تعتقد روسيا أنها صاحبة الحل والرؤية الثاقبة في الشأن السوري، لا سيما بعد طلب رئيس النظام السوري بشار الأسد دعما عسكريًا من موسكو في سبتمبر (أيلول) 2015، فألمحت بعد تدخلها بأشهر عبر نائب وزير خارجيتها عن إمكانية إنشاء جمهورية فيدرالية، في حال توافقت الأطراف المشاركة في المفاوضات بشأن سوريا، هذا التصريح فُسر مؤخرًا بمدى استفادتها من الفصائل التي دخلت في اتفاق التسوية بجنوب سوريا، وانخرطت ضمن تشكيل الفيلق الخامس لإيجاد نفوذ لها، يوازن النفوذ الإيراني في الجنوب وترسيخ قوى معارضة لتهديد كيان الأسد في مرحلة ما.

مباركة القوات الروسية للفيلق الخامس في محافظة درعا، أثارت حفيظة أمين سر مجلس الشعب السوري خالد العبود، فأصدر بيانًا دعا فيه روسيا إلى التوقف عن دعمها للجماعات المسلحة التي هي جزء من اتفاق المصالحة المحلية حول درعا، وإلغاء الاتفاق معها بالكامل، لكن الرياح جرت بما لا يشتهيه العبود، فحليف النظام أعطى الفيلق الخامس صك الشرعية.

الحصول على الشرعية من روسيا

لعل السؤال الذي يخطر في ذهن القارئ هو كيف حصل الفيلق الخامس على شرعيته في ظل وجود النظام السوري، هنالك عدة مراحل مرت على (الفيلق الخامس) حتى وصل إلى مرحلة الشريك المحلي لروسيا في الجنوب، حتى أن أمر الحكم المحلي بات يتناقله الكثير من الأهالي، وعطفا على ذلك بدأ الشباب يتوافدون أفواجا إلى مقرات الفيلق للانضمام إليه، فتشكيل الفيلق في جنوب سوريا نشأ إبان سيطرة قوات النظام السوري على مدينة درعا بدعم من القوات الروسية والميليشيات الإيرانية، وانتهت بتوقيع اتفاق مع فصائل المعارضة في أغسطس (آب) 2018 كان أحد بنوده انضمام الأخيرة في جسم واحد تحت مسمى (الفيلق الخامس) وعُين أحمد العودة قائدًا له؛ وهو ذاته الذي كان يقود فصيل (قوات شباب السنة) التابعة للجبهة الجنوبية المعارضة.

اتخذ الفيلق الخامس مدينة (بصرى الشام) البعيدة عن مركز محافظة درعا مسافة 45 كم شرقًا، مقرًا رئيسيًا له، واستمر وجوده بشكل اعتيادي حتى حادثة (كحيل) التي صعدت ظهور الفيلق، إذ بدا غريبا إعلان القائد (العودة) عن تشكيل جسم عسكري موحد لمنطقة جنوب سوريا (حوران) في مراسم عزاء لقتلى عناصره بتفجير عبوة ناسفة خلال عودتهم من مدينة اللاذقية إلى درعا، حيث قيل إنهم كانوا في مهمة قتالية مع قوات النظام. الإعلان الذي أخذ صبغة التهديد للعابثين بأمن المنطقة، رآه عدد من الأهالي خطابًا لكسب عاطفة الشباب وتشجيعهم على الانخراط ضمن صفوف الفيلق.

وقعت الحادثة في 20 من يونيو (حزيران) الماضي، جراء استهداف مجهول لحافلة مبيت تضم 40 عنصرًا من عناصر الفيلق، قُتل على إثرها 10 عناصر وأصيب 25 آخرين بجروح متفاوتة، وفي اليوم التالي خرج مئات الأهالي في مظاهرة ترافق تشييع القتلى وتوسطهم أحمد العودة وهم يرددون هتافات تطالب بإسقاط نظام الأسد وخروج ميليشيا (حزب الله) اللبناني والميليشيات الإيرانية من جنوب سوريا.

ودون سابق إنذار نصبت منصة في ساحة خيمة العزاء ليعتليها (العودة)، ويلقي من خلالها خطابًا أعلن فيه عن تشكيل جيش واحد لمنطقة جنوب سوريا، قائلًا: «قريبًا ستكون حوران جسدًا واحدًا، وجسمًا واحدًا، وجيشًا واحدًا، وهذا التشكيل لن يكون لحماية حوران فقط، إنما الأداة الأقوى لحماية سوريا»، وأشار إلى تشكيل قوة تنفيذية من كافة مناطق درعا للدفاع عنها ضد أي اعتداء دون الإشارة للجهة التي قصدها في كلمته.

الدعوة إلى التجنيد

بعد سبعة أيام من الحادثة وتحديدًا في 27 يونيو (حزيران) استفاق الأهالي في درعا على هجوم شنه عناصر الفيلق الخامس على عدة حواجز تابعة لقوات النظام السوري منها (حاجز في بلدة محجة بريف درعا الشرقي، والحواجز المنتشرة على طريق بلدات كحيل وصيدا)، وأسفر الهجوم عن عدة قتلى من جنود قوات الأسد أبرزهم الرائد علي يوسف معلا من مرتبات الفرقة الخامسة.

يقول الناشط الإعلامي، وائل غسان – طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي – لـ«ساسة بوست»: «عقب الهجوم الذي شنه الفيلق أرسل (أبو طارق) القيادي السابق في الجبهة الجنوبية تسجيلًا صوتيًا على برنامج الواتس يسرد فيه نتيجة الاجتماع الذي دعا إلية أحمد العودة؛ إذ تمخض الاجتماع عن عرض بانضمام جميع الشباب المتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، والمنشقين عن الجيش السوري، والمقاتلين السابقين في فصائل المعارضة، إلى صفوف الفيلق الخامس».

وأضاف غسان «أن الاجتماع الذي جرى في مقر (العودة) وضع آلية للتسجيل، بداية يبدأ كل قائد فصيل بجمع الأسماء الثلاثية للمتقدمين بالانضمام لصفوف الفيلق ضمن منطقته، مع جلب ثلاث صور شخصية إضافة لصور الوثائق الرسمية والثبوتية لكل شخص، مع التنويه على منع استقبال أي طلب مقدم من أشخاص لم يبلغوا سن الثامنة عشر، وعند اكتمال القوائم يتم إرسالها لقيادة الفيلق لرفعها إلى القوات الروسية، والتي ستقوم بعمل دراسة عن كل شخص قبل تأكيد الموافقة قبوله ضمن التشكيلات الجديدة».

وحسب القيادي (أبو طارق) فإن العودة أفصح لهم عن تسمية التشكيل الذي سيندرج تحت الفيلق الخامس بمسمى (اللواء الثامن)، حيث سيخضع المقبولون فيه إلى معسكر تدريبي لمدة 15 يومًا، يليها توزيع المتخرجين كلٍّ إلى منطقته التي ينحدر منها وتصرف له بطاقة خاصة بالفيلق الخامس؛ تُحصن حاملها من الاعتقال أو المسائلة من قبل حواجز قوات النظام أو الأفرع الأمنية التابعة لها، كما توكل إليهم مهام جديدة منها الحراسة وحماية الممتلكات العامة، وتنظيم السير، إضافة لمرتب شهري تقره القوات الروسية لاحقًا.

احتفال عسكري بحضور روسي

وبوتيرة متسارعة تفاجأ العديد من السوريين والمهتمين بالشأن السوري دوليًا في 30 يوليو (تموز) الماضي بإذاعة عرض عسكري في ساحة القلعة بمدينة بصرى الشام، توسط الحضور قائد الفيلق الخامس أحمد العودة، واللافت الأبرز كان حضور وفد من القوات الروسية بدا كأنه أذان بشرعية الفيلق الخامس وتأكيدًا بالدعم المباشر من قبل روسيا.

وفي حديثه لـ«ساسة بوست» يقول أبو محمد البطين، عضو لجنة المفاوضات في درعا: «تلقيت اتصالًا من (العودة) يطلب منا المجيء لحضور حفل تخريج الدفعة الأولى من عناصر اللواء الثامن واسمها دورة (شباب حوران) العسكرية؛ لكن عند حضورنا كان اللافت وجود القوات الروسية، وعدد لا بأس به من وجهاء درعا، في حين استمر العرض لأكثر من نصف ساعة وكأن المدينة دولة مستقلة بحد ذاتها».

يظهر الفيديو الذي بث على الإنترنت مئات المقاتلين المرتدين الزي العسكري، والملفت أن البداية كانت بالنشيد السوري الرسمي وتوشح الأعمدة بعلم النظام السوري، وهو على غير عادة المعارضة السورية التي اتخذت من علم الانتداب شعارًا لها، فبدأ عرض بعدد من العناصر بصفوف متساوية، ثم تلاه عرض للقدرات الفردية للمقاتلين المتدربين، «وعلى ما يبدو أن ما جرى إشارة جدية من قيادة الفيلق وروسيا للجميع بأن مرحلة جديدة قد بدأت في جنوب سوريا»، حسب البطين.

ملامح القوة الجديدة ظهرت بعد عدة أيام من الحفل العسكري؛ إذ أرسلت قيادة الفيلق عدة بيانات للوجهاء والمراكز المدنية والأمنية بالمدن والبلدات في درعا تطلب منهم التعاون العسكري مع القيادة العامة للفيلق وعناصره وإعطاء مهلة زمنية مدتها 20 يومًا للاستجابة، مبررًا ذلك الطلب لحماية المنطقة والقاطنين فيها، مع توجيه أوامر للحواجز التابعة له بنزع لثام أي شخص داخل المدن، وإزالة التظليل عن زجاج السيارات، وحجز الدراجات النارية لمخالفي قواعد السير. 

وأوعزت الرسالة أن الفيلق سينشأ 15 نقطة حراسة ليلية في كل مدينة تبدأ مهمتها من الساعة من الساعة الحادية عشرة مساءً إلى الساعة السابعة صباحًا، مع تفعيل دوريات جوّالة داخل المدن وطرقها. هذه الرسالة اعتبرها البطين إشارة باستلام اللواء الجديد مفاصل الحياة الأمنية في محافظة درعا وقراها، ما ينبئ ببداية حكم محلي، استُثني النظام السوري منه دون مبررات واضحة.

قديروف الجنوب.. هل تخلق روسيا حكم محلي جديد؟

التحول الكبير في خطوات الفيلق الخامس فجر «ثريد» من التغريدات لعضو مكتب توثيق الشهداء في درعا عمر الحريري، الذي اتهم أحمد العودة بمحاولة زرع فكرة أن روسيا هي الصديق، وأن إيران هي العدو فقط، لافتًا «أن ميليشيات إيران تسرح وتمرح في درعا ووجود أحمد العودة ساعد قوات النظام وروسيا كثيرًا عبر تدخله كوسيط تهدئة ضد أي تحرك من الفصائل كما جرى في ريف درعا الغربي».

ورأى الحريري أن ما يحصل الآن هي خطة نجحت فيها روسيا بشكل كبير، وهي خطة لإعادة صناعة وتطبيع النظام في سوريا، والآن أصبح هناك فصيل أو قوات تابعة لروسيا في درعا تأتمر بشكل مباشر من روسيا، ونجحت روسيا بتطبيعها في درعا، وتحاول أن ترسل رسالة بأن هذه القوات تحظى بالشعبية، وأن ما يجري في درعا مجرد محاولة تنفيس وتمييع للوضع الحالي لفرض الميليشيات الإيرانية لاحقًا علينا، وروسيا نجحت حتى الآن في خطة التطبيع هذه، بحسبه.

وعطفًا على ذلك يرى الصحافي محمد العويد في مقاله على موقع «نبأ» أن المؤشرات الأخيرة تشي بفرز لاعب جديد مدعوم روسيا مطلقًا عليه اسم (قديروف الجنوب) في إشارة إلى أحمد العودة، ملمحًا أن روسيا ساهمت في منع الاختراقات الأمنية بمحيط سيطرته، ومنعت كل اللاعبين من التنازع على أرضه لتهديد وجوده، فالضغط الروسي على الأسد أتى بالقبول لكل مطالبه، التي لم يكن آخرها تسوية أوضاع عشرات الضباط ومئات العناصر، أو عدم المغادرة باتجاه الشمال أو ليبيا، لكن التاريخ يفوح بالأمل للمضطرين كحال السوريين، فالفرنسيون تحملوا النازي سنوات، وحانت حريتهم بمساعدة الأمريكي، والسوريين تحملوا الفرنسي ربع قرن، حتى تحركت بريطانيا ليحين موعد حريتهم، والأمثلة كثيرة، حسب العويد.

ومن ذات المنطلق، يوضح الناشط الإعلامي غسان الذي رفض ذكر اسمه الحقيقي حرصًا على سلامته، في حديثه لـ«ساسة بوست»، «أن ارتياحًا شعبيًا من قبل الأهالي في الجنوب السوري يساورهم نتيجة الظهور العلني للفيلق وإمساكه بزمام الأمور وخاصة في المنطقة الشرقية، حتى أن بعض المجندين في الجيش السوري من أبناء المحافظة غادروا ثكناتهم العسكرية والتجأوا إلى قيادة الفيلق للانضمام إليه، تحديدًا بعد ضغط القوات الروسية على حكومة النظام السوري باستصدار بطائق تسوية (ورقة من فرع الأمن القومي لإزالة جميع الدعاوى الأمنية بحق حاملها لتسهيل حركتهم على حواجز الجيش السوري)».

دولي

منذ سنة واحدة
تحت أعين الأسد.. هكذا استباح «مرتزقة بوتين» الأراضي السورية

ولأن نظام الاسد بات في نظر وليد فرضاب الكاتب اللبناني، واجهة تتحكم فيها روسيا وإيران أكثر من كونه عنصرًا فاعلًا، تتوافق الآن التوجهات الروسية مع وثيقة (عهد حوران) التي طرحت في مارس (أذار) 2017 أثناء سيطرة المعارضة السورية على محافظة درعا، والتي قدمها عدد من المحامين الأكاديميين والناشطين ولاقت رفض واسع من قبل قادة المعارضة السياسيين والعسكريين المسيطرين على القرار في ذلك الوقت، لأنها حملت في طياتها تأسيس لوضع مشروع إدارة محلية لا مركزية في محافظة درعا، وسوقت بأنها بداية لتطبيق نظام الفدرالية في سوريا، واقتربت من نظام الحكم الذاتي، ولكنها عادت اليوم بدعم روسي، حسب اعتقاد الكاتب اللبناني وليد قرضاب.

المصادر

تحميل المزيد