ظل الحديث عن فساد ورشاوى الفيفا مجرد حديث لمشجعي الكرة حول العالم، لا دليل واضح يدحض إمبراطورية “بلاتر” وموظفيه في الفيفا منذ توليه للمنصب في 1998 وترشحه للمدة الخامسة وفوزه بها بعد انسحاب منافسه الأمير علي بن حسين، وبعد انسحاب اللاعب البرتغالي السابق لويس فيجو ومايكل فان براج رئيس الاتحاد الهولندي في وقت سابق قبل بداية الانتخابات.

تفجرت قضية رشاوى تم فيها القبض على 6 من كبار مسئولي الفيفا في سويسرا وتسلميهم لنيويورك بناءً على طلب مكتب النائب العام بنيويورك للتحقيق معهم بشأن اشتباههم في الحصول على رشاوى وأجزاء من رواتب العاملين منذ أوائل التسعينيات حتى الآن.

وفي نفس السياق، كان حصول قطر على تنظيم كأس العالم وفوز ملفها بحق تنظيم المونديال من وسط 4 ملفات لدول أخرى وهي الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.

وبعد فوز قطر بحق التنظيم وتفجير قضايا الرشاوى، هناك جانب لا يتطرق إليه الكثيرون وهو الخسائر البشرية لتنظيم المونديالات وضرورة الالتزام بتحقيق الملف المُقدّم كاملًا، والذي يعود بالخسارة الفادحة على العمال المنوط بهم استكمال تنفيذ الملفات المقدمة للفيفا على أرض الواقع.

وهنا استعراض لبعض أحوال العمال في الدول المنظمة لكأس العالم بدءًا من مونديال جنوب أفريقيا وحتى مونديال قطر 2022.

مونديال قطر 2022 والموت المجاني للعمالة المهاجرة

وفقًا لتحقيق أجرته الجارديان العام الماضي عن العمال المهاجرين المشاركين في تشييد البنية التحتية استعدادًا لمونديال 2022 في قطر فإن عامل نيبالي الجنسية يلقى حتفه كل يومين جراء عمله استعدادًا للمونديال، وبين العامين 2012 و2013 فإن 964 عاملًا من جنسيات مختلفة “الهند ونيبال وبنجلاديش” قد لقوا مصرعهم.

ووفقًا لتقرير للاتحاد التجاري العالمي الكونفيدرالي فإن حوالي 1200 عامل قد لقوا مصرعهم حتى الآن، وبحلول عام 2020 قد يصل العدد إلى 4000 قتيل.

يُقدّر عدد العمال الأجانب في قطر بما يقرب من مليون ونصف المليون شخص.

وعلى الرغم من الوعود المتكررة لقطر بتحسين ظروف العمال المهاجرين لديها إلا أن تقدمًا لم يحدث في هذا الشأن، فنظام الكفالة ما زال ساريًا على هؤلاء العمال، النظام الذي لا يضمن أيًّا من الحقوق للعامل المهاجر ويعطي لكفيله الحق بسحب جواز سفره وعدم قدرة العامل على ترك العمل أو التنقل داخل قطر دون القبض عليه، في 2013 قامت الجارديان بعمل تحقيق – غير التحقيق المذكور في الأعلى- عن العمالة المهاجرة وبعدها خرجت قطر ووعدت بتحسين أوضاع العمال وهو ما لم يحدث حتى بعد التحقيق الثاني.

يضطر العمال المهاجرون للعمل لساعات طويلة في درجات حرارة تصل إلى 50 درجة، في تحقيق للجارديان في 2013 وصّفت الصحيفة حال العمالة النيبالة بـ”العبودية”، وأضافت أنه في الفترة بين 4 يونيو وحتى 8 أغسطس – من عام 2013- لقى ما يقرب من 44 عاملًا مصرعهم، أكثر من نصفهم بسبب أزمات قلبية أو حوادث في أماكن العمل. وكشف التحقيق عن عدة نقاط – رصدتها تقارير أخرى على أن هذه الممارسات ما زالت تحدث- أولها أنه يتم إجبار العمال على العمل في عمليات البناء والتشييد الخاصة بكأس العالم، وعلى لسان بعض العمال النيباليين قالوا إنه لم يتم دفع رواتبهم منذ أشهر وأنه يتم تأخير هذه الرواتب عن قصد لمنعهم من الهروب وترك العمل، يصادر الكفيل جوازات سفر العمال ويرفض عمل بطاقات هوية لهم وذلك بغرض جعلهم مهاجرين غير شرعيين؛ فيصعب عليهم التنقل وترك العمل، بعض العمال قالوا إنه تم رفض طلبهم لشرب المياه أثناء عملهم في الصحراء.

وجاء تقرير منظمة العفو الدولية في 21 مايو 2015 بعنوان “وعود كثيرة وإنجازات متواضعة: قطر والانتهاكات المرتكبة بحق العمالة المهاجرة قبيل تنظيم بطولة كأس العالم 2022” حيث ناقش التقرير 9 نقاط كانت قد تم إثارتها من قبل، وتناول أي النقاط قد حققت تقدمًا ولو طفيفًا فيها وأي نقاط لم يحدث فيها أي تقدم، وعبرت المنظمة عن أن أملها في تحقيق أي تقدم يخص هذا الملف بدأ “يتلاشى” وذلك بعد مرور عام على تعهدات الحكومة القطرية بتنفيذ إصلاحات وتحسين من أوضاع العمالة المهاجرة، ذكر التقرير أن 5 مسائل من أصل 9 قد حدث بهم تغير طفيف في حين أن 4 مسائل لم يتم المساس بهم.

والأربع مسائل التي لم يتم المساس بها ولا إحداث أي تقدم ملموس بها هي: تصريح السفر (كفالة الخروج) والقيود المفروضة على تغيير رب العمل بموجب نظام الكفالة، وأشكال الحماية المتاحة لعاملات المنازل وحرية تشكيل النقابات العمالية أو الانضمام إليها – وفقًا لأمنيستي-.

ويرجع “مصطفى قادري” الباحث في شؤون العمال المهاجرين في الخليج بمنظمة العفو الدولية – في تقرير على موقع المنظمة- أن غياب تحقيق ما تعهدت به الحكومة يرجع إلى عدم وجود خارطة طريق واضحة ومحددة بوقت زمني للتصدي للإساءة التي يتعرض لها العمال.

ومن الإصلاحات التي بدأت الحكومة القطرية بالعمل على حلها بالنسبة للعمالة المهاجرة ولا زال العمل جاريًا عليها مجال استحداث نظام إلكتروني للأجور يكفل تغيير طريقة استلام العمال المهاجرين لرواتبهم.

وأضاف “قدري”: أنه وبعد مرور عام ونصف على كشف المنظمة للانتهاكات في حقوق العمالة المهاجرة إلا أن الإصلاحات التي قامت بها الحكومة القطرية تكاد تكون غير ملموسة وأنه لم يتم فعل الكثير للتصدي لظاهرة استغلال العمال وأنه من المتوقع وصول العمالة المهاجرة إلى 2.5 مليون عامل وهو ما يجعل الحاجة للإصلاح “أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى”.

البرازيل وكأس العالم 2014… كأس العالم فوق مصالح الفقراء

شهدت البرازيل قبيل كأس العالم في 2014 العديد من التظاهرات المعارضة لإقامة كأس العالم بالبرازيل، والتي قامت إثرها الشرطة بالتعامل العنيف مع المتظاهرين المعارضين للإنفاق الكبير على كأس العالم وترك الخدمات التي يحتاجها المواطنون، وظلت المظاهرات السلمية طوال الفترة قبل إقامة كأس العالم وحتى في أوقات إقامة المباريات، ووفقًا لهيومان رايتس ووتش فإن اعتداءات الشرطة على “التظاهرات السلمية” كانت غير مبررة وأصابت العديد من المتظاهرين السلميين وأصابت ما يقرب من 5 صحفيين كانوا يؤدون مهتهم في تغطية الأخبار، وأنه حتى باستخدام المتظاهرين لبعض أشكال العنف مثل رمي الحجارة على قوات الشرطة أو القيام بأحداث شغب فيجب على الشرطة التعامل بضبط النفس مع المتظاهرين.

جنوب أفريقيا وكأس العالم 2010.. لا مكان للفقراء والمشردين

إثر تنظيم جنوب أفريقيا لكأس العالم لعام 2010 وللمطابقة للشروط التي وضعتها الفيفا، قامت قوات الأمن بطرد العديد من الباعة الجائلين والمشردين واللاجئين القاطنيين بأماكن ذات كثافة سكانية عالية، ذلك بالإضافة إلى عمليات القبض العشوائي والاعتداءات المتكررة عليهم، وتحطيم الأماكن التي يعيشون فيها، وفي مايو 2010 تظاهر الباعة الجائلون أمام مبنى الفيفا المحلي مطالبين بإنهاء طردهم من منازلهم والمعاملة التي يلقونها في الحملة التي كانت معروفة بـ”تنظيف الشوارع من أجل كأس العالم”.

اندلعت عدة مظاهرات ضد الحكومة لعدم قدرتها على توفير الخدمات العامة داخل الأحياء الفقيرة وقوبلت بالعنف، وعلى خلفية الشروط التي تضعها الفيفا للدول المنظمة ووجود تحديات اقتصادية كبيرة أمام جنوب أفريقيا ووجود نسب بطالة عالية، ظل الصراع محتدمًا. وبعد قيام منظمة العفو الدولية بعمل حملة لمحاربة الإيدز وتسهيل الوصول إليه للجميع، قامت الحكومة بعمل حملة أيضًا استعدادًا لكأس العالم، وهو ما تمنت منظمة العفو الدولية أن تكون الحكومة جادة في أمر هذه الحملة كجديتها في تناول أمر كأس العالم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد