، وتملأ الأرض، لذا يكون اللون الأصفر سائدًا ليرمز للرخاء والتفاؤل والطاقة، ويرتدي الناس ملابس صفراء ويقدمون الزهور الصفراء للإلهة ساراسواتي، ويضعون كركم أصفر على جبينهم، كذلك، يغطي المصلون تماثيل ساراسواتي بالساري الأصفر.

ووفقًا للأساطير الهندية، فإن الإله براهما بعدما خلق الكون أراد أن يجوبه ويشاهد كل ما فيه، لكن سرعان ما أصيب بخيبة أمل من الصمت الذي يعم الأرض، فخلق ساراسواتي، وطلب منها أن تعزف على القيثارة حتى تملأ أصوات الموسيقى أرجاء الأرض، ولا تصمت بعد ذلك.

مجتمع

منذ 6 شهور
تمنح «الوعي الجمعي» قوةً وثباتًا.. هكذا بدأت طقوس الاحتفال عند البشر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد