هذا المقال كتبه «برايان ماكوين» الباحث في جامعة أوكسفورد في 21 من يناير المنقضي، وقبل حادثة المصريين الأخيرة في ليبيا، يلقي من خلاله الضوء على ما يراه أساطير في تفسير الصراع الليبي، وأخطاء وسائل الإعلام العالمية – عن عمد أو جهل- في الانحياز لبعض أطراف الصراع، وتصوير البعض على غير صورتهم الحقيقية.

هل يمكن أن يكون هناك أمل في تجنب تفتيت ليبيا؟، ربما لا يزال الأمل قائماً بفضل الوساطات، لكن التغطية الإعلامية للصراع القائم هناك تغذي هذا السيناريو في الواقع من خلال إدامة التركيز حول 3 أساطير تزيف حقيقة الصراع الدائر.

عادة ما تصف التقارير الصراع في ليبيا على أنه حرب بين مجموعتين، على أحد الجانبين يصطف المناهضين للإسلاميين تحت لواء الحكومة (المعترف بها دولياً)، ومقرها في مدينة طبرق في الشرق، وفي الجانب الآخر يصطف الإسلاميين المتشددين، الذين يسيطرون على الحكومة في طرابلس، هذا التبسيط يصب في صالح المتشددين على كلا الطرفين، ويصب في صالح تعميق الصراع، ويجعل عملية تسوية الصراع عبر التفاوض أقل احتمالاً، والحقيقة أن العملية معقدة بحق.

الأسطورة الأولى: الصراع يدور بين طرفين

التغطية الدولية للأوضاع في ليبيا تفترض أن القرار يتم صنعه من أعلى إلى أسفل كما في الدول التقليدية في الغرب مثلاً، لكن في الواقع فإن المجموعات السياسية في ليبيا تنتظم في هياكل شبكية أكثر من كونها تنظيمات هرمية تقليدية ذات قيادة نافذة، حيث لا يمثل فيها القائد إلا أحد الأصوات وتسعى فيما بينها لإيجاد توافق حول الآراء والقرارات.

مع نهاية الثورة في عام 2011، كان هناك كان هناك أكثر من 236 مجموعة قتالية تعمل في مصراتة، ثالث أكبر المدن في البلاد، كل مجموعة كانت تمتلك قيادة وهوية مستقلة، ويتراوح أعداد المنتظمين ضمن صفوفها من 9 أشخاص إلى 1727 مقاتلًا، على الجبهة الغربية لمصراته كان هناك 146 مجموعة تنسق بينها في عمليات الهجوم والدفاع، وكان هناك ما بين 14 إلى 20 قائداً يتخذون القرار بشكل تشاركي.

تعمل الأحزاب والمجموعات السياسية في ليبيا بطريقة مماثلة، يتم اتخاذ القرار بالتوفيق بين قوى وآراء تحمل أوزناً نسبية متقاربة، الائتلاف المسيطر على طرابلس والمعروف باسم (فجر ليبيا) هو في الحقيقة عبارة تحالف مؤقت بين العشرات من الفصائل السياسية والمئات من المجموعات العسكرية، لكل منها هويته واهتماماته الخاصة.

لا يختلف الأمر كثيراً في طبرق، حيث تدير الحكومة تحالفاً من الفصائل السياسية والعسكرية التي تحمل مصالح متباينة، بل ومتعارضة في بعض الأحيان، وحتى داخل القوات العسكرية هناك العديد من الانقسامات، ما يتم وصفه إعلاميا ب«الجيش الوطني الليبي» هو في الحقيقية عبارة عن ائتلاف من الميليشيات المحلية ذات الميول الفيدرالية (الانفصالية)، والاتحادات القبلية كقبائل الزنتان، والفصائل العسكرية الساخطة، وبقايا العسكريين من عصر القذافي.

لا ينبغي النظر إلى الصراع بوصفه صراعاً بين كتلتين متماسكتين، قادة التحالفات يصورون أنفسهم على أنهم مجموعات متماسكة قدر المستطاع، ولكن في الوقاع فإن هذا التصور غير حقيقي بالمرة.

الأسطورة الثانية: الصراع يدور حول قضايا وطنية

عبر محاولة فهم الشبكات ومحددات العلاقات بين الجماعات المسلحة المختلفة في ليبيا يمكننا أن نقول أن اهتمامات ومخاوف هذه المجموعات هي في الأغلب محلية ومصالحية  أكثر منها وطنية، ربما ظهرت الثورة في عام 2011 على أنها انتفاضة وطنية ضد نظام القذافي، لكنها في الواقع كانت أشبه بسلسلة من الثورات المسلحة المستقلة في كل مدينة، كل منها كان يحمل خلفية تاريخية وسياسية مختلفة بشكل ما.

العنف الدائر في ليبيا مناطقي بشكل ما، الاضطرابات في جنوب ليبيا على سبيل المثال يتحكم بها اثنان من الأقليات العرقية هما «التبو» و«الطوارق»، حيث التنافس على طرق التهريب والسيطرة على المنشآت النفطية.

بالمثل فإن محاولة تصوير الاشتباكات التي تدور في بنغازي على أنها صراع بين مجموعات اللواء «خليفة حفتر» وبين مجموعات من المتشددين ذوي الميول الإسلامية هي رؤية ضيقة ومحدودة إلى حد كبير.

الأسطورة الثالثة: مواجهة بين المعتدلين والمتشددين «الإسلاميين ومناهضي الإسلاميين»

بمساعدة من بعض وسائل الإعلام الحزبية والصحافة الدولية (الجاهلة بالوضع بشكل ما)، نجح «حفتر» في تسويق خصومه في صورة المتطرفين الإسلاميين، مساوياً بذلك بين الدولة الإسلامية وبين القادة العسكريين في مصراتة وهذا التصوير يبدو هزلياً جداً.

تركيز وسائل الإعلام العالمية على تلك الصورة التبسيطية المخلة التي تصور الأمر على أنه قتال ضد المتطرفين الإسلاميين ينضوي على إشكالية كبرى، ويقول العديد من قادة مصراته أنهم  يتفهمون التهديد الذي تتعرض له ليبيا من قبل الجماعات المتطرفة.

هناك درجات متفاوتة من المحافظة عند الجماعات السياسية والعسكرية على جميع الأطراف، القادة في مصراته تعترفون أن كثيراً من أعضائهم هم من ذوي النهج المحافظ، ولكن كما أوضح أحد هؤلاء القادة، فإن هناك بعض المجموعات الأكثر تحفظاً ولكنها تؤمن بالديمقراطية وهذا هو المهم، قبل أن يؤكد أن الأكثر المحافظين الدينيين في ليبيا هم أقل تعصباً من بعض الجمهوريين المتواجدين في الكونجرس.

العديد من القادة في ليبيا ينتمون إلى الوسط، ويبذلون جهوداً للتقريب بين المتطرفين على الجانبين، ولكن الخطاب القائم يصب في مصلحة المتشددين حيث يوظفونه من أجل طموحاتهم الشخصية للسيطرة على السلطة.

إن التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض هو الأمل الوحيد في ليبيا في هذه المرحلة، وبدونه سيتصاعد العنف، وعلى وسائل الإعلام أن تحرص على تغطية متوازنة تمكن المعتدلين من جميع الأطراف وتعزز فرصهم في النجاح، ومن المهم أن نركز أكثر على جهود الوساطة التي ربما إذا فشلت الآن فلن تقوم لها قائمة من جديد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد