سقطت كامل أحياء حلب القديمة بيد قوات النظام السوري وحلفائه، حدث ذلك اليوم بعد سلسلة متلاحقة من الهجمات، أوقعت مئات الضحايا ممن لم يتمكنوا من النزوح مع 80000 نازح، وبذلك أصبحت هذه القوات تسيطر على أكثر من 75% من مساحة الأحياء الشرقية التي كانت تحت سيطرة الفصائل المعارضة.


السيطرة على حلب تشكل خطوة إستراتيجية، فقد قاتل كل من النظام السوري وفصائل المعارضة بكل ما أوتوا من قوة للسيطرة على حلب، واستمرت معركة تحرير الأرض من «أيادي نظام الأسد» كما تراها المعارضة، أو تحريرها من «الإرهابيين» كما يقول النظام، لوقت طويل، ناهيك عن المعركة الدبلوماسية التي أخذت حيز كبير من التغطية الإعلامية لوفودها وجهودها، لكن ما هي خيارات كل الجهات المقاتلة بعد هذا التطور الخطير؟ تساؤل رئيس يجيب عنه التقرير التالي.

«حلب القديمة» في جعبة النظام

سيطرت قوات النظام السوري اليوم بعد تقدم سريع على كامل أحياء حلب القديمة الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة، وهو ما يعني حصار مقاتلي المعارضة في القسم الجنوبي، وبدء عملية قضم عناصر النظام السوري لهذا القسم، فكما قالت مصادر مقربة من النظام اليوم إن قواته «حررت بشكل كامل حيي المرجة والشيخ لطفي في حلب، وتطارد المسلحين في المنطقة«.

حلب القديمة

نازحون من حلب- صورة نشرها نشطاء سوريون


لقد سقط الحي القديم، الحي السكني -الأهم في وسط القسم الشرقي-، وضهرة عواد، وجورة عواد، وكرم البيك، وكرم الجبل، لتلحق تلك الأحياء بما سقط في وقت لاحق، من أحياء، مثل حي الشيخ لطفي، وأجزاء من حي المرجة الإستراتيجي في جنوب الأحياء الشرقية.

وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن «قوات النظام والمسلحين الموالين لها تقوم بعمليات تمشيط بأحياء حلب القديمة الواقعة في القسم الأوسط من أحياء حلب الشرقية»، و أشار المرصد لـ«تمكن قوات النظام من التقدم مجددًا في شرق حلب، والسيطرة على حيي أقيول وباب الحديد شمال شرق قلعة حلب، تزامنًا مع غطاء مدفعي كثيف وغارات، وباتت بذلك قوات النظام تسيطر على أكثر من 75% من شرق حلب».

يؤكد العميد والخبير العسكري السوري أحمد الرحال أن سقوط حلب هو خسارة معنوية وعسكرية وسياسية، لكنها ليست نهاية المعركة، فلدى المعارضة مناطق وجبهات أخرى مهمة لاستمرار المعركة، ويضيف الرحال: «النظام السوري الآن لا يملك القرار، وقد كان القرار العسكري بيد طهران وحزب الله، واليوم أصبح كليًّا بيد موسكو، بدليل أنها من تعلن عما يحصل في حلب».

ويرى الرحال أن الخيار الأهم الآن بيد المجتمع الدولي والولايات المتحدة، فهم من يقع عليهم مهمة الضغط على النظام السوري، وحلفائه إيران وروسيا، وكل المليشيات الشيعية التي تقتل الشعب السوري، بحسب تعبيره.

ويضيف الرحال لـ«ساسة بوست»: «أن تخلى المجتمع الدولي عن استحقاق حماية ربع مواطن مهدد بالموت، فهناك 14 ألف مقاتل لن يتخلوا عن أهالي حلب، أعلنوا أن قوات النظام ومليشيات إيران ستدخل على جثثهم فهم اتفقوا على القتال حتى الموت، و لن يرفعوا الراية البيضاء».

لقد بدت المعركة في الأيام الماضية لصالح النظام السوري وحلفائه، وبرز مزاج وروح معنوية مرتفعة جدًّا للمسؤولين السوريين على عكس أشهر سابقة، و«باتوا أبعد ما يمكن عن مزاج قبول التسويات مع المعارضة السياسية، أو مع الأمم المتحدة«، كما قال دبلوماسيون وسفراء زاروا دمشق في الأيام الماضية، ويصر كل من النظام وحلفائه على رفض مبادرات وقف النار في حلب، ما لم تتضمن خروج جميع «الإرهابيين» منها، حسب ما ذكر في بيان أصدرته وزارة الخارجية السورية، كما أصبح الحل العسكري خيار روسيا الأبرز، وهي تشترط خروج جميع المسلحين، فكما اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: «كل من يرفض مغادرتها إرهابيًّا وهدفًا مشروعًا».

أسباب سيطرة النظام

بدأت روسيا خطة محكمة لم تكن وليدة الأيام القليلة الماضية، إنما جاءت بعد معركة «كسر الحصار» الأولى، فمنذ ذلك التاريخ بدأت القاذفات الروسية العمل بشدة، من أجل إضعاف المعارضة بضربات متلاحقة ونوعية لمقراتها، وبالاستهداف المتواصل بالبراميل، والمدفعية والصواريخ لصعق المعارضة بعد أن فشلت كل المساعي لإفراغ حلب من المدنيين.

يقول قائد «فرقة السلطان مراد» العقيد أحمد العثمان: «إن القصف الروسي المتصاعد ساعد المليشيات في استعادة مواقعها، وأهّلها للتفكير في مواصلة الهجوم، وتوسيع جبهاتها، وباتت المليشيات مرتاحة بعدما انتهت من عملية استعادة مواقعها غربي حلب، وأمنت الخاصرة الضعيفة هناك، وأبعدت خطر المعارضة عنها نحو الضواحي الغربية التي أصبحت اليوم ساحة المعارك».


كما يبين العقيد العثمان أن: «المليشيات في حلب لم تعد تعتمد اليوم على الدعم الإيراني فحسب، بل باتت تتلقى بشكل كبير دعمًا متنوعًا من روسيا، فـ«حزب الله» حصل على معدات حربية روسية متوسطة وثقيلة، وطائرات استطلاع صغيرة، وأجهزة اتصال متطورة لقيادة العمليات جنوبي حلب، وقد أصبحت المليشيات جاهزة لتعيد انتشارها من جديد بعدما فرغت من مهمتها الأساسية في «امتصاص الصدمة»، وإيقاف هجوم المعارضة، وحرمانها من فرصة كسر الحصار».


ولا يمكن إغفال دور فوز دونالد ترامب الذي أعلن استعداده للتعاون مع حليف دمشق، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويرى المحللون أن فوز ترامب عجل من تنفيذ خطة دمشق وموسكو وطهران التي تعرف بـ «سورية المفيدة»، والتي تهدف لقضم متمهل للأراضي السورية مع العمل على طرح سياسي يخدم الحلفاء الثلاثة، وتقوم «خطة النصر» الثلاثية في «سورية المفيدة» كما جاء في تقرير صحيفة «الحياة» اللبنانية على: «تأمين دمشق عبر التقدم العسكري، والمصالحات، والتطهير السياسي في حزام العاصمة، مما يمثل هزيمة نفسية للمعارضة في حلب قبل الانقضاض عليها في مدينة ذات بعد رمزي كبير»، إضافة إلى: «عزل إدلب وتقديمها إعلاميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا على أنها (قندهار سورية)»، والسيطرة على جسر الشغور المطل على مدن وقرى محافظة إدلب، وفصل أرياف حمص وحماة وإدلب، والاستعداد لمعارك كر وفر مع فصائل إسلامية تحت مظلة «الحرب على الإرهاب«.

يوضح المحلل العسكري والإستراتيجي فايز الأسمر أن: «النظام استهدف بهجمته الشرسة على حلب الضغط على السكان المدنيين؛ لإجبار الثوار على الانسحاب من المدينة، واستنزاف فصائل المعارضة باستهلاك ذخائرها وإفقادها المقدرة النارية على صد أي هجوم لقوات النظام، ومن ثم تقتحم الأخيرة الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة بعد عزلهم في كانتونات صغيرة»، ويؤكد الأسمر على أن: «النظام يريد فرض تسويات على الثوار لمغادرة المدينة بعد أن يحصرهم في حي أو حيين من أحيائها»، ويستبعد الأسمر حتى في حالة فرض النظام لسيطرته بالكامل على حلب التمدد في كل محافظات سوريا؛ لأنه «حتى ولو استطاع الدخول إلى المحافظات السنية، فسيبقى لديها ثأر مع النظام وجيشه، لن ينتهي باستعادة الجغرافيا»، حسب الأسمر.

إدلب السيناريو المقبل

اتجهت الأنظار إثر خسائر المعارضة في حلب نحو إدلب، على اعتبار أنها ستكون وجهة المعركة الجديدة، فهي الخزان الأكبر للمعارضة، وهي البقعة المحررة الأكبر في سوريا، كما أنها ملجأ عشرات الآلاف من السوريين المهجرين من حلب وحماة والرقة بفعل سياسة التجويع.

تتميز إدلب عسكريًّا بأن جبهاتها هادئة، فلا جبهة مفتوحة في المحافظة ضد قوات النظام وحلفائه، وتتميز أيضًا بأن لها طريق باتجاه تركيا. يعتقد الناشط السوري قصي الحسين أن: «أي معركة ستنطلق في ريف حماة أو حلب ستكون من إدلب؛ لأن معظم المقاتلين هناك من أبناء إدلب وريفها، وليس لديهم أي جبهات مع قوات النظام في محافظتهم»، مشيرًا إلى أن: «هناك تخوفًا مستمرًا خصوصًا بعد السياسة التي انتهجتها قوات النظام والطيران الروسي والميليشيات الإيرانية في خصوص سياسة (الأرض المحروقة)، فيتم حرق وتدمير المنطقة بالغارات الجوية وراجمات الصواريخ، ثم يدخلونها لرفع راية الانتصار والفرح».

من جهته، يقول الصحافي السوري صالح العبد الله من إدلب: إنه في ظل الأوضاع الراهنة في حلب ستتجه الأمور لأحد الخيارين، فإما الصمود لفترة ممكن أن تطول، وهذا مرتبط بفتح معارك من خارج المدينة من قبل فصائل «جيش الفتح» وغيرها، ومن ثم تهدأ الأمور كما في حي جوبر، وحي الوعر، وداريا قبل إفراغها من أهلها.

أما الخيار الثاني فهو سقوط حلب بالكامل بيد النظام؛ لتبدأ بعدها معارك الهجوم عليها من الخارج، مضيفًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «لا أعتقد أن النظام وحلفاءه قادرون على التقدم إلى إدلب، وذلك لتزاحم الفصائل ووجود أعداد كبيرة من المقاتلين يشكلون قوة عسكرية لا يستهان بها أحرجت النظام في أوقات سابقة في حلب، وهي قادرة على إحراجه مرة أخرى، والهجوم على مواقعه، وإيقافه عن التقدم إن لم يحصل تقدّم للثوار داخل المدينة من جديد».

هل بالإمكان قلب الطاولة على النظام؟

لم تحقق المرحلتان الأولى والثانية هدفها بفك الحصار عن أحياء مدينة حلب الشرقية، وإن تكللت المرحلة الأولى بفك الحصار جزئيًّا، وأدركت كافة الفصائل العسكرية المعارضة أن الأوضاع داخل أحياء حلب الشرقية ستزداد سوءًا في ظل إصرار نظام الأسد والميليشيات الإيرانية بدعم جوي روسي على اقتحام المدينة المحاصرة.

حلب القديمة

مقاتلون في حلب- الأناضول


يوضح لنا رئيس تحرير موقع «بلدي نيوز»، الإعلامي أيمن مصطفى محمد، أنه بعد ثلاثة أشهر من الحصار الخانق وقصف البنى التحتية وتدمير المشافي في حلب، زجت إيران بثلاثة آلاف عنصر من الميليشيات العراقية والأفغانية، بالتزامن مع زج كبار المستشارين الإيرانيين لإدارة معركة حلب، مضيفًا: «استطاعت هذه الميليشيات إحراز تقدم خلال الأسبوعين الماضيين بعد نفاد كل وسائل المقاومة، وانعدام أبسط متطلبات الحياة، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرة الفصائل العسكرية على مقاومة الهجوم».

ويعتقد رئيس تحرير موقع «بلدي نيوز» أن النظام السوري سيبسط سيطرته على كامل مدينة حلب، ولكن ما ينتظر النظام والميليشيات الإيرانية في حلب سيكون أسوأ مما كانت عليه الأمور قبل أشهر، ففصائل جيش الفتح ليست ببعيدة عن مناطق سيطرة النظام داخل حلب، وبإمكانها قلب الطاولة على النظام وحلفائه في حلب مجددًا، حسب محمد.

ويستبعد محمد توجه النظام نحو محافظة إدلب، ويقول: «سيتجه نحو مدينتي الباب، ومنبج بريف حلب الشرقي لقطع الطريق أمام فصائل درع الفرات المدعومة تركيًّا، والتي تهدف لفرض منطقة آمنة شمال سوريا، وعندها ستدرك تركيا أن الهدف من معركة حلب لم يكن السيطرة على المدينة فحسب، بل ستمتد إلى ريفيها الشمالي والشرقي».

ويوضح أيضًا لـ«ساسة بوست»:» النظام يلعب على التفاهمات الدولية، وهناك أطراف دولية من مصلحتها ضرب المعارضة السورية في حلب، وضرب تركيا أيضًا شمالي سوريا، أما المعارضة فليس لديها سوى خيار واحد، وهو إعادة الهجوم على مدينة حلب من جهة الغرب، وقطع شريان النظام نحو المدينة من خلال السيطرة على طريق أثريا خناصر.«

المصادر

تحميل المزيد