احتجاجات ومظاهرات حاشدة تشهدها مدينة فجيج المغربية، الواقعة على الحدود مع الجزائر منذ أكثر من أسبوع. وذلك بعد أن أخبرت السلطات الجزائرية في العاشر من مارس (آذار) 2021، المزارعين المغاربة في أراضي «العرجة» الفلاحية، الواقعة داخل الحدود الجزائرية، بأن عليهم إخلاء المنطقة نهائيًا قبل 18 مارس الجاري.

تقع فجيج المغربية على الحدود الجزائرية المغربية، جنوب شرقي المغرب، في حين أن منطقة «العرجة» تقع داخل الحدود الجزائرية، وبالتالي فإن فلاّحي فجيج المغربية قد اعتادوا منذ عشرات السنين – حسب تصريحاتهم – على استغلال هذه الأراضي الفلاحية وزراعتها بالنخيل وبأشجار أخرى، على استغلال هذه الأراضي الواقعة في الجزائر، ثم العودة مساءً إلى الداخل المغربي. 

ويروي أحد الفلاحين المغاربة بأنه قبل أسبوع، وصل إلى «العرجة» مجموعة من المسؤولين الجزائريين، بالإضافة إلى جنرال، وتحادثوا مع فلاحي المنطقة، وأخبروهم بقرار إخلاء الأراضي قبل 18 مارس القادم؛ وذلك بعلم السلطات المغربية حسب قوله. 

ويطالب سكّان المنطقة بإيجاد حلّ لهذه القضيّة، ففي الوقت الذي تُعتبر أراضي العرجة قانونيًا تابعة للدولة الجزائرية، فإنهم يعترضون على طردهم منها ونزع ملكيتهم عنها، خصوصًا وأن بعضهم يقول بأنهم يملكون عقود ملكية تعود إلى عهد الاستعمار الفرنسي، ويطالب المحتجّون المغاربة السلطات المغربية بإيجاد حلّ لهذه المسألة، وذلك وسط صمت للسلطات المغربية التي لم تُصدر أي تعليق على القرار الجزائري. وتقع أراضي العرجة الزراعية القريبة من مدينة فجيج المغربية، رسميًا داخل الحدود الجزائرية طبقًا لاتفاقية ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب، التي جرى توقيعها في مارس 1972.

جريدة «الخبر» الجزائرية كانت قد نشرت على لسان مصادر قريبة من السلطة في الجزائر، أن القضية تعود إلى شهر فبراير (شباط)، أين سُمع دوي انفجارات في المنطقة، والذي ردّت عليه السلطات المغربية بالقول إنها متعلقة بتفكيك ألغام مزروعة منذ عهد الاستعمار، وأضافت الجريدة على لسان المصدر أن السلطات الجزائرية لاحظت «حملة واسعة لتوسيع المزارع وتسييج الأراضي، يقوم بها فلاحون مغاربة من عرش أولاد سليمان من المناطق المجاورة لمزارع العرجة». ويقول مصدر الجريدة إن المنطقة الحدودية تعدّ معبرًا لتهريب المخدّرات المغربية إلى الصحراء الكبرى، مرورًا بليبيا نحو مصر بحسب الرؤية الجزائرية.

وكان الرئيس الجزائري السابق الشاذلي بن جديد، أثناء عقد اتفاق ترسيم الحدود البرية مع المغرب، قد تعهّد بالسماح للفلاحين المغاربة بفلاحة أراضيهم في منطقة العرجة، حسب ذات الجريدة. منطقة فيجيج كانت منذ القديم مسرحًا للتوتّر بين الجزائر والمغرب، فأثناء حرب الرمال التي قامت في خريف 1963؛ شهدت المنطقة معارك قتالية بين الطرفيْن، قبل أن تنتهي الحرب ويوقّع الطرفان على اتفاقية صلح برعاية كل من مالي و«الجامعة العربية». 

وقد أظهرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، الفلاحين المغاربة وهم بصدد جمع عتادهم وأدواتهم واقتلاع نقلات النخيل لزراعتها في مناطق أخرى، من أجل مغادرة المنطقة. 

بين سيادة الدولة والملكية الفردية.. الفلاحون المغاربة هم الضحية

«ساسة بوست» تحاور مع محمد عماري، الناشط الجمعوي وأحد سكّان منطقة فجيج، الذي يؤكد أن الفلاحين لم يُبلّغوا يومًا بأنهم فوق أراضٍ مخالفة: «مجموعة من الفلاحين يستغلون أراضيهم على الحدود الجزائرية المغربية على ضفتي واد العرجة منذ عقود، ويؤكدون أنهم يزورون المنطقة ويستغلونها منذ 60 سنة وواصلوا الاستثمار خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ولم تقم السلطات الجزائرية أو المغربية إطلاقًا بإخبار هؤلاء الفلاحين الذي يستغلون مساحة تبلغ 150 هكتار، وما يناهز 15 ألف نخلة، أنهم فوق أراضٍ جزائرية أو أن عليهم مغادرة المكان». 

يضيف محمد عماري: «اقتصاد المناطق الواحية، قائم على زراعة النخيل وعلى اعتبار أن الأرض المعنية لم تكن يومًا محل خلاف بين الطرفين المغربي والجزائري من قبل». «أغلب الفلاحين يملكون وثائق ثبوتية أنهم امتلكوا هذه الأراضي منذ سنين، وهنالك وثائق عدلية لم ينازعهم فيها أحد، وحتى لو كانت السيادة على هذه الأراضي للجزائر حسب اتفاق ترسيم الحدود سنة 1975، فإن الملكية الفردية هي لهؤلاء الفلاحين، ولم ينازعهم فيها أي قبائل أو أفراد جزائريين، رغم النزاعات التي تحصل بين الملّاك أو القبائل المغربية، فإن الخلاف كان يجري حلّه في المحاكم المغربية، وسبق لقوات الأمن المغربية أن دخلت إلى المنطقة وفكّت نزاعات بين المتخاصمين المغاربة فيها».

يضيف الأستاذ عماري: «هؤلاء الفلاحون كانوا دائمًا يجتمعون بهيئات حكومية مغربية ويجتمعون مع باقي الفلاحين المغاربة ويتلقون دورات تكوينية في زراعة النخيل وفي الفلاحة، ويتحدثون عن مشاكل وتحديات الفلاحة في منطقة العرجة؛ مما عزز لدى هؤلاء فكرة بأنهم يستغلون أرضًا على التراب المغربي وليست على التراب الجزائري، إذ إن فكرة أنهم على تراب جزائري لم ترد على فكرهم مطلقًا إلا قبل أسبوع».

وحول تاريخ النزاع حول أراضي المنطقة يقول عماري: «إذا رجعنا إلى التاريخ فإن ساكنة فجيج في وقت الاستعمار الفرنسي للجزائر والمغرب كانت لها أراضي داخل التراب الجزائري، من بينها أراضٍ بور ورعوية وأخرى لزراعة القمح والنخيل وغيرها، في جنان بورزق وغيرها، وذلك بتوافق تام وتجاور مع الجزائريين ولم يناقشهم أحد في هذا الملكية، إلا مع استقلال المغرب».
«بدأت حلقة منع فلّاحي فجيج من استغلال أراضيهم بعد استقلال البلديْن، والأزمة أن هذه الأراضي التي اقتُطعت من أهالي فجيج لم يجر استغلالها بعد انسحاب الفلاحين المغاربة وتُركت مهملة وماتت الفلاحة في تلك الأراضي، وبعد سنة 1975 (السنة التي شهدت تصعيدًا بين الجزائر والمغرب عقِب «المسيرة الخضراء» التي أراد من خلالها المغرب السيطرة على «الصحراء الغربية») بدأ حصار تام على أهل فجيج ومنعهم من استغلال أراضيهم في الجنوب والشرق، سواء في منطقة ملياس، وتاغلة، وتامضرور وغيرها، بسبب توتّر العلاقات بين الطرفين».

«حاول سكّان المنطقة، في عهد الملك محمد السادس استرجاع أراضيهم التي اقتطعتها الجزائر من خلال إنشاء جمعية الإنصاف التي راسلت السلطات المغربية حول هذه الأملاك، ولكنها لم تأت بنتيجة ملموسة، ولم تستجب السلطات لنداءاتهم».
«الوضعية القانونية التي تجعل سيادة الأرض للجزائر لا يمكن أن تمنع ملّاك الأراضي من استغلال أملاكهم، لدينا تجارب كثيرة في العالم في استغلال الأراضي الحدودية، ويوجد نوع من الليونة يقرّها القانون الدولي والاتفاقيات الدولية بين الأطراف للسماح لهؤلاء بالحفاظ على حقوقهم الاقتصادية، الناجمة عن وضع تاريخي معيّن».

وحول ردّ السلطات المغربية على انشغالات مواطني فجيج يقول: «كان الصمت في بداية الأمر، ثم الإقرار بأن الجنود الجزائريين موجودون على أرضهم ولم يقوموا بأي اقتحام أرض مغربية، أعتقد أن كلتا السلطتيْن عليهما واجب التعويض؛ لأنهما تركا هؤلاء الفلاحين يستثمرون أموالهم وأعمارهم بطريقة خاطئة دون إخطارهم بذلك».

وعن الحلول المقترحة يضيف عماري: «الحلّ الواقعي، نظرًا لأن هذه الأراضي قريبة من مدينة فجيج، وبعيدة عن التجمعات السكانية الجزائرية، ولا يوجد جزائري واحد ينازع هؤلاء الملّاك في ملكيتهم الفردية – وليس في السيادة الجزائرية – ولا يوجد مغربي واحد ينازع السلطات المغربية والجزائرية في اتفاق ترسيم الحدود، إذًا الحل هو أن يُترك لهؤلاء حق الانتفاع واستغلال أراضيهم وتنظيم حقهم في الدخول والخروج لحماية سيادة الدولتين، لمنع استغلال هذه الأرض في أي نشاط غير قانوني مضرّ بأحد الطرفين، وعلى أن يلتزم الفلاحون بشروط يضعها الطرفان، سواء المتعلق بظروف الدخول والخروج، أو تحديد لوائح المستفيدين، وحدود وصول هؤلاء المستغلين».

فجيج.. مدينة تكرّس التداخل التاريخي والاجتماعي بين «الإخوة المتخاصمين»

تملك المنطقة رمزيات تاريخية كبيرة متداخلة بين البلدين، إذ كانت هذه المنطقة ضحية التقسيم الاستعماري للدول المغاربية، هذا التقسيم الذي أقرّه الاتحاد الإفريقي من أجل التخلّص من النزاعات الحدودية التي كانت سببًا في العديد من الحروب بين البلدان الأفريقية بعد الاستقلال. وأشارت مصادر لـ«الجزيرة» بأن المنطقة عانت من غضب النظام المغربي وتهميشه، بسبب ضلوع حوالي 150 شخصًا في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة للجنرال أوفقير ضد الملك الحسن الثاني، وهو ما تسبّب في غضب الملك على المنطقة حسب سكّانها.

كما أن هذه الواحة كانت منطقة توقف للقوافل التجارية القادمة من الساحل الأفريقي نحو البحر الأبيض المتوسط، ومركز القتاء للحجّاج الأفارقة نحو مكّة، ولعلّ أهم رمز يكشف هذا التلاحم الاجتماعي والتاريخي بين الجزائر والمغرب، هو المقاوم الشيخ بوعمامة، زعيم المقاومة للاحتلال الفرنسي التي دامت حوالي 30 سنة (1881-1908)، ففي حين أنه وُلد في منطقة فجيج التابعة للدولة المغربية رسميًا، إلا أن مقاومته المسلحة للاحتلال الفرنسي التي انتشرت في منطقة الغرب الجزائري استقطبت الكثير من القبائل الجزائرية، خصوصًا بفضل مكانته الروحية باعتباره من شيوخ الصوفية.

يُعتبر هذا الرمز التاريخي للمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، المولود في فجيج المغربية، والذي تحتفي به المؤسسات الرسمية الجزائرية وتمجّد سيرته في كتب تاريخ المقاومات المسلحة للاستعمار، وحتى إنتاج فيلم سينمائي شهير عنه برعاية الدولة الجزائرية؛ نموذجًا للمنطقة نفسها التي تتداخل فيها الأسر والقبائل والأراضي الواقعة بين بلديْن يشهدان سياقًا سياسيًا يتّسم بالتصعيد، بينما يذهب السكّان والفلاحون والبسطاء في أحيان كثيرة ضحية لهذه الصراعات السياسية على مستوى القمّة.

مواد تعريفية

منذ شهرين
صراع الصحراء الغربية في واشنطن.. سباق لوبيات بين المغرب والجزائر والبوليساريو

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد