تخطت الانتفاضة السورية ضد حكم الأسد عامها الثامن ودخلت مخاضها التاسع، قامت ضد نظام لم يتورع عن قتل مئات ألاف من المدنيين وتدمير منازلهم وتهجيرهم منها، واستولى حتى على أحلامهم ومستقبلهم، لكنه -برأي أنصار الثورة- لم يستطيع رغم ذلك تدمير ذاكرتهم، فذاكرة الثورة لا تموت ولا تُنسى، وقد حفر أيقونات ورموز الثورة السورية صورهم في ذاكرة الشعوب عبر مسيرة حياتهم وتضحياتهم.  

1- عبد الباسط الساروت.. حارس «كرامة» السوريين

هو عبد الباسط ممدوح الساروت من مواليد محافظة حمص، وهو من بدو المحافظة عمره 26 عامًا فقط، وكان قبل الثورة حارسًا لنادي الكرامة الحمصي والمنتخب السوري للشباب، وسرعان ما التحق بالمظاهرات المناهضة للنظام في مارس (آذار) 2011، عايش المظاهرات السلمية والعمل المسلح، وأصيب أكثر من مرة، وقتل والده وأربعة من أخوته في القصف الجوي والمدفعي وفي المعارك مع النظام.

قبل انطلاق الثورة السورية عام 2011 في الشهر الثالث كان الساروت حارسًا في صفوف نادي «الكرامة» ومنتخب سوريا للشباب، ومع بدء الحراك السلمي انضم فورًا إلى المظاهرات مناديًا بإسقاط النظام السوري، حيث كان أحد أهم منشدي المظاهرات وقادتها ولقب بحارس الثورة وبلبلها، وخرج في عشرات المظاهرات بمدينة حمص، وأيضًا في الشمال السوري بعد عمليات التهجير التي حصلت بعد سقوط المدينة وسيطرة نظام الأسد عليها، وكان يؤلف العديد من الشعارات والأغاني التي يغنيها المتظاهرون في عموم سوريا، كما لوحق من قبل قوات الأمن السورية، وكان على رأس المطلوبين لها، ودافع بشكل قوي عن الثورة السورية من خلال حديثه مع وسائل الإعلام، وكان «الحارس الأمين لكل مبادئها»، حسب وصف المقربين منه.

وكانت آخر أغاني الساروت بعنوان «سوريا ظلي واقفة» التي غناها قبل مقتله بثمانية أيام فقط، ونشرت على قناة «سوريا اليوم»، وهي آخر كلمات ألفها الساروت، وغناها بصوت حزين مع موسيقى هادئة، بدأت كلماتها: «سوريا جانا رمضان.. بعد رمضان العيد.. تاسع سنة يا غالية.. بينا المرار يزيد.. يا شام انتي شامنا.. بيكِ بنينا أحلامنا.. الكل ظلمه سامنا يا موت يا تشريد»، وأنهى الأغنية بقوله: «لا بد يلفي العيد».

مع انتقال الثورة السورية إلى العمل المسلح حمل العديد من الشباب السلاح في مواجهة الظلم الذي لحق بهم ومن بينهم الساروت الذي شكل كتيبة «شهداء البياضة»، وكانت مهمتها قتال النظام وحماية المدنيين، وكان في هذه الأثناء يخرج في المظاهرات السلمية، ولم يتوقف عن الغناء فيها.

شارك الساروت في عشرات المعارك كان أقواها أثناء حصار حمص، حيث تعرض خلالها لعشرات الإصابات في جسمه، ويظهر الدمار الكبير في حمص شراسة المعارك التي دارت فيها، حيث خرج منها الساروت أقوى في كل مرة، وحاملًا الإصرار على مواصلة إسقاط النظام، حتى بعد عمليات التهجير التي اضطرته للخروج إلى شمال حمص.

وبسبب ما واجهه الساروت في حصار حمص، وعمليات القتل التي طالت والده وإخوته وأصدقاءه، وعمليات التهجير التي طالت فصائل المعارضة من بعد سقوط مدينة حمص؛ ما شكل منعطفًا خطيرًا في مسيرته الثورية، فقد اعترف الساروت أنه تواصل مع «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» لمبايعته بشرط توفير كل ما يلزم لتحرير مدينته حمص مرة أخرى، ووجهت له انتقادات واسعة «أعادت إليه رشده» مرة أخرى بسبب المراقبين.

محطات عديدة مرت بحياة الساروت بعد خروجه من حمص، حيث انتقل إلى تركيا، ورفض جميع العروض المقدمة له بالعمل في المجال السياسي، وتوفير حياة كريمة له مع رواتب مجزية، وفضل العمل في معمل للخياطة. ومن كلماته الملهمة «الثورة ليس لها ثروة»، و«الثورة هي الشعب».

أهم المحطات التي مرت بالساروت، والتي شكلت شخصيته الزاهدة والصادقة هو خلافه مع فصيلي «جبهة النصرة»، و«حركة أحرار الشام»، بسبب التهم الموجه اليه بانتمائه لتنظيم «داعش»، حيث طلب لمحكمة شرعية، وتمت ملاحقته من قبل الفصائل، وهرب بعدها إلى تركيا، وبعد بضعة أشهر قليلة عاد وسلم نفسه للمحكمة التي أطلقت سراحه بعد 10 أيام، وتمت تبرئته من التهم الموجهة له.

انضم بعدها الساروت لـ«جيش العزة» العامل في ريف حماة الشمالي كقائد عسكري ميداني، شارك خلالها بالكثير من المعارك والتي أصيب خلالها أيضًا أكثر من مرة، كان يقف على الجبهات، ويحمي المناطق المحررة من أية محاولة تسلل، ودائمًا كان في المقدمة لا يهاب الموت.

قتل الساروت نعاه ناشطو الثورة، والهيئات السياسية المعارضة، ومفكرون، وكتاب، وخرج في تشييع جثمانه الآلاف، وما يميز الساروت أنه ربما لأول مرة جمع الفرقاء على الترحم عليه. قتل متأثرًا بجراحه التي أصيب فيها جراء المعارك ضد قوات النظام السوري بريف حماة الشمالي بتاريخ 6 يونيو (حزيران)، حيث أصيب بشظايا قذيفة دبابة، وتلقى العلاج في المشافي التركية، ولكن الموت كان أسرع إليه، ووافته المنية بعد يومين من الإصابة، ودفن في مثواه الأخير بمدينة الدانا بريف إدلب شمال سوريا.

2- الأب باولو.. «الثورة التزام»

الأب باولو دالوليو’ مواليد 17 نوفمبر (تشرين) 1954 في مدينة روما الإيطالية، وهو رجل دين مسيحي، يتكلم العربية بطلاقة، ويعرف الكثير عن الإسلام كما لو كان شيخًا، عاش في سوريا لسنوات طويلة، وخدم في دير مار موسى الحبشي، وهو معبد يعود للقرن السادس، ويقع في القلمون 100 كيلومترًا شمال دمشق، قام الأب باولو بإعادة إعمار الدير، واستثماره كمركز لحوار الأديان.

نشط بعمله خلال الثورة السورية وتبنى مبادئها، وطالب بإسقاط نظام بشار الأسد، وجراء ذلك قامت سلطات النظام السوري بنفيه خارج سوريا عام 2012؛ بسبب دعمه القوي للثورة، وانتقاده المستمر لعمليات القمع ضد المتظاهرين.

وعاد بعد ذلك إلى سوريا واستقر في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام، وتنقل خلالها من حلب وإدلب إلى حماة، وأخيرًا الرقة، التي كانت أخر محطة له، واختفى فيها. دعم باولو الحراك السلمي، ولكن في نفس الوقت كانت له انتقادات للحراك العسكري، وأوضح كلامه أن هذا الأمر قد فرض على السوريين، وبعد سقوط النظام سيتم بناء كل ما تم هدمه: «المهم أن يسقط النظام، ويذهب الديكتاتور، والباقي سهل».

كان أحد القلائل من الطائفة المسيحية الذين وقفوا إلى جانب الثورة السورية، وبالنسبة له كان يتعين على المسيحيين الوقوف «إلى جانب المعارضة ضدّ الدكتاتورية الوحشية»، متهمًا بعض الأساقفة بأنَّهم يسمحون لنظام الأسد بأن يستخدمهم كأدوات للدعاية. اهتم الأب باولو بالمخطوفين والمعتقلين لدى النظام السوري، وأيضًا لدى الفصائل المسلحة المعارضة، وسعى في أكثر من مناسبة للإفراج عنهم، وهو ما كان أحد لأسباب نهايته.

لم يكن اختفاء الأب باولو لغزًا محيرًا، بل كانت تفاصيل اختفائه معروفة للجميع، ولكن المحير هو إذا كان ما يزال على قيد الحياة، أم أنه قد فارقها، ولكن بعد انتهاء تنظيم «داعش» بات الخيار الثاني هو الأقوى.

بدأت الحكاية عندما اختطف تنظيم «داعش» أشقاء الكاتب السوري ياسين الحاج صالح (أحمد وفراس)، حيث توجه الأب باولو إلى الرقة في محاولة للتوسط لإطلاق سراحهم، وكان ذلك في شهر يوليو (تموز) 2013، وذهب إلى مقر التنظيم في المدينة، ومن ثم اختفى ولم يعلم عنه أي شيء.

وكان آخر ما كتبه الأب باولو على صفحته على «فيسبوك»: «جئت اليوم إلى مدينة الرقة، وأنا أشعر بالسعادة، طبعًا لا يوجد شيء كامل، ادعوا لي بالتوفيق من أجل المهمة التي جئت من أجلها، إن الثورة ليست توقّعات، بل التزام».

مع انتهاء تنظيم (داعش) في سوريا والعراق برزت قضية آلاف المعتقلين الذين كانوا لدى التنظيم إلى الواجهة، من بينهم الأب باولو، حيث قالت شهادات لعدد من الناجين من قبضة التنظيم أنهم شاهدوا الأب باولو، وهو على قيد الحياة، وذكرت صحيفة «التايمز» أن (داعش) سعى إلى التوصل لاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» لتأمين ممر آمن حيث يستخدم التنظيم في مفاوضاته ورقة الرهائن المختطفين لديه بينهم «الأب باولو» وصحافي بريطاني.

في حين قال أحد عناصر «داعش» (مغربي الجنسية) الذين تم إلقاء القبض عليهم: إن الأب باولو تمت تصفيته على يد أحد قادة التنظيم، وهو أبو لقمان الرقاوي، وذلك في صيف 2014.

«واشنطن بوست»: بالتواريخ.. كيف جهزت الولايات المتحدة لتسليم سوريا إلى بوتين؟

3- فدوى سليمان.. حتى العلويون قد ينتفضون ضد الأسد

ولدت الفنانة السورية فدوى سليمان عام 1970، وتعتبر أحد أبرز الفنانين السوريين الذين سطع نجمهم في الساحة الفنية قبل الثورة السورية، حيث شاركت بعدد من الأدوار في المسلسلات السورية والمسرحيات، وتخرجت من المعهد العالي للفنون في دمشق. وفدوى تنتمي إلى  الطائفة العلوية التي ينحدر منها رأس النظام السوري بشار الأسد.

ظهرت الفنانة في أعمال درامية كان آخرها مسلسل «أمل»، وأيضًا «الشقيقات»، «هوى بحري»، «نساء صغيرات»، «الطويبي»، «طيبون جدًا»، كما كان لها ظهور في فيلم «نسيم الروح»، إضافة إلى أعمالها التلفزيونيّة السوريّة والمدبلجة. وشاركت الفنانة في مسرحيات كثيرة حيث عملت في العديد من الإنتاجات المسرحية، إلى جانب مشاركتها في العديد من المهرجانات المسرحيّة الفرنسية والعربيّة.

 

لم تتأخر سليمان كثيرًا حتى انضمت إلى صفوف الثورة السورية، وشاركت في العديد من التظاهرات في مدينة حمص جنبًا إلى جنب مع عبد الباسط الساروت، حيث  طالبت بإسقاط النظام السوري، وأرسلت رسائل عدة إلى أبناء الطائفة العلوية وعناصر الأمن وتجار حلب، وغيرهم، طالبتهم بدعم الحراك السلمي للثورة السورية.

تعرضت فدوى للملاحقة الأمنية من قبل النظام، ووضع اسمها على قوائم التصفية، وكانت تتنقل في أحياء مدينة حمص بصعوبة شديدة، إلا أن ذلك لم يمنعها من قيادة مظاهرات عدة في حمص، حيث تظهر مشاهد نشرت على موقع «اليوتيوب» وهي إلى جانب عبد الباسط الساروت، والمتظاهرين يرددون وراءها الشعارات الثورية.

وكشفت سليمان آلية عمل النظام الذي اعتمد على تقسيم المجتمع السوري طائفيًا، وعبرت عن مواقفها الرافضة لنظام الحكم منذ عهد حافظ الأسد، حيث «أقام حكمه على التفرقة» فضلًا عن استغلاله «للأقليات» كما قالت.

وصلت الفنانة الراحلة إلى فرنسا عام 2012، وعملت في مجال دعمها للثورة السورية، عبر وسائل الإعلام المختلفة، كما شاركت في العاصمة الفرنسية باريس بعدة تظاهرات مناهضة لنظام الأسد، ورفعت شعار «خاين خاين خاين.. النظام السوري خاين» «واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد». واستقرت في باريس إلى أن وافتها المنية بسبب إصابتها بمرض السرطان في العاصمة الفرنسية باريس في 18 من أغسطس (آب).

4- حمزة الخطيب.. الطفل الذي تحدى آل الأسد

حمزة الخطيب أحد أيقونات الثورة السورية في بدايتها، كان طفلًا لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره، فيما كان اسمه يملأ الشاشات العربية والعالمية عندما قتله نظام الأسد تحت التعذيب، ذكره العديد من السياسيين الدوليين في المؤتمرات الصحافية في إشارة الى «الإجرام» الذي قام به نظام الأسد بحقه.

كان الفتى الشاب معروفًا بكرمه حيث قال أحد أقاربه لقناة الجزيرة: «كان يطلبُ المالَ من والديه دومًا لكي يعطيه للفقراء. أذكر ذات مرة بأنه كان يريد إعطاء أحد الفقراء 100 ليرة سورية (كانت المائة ليرة السورية تساوي آنذاك حوالي دولارين أمريكيين)، بينما قالت أسرته: إن هذا المبلغ كثير. ولكن حمزة قال: أنا لدي السرير والطعام، بينما الرجل ليس لديه أي شيء، وبهذا أقنع حمزة والديه بأن يعطي المائة ليرة للرجل الفقير».

انطلقت الاحتجاجات من مدينة درعا (جنوب سوريا) وكانت بداية الثورة فيها، فعمل النظام السوري على قمعها بالنار والحديد، سقط خلالها عشرات القتلى والجرحى من المتظاهرين، ومن ثم فرض حصارًا وطوقًا أمنيًا على كامل المدينة، فمنع عنها الطعام والشراب والحليب، تداعت بعدها المدن والبلدات في محافظة درعا لرفع الحصار واتجهت الجموع الى المدينة المحاصرة، وكان من ضمنهم حمزة الذي لم يقبل بما يجري لأهله المحاصرين؛ فخرج مع والده من بلدته، وفي الطريق اعتقله النظام، وكان ذلك بتاريخ 29 أبريل (نيسان)، وأعاده بعد عدة أيام جثة هامدة منتفخة عليها آثار التعذيب.

وظهر شريط فيديو مصور نشر على موقع «يوتيوب» جثة حمزة الخطيب حيث كان وجهه متنفخًا وبنفسجي اللون، ويحتوي جسده على ثقوب ناجمة عن طلقات نارية وآثار تعذيب، فيما يظهر أن عضوه الذكري قد تم قطعه.

 

قالت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، هيلاري كلينتون: «لا يسعني القول سوى أرجو ألا يكون موته عبثيًا»، أما المتحدث باسم اليونيسف، بارتيك مكورميك فقد قال: إن «الصور تثير الصدمة.. لقد شاهدها العالم كله، وحركت مشاعر كل من رآها، ودفعته للشعور بالخزي نظرًا لما حدث مع هذا الطفل».

بعد خروج الصور الرهيبة قام النظام السوري باعتقال والد حمزة، وبعض أقاربه، وتم تهديد المقربين بعدم التصريح لوسائل الإعلام، وصرح وقتها التلفزيون السوري أن بشار الأسد قد التقى عائلة الخطيب وعزاهم في وفاته، ووعدهم بالإصلاح.

5- ياسر العبود.. العسكري الذي «لم يخش في الحق لومة لائم»

ياسر العبود ضابط منشق عن جيش النظام السوري من مواليد 1967 في بلدة النعيمة غربي محافظة درعا ( جنوب سوريا)، شارك في غالبية معارك درعا، وكان دائمًا يقف في المقدمة، عُرف عنه صراحته، كما فقد إحدى عينيه في المعارك، وقتل له شقيقان، واعتقلت شقيقته.

انشق العبود عن جيش النظام في بداية الاحتجاجات عام 2011 عندما خرجت من محافظة درعا، وشكل فصيل مسلح معارض، حيث نشر له فيديو مصور على موقع «اليوتيوب» أعلن فيه انشقاقه وتشكيله لواء «أبو بكر الصديق»، ومن ثم انضمت إليه عدد من الكتائب ليتغير اسم اللواء إلى «لواء فلوجة حوران». عُرف عن العبود حنكته العسكرية وتخطيطه لعدد من العمليات العسكرية الناجحة، حيث كان قائد «غرفة عمليات المنطقة الجنوبية».

تعرض العبود لمحاولات اغتيال عديدة كان يقف وراءها النظام وخصومه السياسيون والعسكريون أيضًا حسبما قال ناشطون، وذلك بسبب صراحته في قول ما يراه الحق دون أن يراعي التوجهات السياسية لخصومه. وقد انتقد التشكيلات السياسية التي تم تشكيلها في الخارج، حيث اقتحم مرة أحد الاجتماعات للمعارضة السورية في العاصمة الأردنية عمان، ولامهم على تخاذلهم وتقاعسهم عن دعم «الجيش السوري الحر».

أعلن الجيش السوري الحر عن معركة أطلق عليها اسم «توحيد الصفوف» تهدف للسيطرة على مدينة طفس بريف محافظة درعا الغربي، شارك فيها العبود على رأس عناصره التابعين له، وقتل على أبواب المدينة جراء تعرضه لقذيفة دبابة بشكل مباشر في تاريخ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2013.

6- أبو الفرات.. لا تسامح مع الأخطاء

يوسف أحمد الجادر الملقب بـ«أبي فرات» من مواليد مدينة جرابلس في ريف حلب الشرقي (شمال سوريا) عام 1970، كان ضابطًا في جيش النظام برتبة مقدم وانشق عنه في بدايات الثورة السورية، سرعان ما التحق بصفوف الجيش الحر، وأصبح أحد أهم القادة العسكريين الذين وضعوا الخطط الناجحة والتي حققت انتصارات كبيرة.

أعلن أبو فرات انشقاقه عن جيش النظام السوري في 15 يوليو (تموز) 2012 بعد 22 سنة من الخدمة في صفوفه، ومن ثم انتقل الى الأراضي التركية، وبعد بضعة أيام عاد إلى سوريا، وانضم على الفور إلى «لواء التوحيد» بقيادة حجي مارع عبد القادر الصالح، ليتسلم منصب قائد الأركان في اللواء، ويبدأ مشوار التحرير، وخاصة في محافظة حلب.

كانت ا22 سنة التي قضاها في جيش النظام كافية كي يعرف خبايا وأسرار هذا الجيش، فوضع الخطط المحكمة للسيطرة على مدينة حلب، وقاد بنفسه معارك السيطرة على أحياء «صلاح الدين» و«سيف الدولة» ونقاط أخرى، وأخيرًا ملحمة السيطرة على «مدرسة المشاة» المعركة الأهم والتي قتل فيها.

كانت أخلاق أبي الفرات نابعة من إيمانه العميق بمبادئ الثورة السورية بالحرية والكرامة، وكان يرفض الظلم حتى لأعدائه، حيث روى ناشطون أنه رفع يومًا سلاحه في وجه رفاقه الذين كانوا يريدون قتل أسرى من جيش النظام ومنعهم من ذلك، وكان غضبه للحق مهلكته، فهو ذاته الذي اشتاط غضبًا عندما علم أن عناصر من فصائل المعارضة تقوم بأخذ الأثاث وتحملها بالسيارات بغير وجه حق، وعبر في فيديو عن حزنه الشديد لمقتل عناصر من جيش النظام وتدمير آلياته.

بعد إبلاغه بما قام به بعض العناصر ممن ركب الثورة واستفاد منها توجه الجادر إليهم حانقًا يريد تأديبهم، حيث تزامن ذلك مع خروج رتل لقوات النظام من المنطقة ليحصل بينهم إطلاق نار كثيف حوصر خلاله ليتلقى بعدها قذيفة دبابة قتلته على الفور، ورحل قبل أن يتمكن من تصحيح أخطاء رفقاء السلاح.

 لنتذكر جميعًا من أطلق الرصاصة الأولى.. كيف بدأت 7 سنوات عجاف من عمر سوريا؟

7- عبد القادر الصالح.. قائد «لواء التوحيد»

عبد القادر الصالح الملقب بحجي مارع من مواليد مدينة مارع في ريف حلب الشمالي (شمال سوريا) سنة 1979، من مؤسسي «لواء التوحيد» والقائد العسكري له، كان رجلًا متدينًا وملتحيًا يتمتع بشعبية جارفة وكاريزما مميزة، وعمل في تجارة الحبوب والمواد الغذائية قبل الثورة السورية، وهو متزوج، وله من الأبناء خمسة. 

لم يتأخر حجي مارع عن الانضمام إلى الثورة السورية؛ حيث شارك في المظاهرات السلمية التي خرجت في عموم مدن وبلدات محافظات سوريا، حيث حرض أبناء مدينته للخروج في مظاهرات ضد النظام السوري، ولكن البطش الذي تعرضوا له أجبر الصالح ومن معه على حمل السلاح.

شارك الصالح في تشكيل كتيبة محلية بمدينته في بداية الأمر، ومن ثم حصل اندماج لعدد من الكتائب في الريف الحلبي ليتم تشكيل «لواء التوحيد» الذي أصبح قائده العام، وكان له دور كبير في السيطرة على مدينة حلب، ومدن وقرى ريف المحافظة من خلال وضع الخطط والاستراتيجيات، ويعتبر الصالح قائدًا لأكبر وأهم لواء عسكري في الشمال السوري في ذلك الوقت قبل مقتله.

في اجتماع حضره عدد من قادة «لواء التوحيد» من بينهم عبد القادر الصالح في مدرسة المشاة بريف حلب، والتي أصبحت تعرف بمدرسة «الشهيد يوسف الجادر»  أبي الفرات، قامت طائرة حربية تابعة للنظام بشن غارة جوية بصاروخ فراغي استهدف مكان الاجتماع؛ ما أدى إلى إصابته إصابة خطيرة نقل على أثرها إلى تركيا لتلقي العلاج، ولكن المنية وافته متأثرًا بجراحه في تاريخ 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013. دفن الصالح في مسقط رأسه بمدينة مارع شمال حلب، وتم تشييعه ودفنه دون أي حضور جماهيري خوفًا من استهدافهم من قبل الطائرات الحربية.

 بعد مقتل حجي مارع تفتت «لواء التوحيد»، وتحول من أكبر قوة عسكرية معارضة في الشمال السوري إلى هيكل ينخر الدود فيه، حيث تقدم النظام بعد ذلك، وسيطر على عدة مدن وبلدات خاصة في ريف حلب الشرقي، وانتهى الأمر بسقوط أهم قلاع الصالح (مدينة حلب).

8-  غياث مطر.. «حامل الورود»

غياث مطر هو ناشط سوري من مواليد مدينة داريا بريف دمشق عام 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1986، وأحد أهم الوجوه الثورية التي خرجت في بدايات الثورة للمطالبة بإسقاط نظام الأسد، كان يدعو لسلمية الثورة على الرغم من البطش الكبير الذي تعرض له المتظاهرون وأصر على سلميتها.

كان غياث مطر أحد أهم المنظمين للمظاهرات الحاشدة التي كانت تخرج في مدينة داريا، حيث عرف بتقديم الماء والورود لعناصر الأمن السوري والجيش أثناء المظاهرات. اعتقل غياث خلال كمين نصبته قوات الأمن السورية، وذلك بحركة خبيثة، حيث أجبر أحد إخوة أصدقاء غياث على الاتصال والادعاء بأنه مصاب، فتوجه إلى المكان ليتم اعتقاله على الفور.

في يوم 10 سبتمبر (أيلول) 2011 سلم النظام السوري جثمان غياث لذويه إثر وفاته جراء التعذيب الذي تعرض له أثناء الاعتقال، حيث ظهرت على جسده آثار التعذيب وتم شق بطنه وتخيطها بخيوط سوداء غليظة، وتم تشييع جثمانه في نفس اليوم، حيث خرجت مظاهرة كبيرة جدًا نادت «خاين من يقتل شعبه»، وقامت قوات الأسد بإطلاق النار على المتظاهرين؛ ما أدى لمقتل وجرح عدد منهم.

أقيم لغياث مراسم عزاء حضره سفراء كل من الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وألمانيا والدنمارك. وبعد مغادرة السفراء قامت قوات الأمن باقتحام مجلس العزاء حيث أطلقت العيارات النارية والقنابل المسيلة للدموع لفض المجلس.

9- حسين هرموش.. من رعيل الثورة الأول

حسين هرموش من مواليد بلدة إبلين بجبل الزاوية بريف ادلب (شمال سوريا) عام 25 مايو (أيار) 1972، وهو أول ضابط برتبة مقدم ينشق عن نظام الأسد، وهو القائد السابق لحركة «لواء الضباط الأحرار»، درس العلوم العسكرية في روسيا، وله عدة دراسات وبحوث علمية في المجال العسكري.

أعلن الهرموش انشقاقه عن الجيش السوري بعد اندلاع الاحتجاجات المطالبة بإسقاط نظام الأسد، حيث كان وقتها ضابطا برتبة مقدم في الفرقة 11، وأعلن انشقاقه في 10 يونيو 2011 خلال الحملة على مدينة جسر الشغور بريف ادلب الغربي معَ عددٍ من رفاقه مبررًا ذلك بأنه بسبب «قتل المدنيين العزل».

أسس هرموش حركة «لواء الضباط الأحرار»، وكان النواة الأولى لتأسيس الجيش السوري الحر، حيث وجه نداءه إلى عسكريِّي الجيش للانشقاق والالتحاق بحركته، وتبنى عدة عمليات استهدفت قوات الأسد في عموم المناطق السورية. انتقل هرموش بعد مدة قصيرة من إعلان حركته إلى تركيا واستقرَّ فيها، حيث وضع هو وعدد من الضباط المنشقين في مخيم خاص بهم على الحدود التركية السورية، وواصل من مكانه الدعوة إلى الانشقاق عن نظام الأسد.

في صباح يوم الاثنين 29 أغسطس (آب) 2011 ذهب هرموش لمقابلة مسؤولين أمنيين أتراك على الحدود السورية التركية، ولكنه اختفى بعد ذلك في ظروف غامضة، وبعد أقل من شهر ظهر هرموش على شاشة قناة «الدنيا» التابعة للنظام في مساء الخميس 15 سبتمبر (أيلول) 2011 ، ليقول إنه قرر العودة الى سوريا بشكل طوعي؛ لأنه تلقى وعودًا كاذبة من معارضين في تركيا، ويظهر على وجه هرموش في المقابلة أنه تعرض للتعذيب والتهديد، وقد أجريت العديد من التعديلات والمونتاج على المقابلة.

ما يزال مصير هرموش مجهولًا لغاية اليوم، في الوقت الذي يرجح فيه فريق أنه قد تمت تصفيته وإعدامه، حيث حاولت فصائل المعارضة مرات عديدة القيام بعمليات تبادل اسرى وطالبت بالهرموش، إلا أن النظام كان يرفض هذا العرض؛ ما أعطى إشارة واضحة على أنه قد تم قتله. نشرت مئات الصور لعدد من الجثث قتلوا تحت التعذيب في سجون الأسد، بما بات يعرف بصور «قيصر»، ومن بين هذه الصور صورة ما قيل أنها تشبه ملامح هرموش، دون أن يتم تأكيدها لغاية اليوم.

10- رزان زيتونة.. حياة حافلة بالثورة ومصير مجهول

المحامية رزان زيتونة مواليد عام 1977، هي محامية وناشطة حقوقية وأيضًا كاتبة، تخرجت من كلية الحقوق بدمشق عام 1999، وفي عام 2001 بدأت عملها كمحامية تحت التدريب، وهي متزوجة من الناشط السياسي وائل حمادة. كانت عضوًا في فريق الدفاع عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي قبل الثورة، كما كانت عضوًا مؤسسًا في «جمعية حقوق الإنسان في سوريا» واستمرت في عملها مع الجمعية حتى عام 2004.

وفي عام 2005 أسست «رابطة معلومات حقوق الإنسان في سوريا» ليكون بمثابة قاعدة بيانات لانتهاكات النظام لحقوق الإنسان في البلاد، بالاِضافة إلى نشاطها في لجنة دعم عائلات المعتقلين السياسيين بسوريا. رزان حاصلة على جائزة «آنا بوليتكوفسكايا» للمدافعات عن حقوق الإنسان، وعلى جائزة «ساخاروف» الممنوحة من البرلمان الأوروبي بالاشتراك مع رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات.

مع اندلاع الاحتجاجات في بداية الثورة السورية شاركت زيتونة في المظاهرات، ولكنها اضطرت للتخفي بسبب نشاطها الإعلامي لنقل الانتهاكات التي يتعرض لها السوريون لوسائل الإعلام المختلفة.

أسست هي ومجموعة من الشباب ما عرف باسم «لجان التنسيق المحلية في سوريا» في أبريل، كانت مهمتها نقل الأخبار والانتهاكات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإرسالها أيضًا إلى القنوات والمجلات والصحف.

حاول النظام السوري اعتقالها أكثر من مرة وفشل في ذلك؛ حيث كانت تختبئ بشكل جيد وتغير مكانها بشكل مستمر، واقتحمت المخابرات الجوية منزلها الكائن في العاصمة دمشق وصادر كامل المحتويات، كما اعتقل النظام زوجها وأخاه، وأفرج عنهما بعد ثلاثة أشهر قضياها في الحبس الانفرادي؛ ما اضطرها للهروب والانتقال إلى غوطة دمشق.

انتقدت زيتونة بشكل صريح في أكثر من مناسبة فصائل المعارضة في كتابتها وتصريحاتها الصحافية، وهاجمت بشكل مباشر «المتطرفين»، ودعت إلى سلمية الثورة، ووثقت الانتهاكات التي قامت بها بعض الفصائل.

وفي 10 ديسمبر (كانون الأول) 2013 قام مجهولون ملثمون باقتحام مكتب لجان التنسيق في مدينة دوما بالغوطة الشرقية بريف دمشق الشرقي واختطفوا زيتونة وزوجها وشقيقه والسيدة جميلة خليل زوجة ياسين الحاج صالح.

اعتبر «جيش الإسلام» من أكبر الفصائل العسكرية المعارضة، والتي كانت تسيطر على غالبية الغوطة الشرقية، واتخذت من مدينة دوما مقرًا ومعقلًا رئيسًا لها، وقد اتهمه ناشطون بالمسؤولية المباشرة عن اختفاء زيتونة ورفاقها، إلا أن «جيش الإسلام» وعلى لسان قائده العام زهران علوش نفى أية مسؤولية عن ذلك. وكانت اتهامات قد طالت أيضًا تنظيم (داعش) بالمسؤولية عن اختطافهم.

بعد سقوط الغوطة الشرقية وخاصة مدينة دوما وسيطرة قوات الأسد عليها، وتهجير الفصائل العسكرية الى الشمال السوري وتسليم كل ما لديهم من محتجزين بدأت تطفو على السطح التساؤلات والتحليلات والتكهنات التي تسأل عن مصير رزان ورفاقها، حيث رجح حقوقيون وناشطون فرضية تصفيتهم جميعًا، فلا معلومات عنهم منذ خمسة أعوام، كما أن الحالات المشابهة كثيرة، والفوضى الأمنية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، باتت سمة مميزة للوضع في تلك المناطق.

النساء في سجون «بشار الأسد».. راقصة ومُناضلة وربة منزل

11- مي سكاف.. الفنانة الثائرة

الفنانة السورية مي سكاف مواليد 13 أبريل 1969 من مواليد مدينة دمشق، درست الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، وشاركت في العديد من الأدوار المسرحية والتلفزيونية والسينمائية. ولدت سكاف لعائلة مسيحية، بدأت موهبتها في جامعة دمشق، حيث شاركت زملاءها بتقديم أعمال مسرحية في «المركز الثقافي الفرنسي»، وقد لفتت اهتمام المخرج السينمائي ماهر كدو، الذي اختارها لبطولة فيلمه «صهيل الجهات» في عام 1991، فتألقت، ومثلت قرابة 39 مسلسلًا وفيلمًا متنوعًا، وانتسبت لنقابة الفنانين السوريين عام 2001.

كانت مي سكاف أحد الموقعين على «إعلان دمشق» الصادر عام 2005، والذي طالب بالديمقراطية والتعددية الحزبية، وعرفت بمواقفها المناهضة لنظام الحكم في سوريا قبل الثورة، وعند اندلاعها شاركت الفنانة السورية في مظاهرات سلمية وخرجت على القنوات الإخبارية حيث تحدثت فيها عن الانتهاكات التي يتعرض لها السوريون.

 

خرجت مي سكاف مع عدد من المثقفين والفنانين والكتاب في مظاهرة سلمية في منطقة الميدان وسط دمشق يوم الأربعاء في يوليو (تموز) 2011، وتم إعتقالها مع عدد من الأشخاص، وتم توجيه تهم الخيانة لها، إلا أنه تم الإفراج عنها بعد عدة أيام، لكنها تعرضت للاعتقال مرة أخرى بعد نحو شهر، أثناء ذهابها لمنزلها عند أحد حواجز التفتيش في مشروع دمر، شمال غرب دمشق، حيث تم حجزها لعدة ساعات إلى أن تم الإفراج عنها.

في محاكمتها الأولى سألها القاضي عن الشيء الذي تريده جراء انخراطها في المظاهرات، فأجابت: «لا أريد لابني أن يحكمه حافظ بشار الأسد»، كما انتقدت الفنانين الموالين للنظام بقوة واتهمتهم أنهم «يدعمون طاغية يقتل الأبرياء».

بعد اعتقالها في 2013 اضطرت لمغادرة سوريا إلى لبنان بشكل سري، ومن ثم توجهت الأردن واستقرت فيها لفترة قصيرة، لتنتقل بعدها إلى فرنسا برفقة ابنها عام 2013، وكتبت على صفحتها على «فيسبوك» منشورًا قالت فيه: «ما بدي موت برات سوريا.. بس».

توفيت في  23 يوليو 2018 في العاصمة الفرنسية باريس، بسبب نزيف دماغي حاد، وتم تشييع جثمانها ودفنها في مقبرة بضاحية دوردان بباريس، وأكد ابنها جود الزعبي في تصريحات صحافية أن مدفن والدته سيكون مؤقتًا حتى «تتوفر الفرصة الممكنة لنقلها إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد».

وكان آخر ما كتبته مي سكاف على صفحتها الخاصة على موقع «فيسبوك» يعبر عن استمرارها في موقفها المناهض لحكم الرئيس السوري بشار الأسد: «لن أفقد الأمل.. لن أفقد الأمل.. إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد».

12- باسل شحادة.. ترك أمريكا تلبية لـ«نداء الثورة»

باسل شحادة مواليد مدينة دمشق عام 1984، لأسرة مثقفة مسيحية، وكان والده مهندس ميكانيكي وأكاديمي مدرس في جامعة دمشق، ووالدته عائدة بوز مهندسة أيضًا. التحق باسل بكلية الهندسة المعلوماتية، وأيضًا درس في كلية الآثار بجامعة دمشق، وتخرج بدرجة إجازة في قسم الذكاء الصناعي عام 2006، ومن ثم عمل مع إحدى منظمات الأمم المتحدة في دمشق، ولم يستطع المتابعة لشعوره بأن وقته يهدر في العمل المكتبي، فقرر أن يتحول إلى صناعة الأفلام.

كان من الداعمين للربيع العربي؛ حيث نزل مع أصدقائه للاحتفال أمام السفارة المصرية في دمشق بعد سقوط نظام حسني مبارك، متجاهلين تعليمات عناصر الأمن وهاتفين للمرة الأولى: «هبّي يا رياح التغيير»، وتم توقيفه لساعات قليلة، وتم الإفراج عنه.

خرج في مظاهرة سلمية بحي الميدان بالعاصمة دمشق بتاريخ 13 يوليو 2011 فيما باتت تعرف بـ«مظاهرة المثقفين»، وتم اعتقاله وعدد من المثقفين، لكن تم الإفراج عنه بعد عدة أيام.

وبسبب ضغط أهله عليه، انتقل باسل إلى مدينة نيويورك الأمريكية لمواصلة دراسته في مجال صناعة الأفلام، لكنه لم يتحمل الابتعاد عن الثورة وقرر العودة إلى سوريا مجددًا بقوله: «هل سأقول لأطفالي عندما أكبر.. إني تركت وطني وانطلقت وراء طموحي الشخصي».

انخرط باسل في العديد من نشاطات الحراك السلمي، وشارك في مظاهرات بعدة مدن منها حماه والزبداني ومضايا والرستن، وشارك بالتنسيق لمظاهرة المثقفين بلبنان صيف 2011، وقد شارك أيضًا في مشروع «نقود الحرية»، كما قام بتصوير العديد من المظاهرات السلمية وتوثيق اعتداءات الأمن عليها. عمل مراسلًا ميدانيًا لعدد من القنوات الإعلامية العالمية، وانتقل أخيرًا إلى مدينة حمص بعد المعارك العنيفة التي شهدتها أحياؤها، وبقي فيها قرابة ثلاثة أشهر إلى أن قتل فيها. 

كان يومًا روتينيًا في مدينة حمص، التي كانت ترزح تحت قصف مدفعي وصاروخي متواصل من قبل قوات الأسد، ففي 28 مايو 2011 خرج باسل مع صديقيه للتصوير وتوثيق إجرام النظام في حي الصفصافة الحمصي، فتعرضوا لقذيفة مباشرة أدت لإصابتهم جميعًا، ونقلوا على إثرها إلى المشافي الميدانية التي تفتقد لأدنى ضروريات الحفاظ على الحياة، حيث توفي متأثرًا بجراحه التي أصيب بها وزميله أحمد الأصم، ودفن في مدينة حمص كما كان قد أوصى، وغنى الساروت في تشييع جثمانه بمدينة حمص. 

وأصدرت جامعة سيراكوس بيانًا يستنكر مقتل باسل ويعزي أهله وأصدقاءه بفقيدهم، كما علق المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي على مقتل باسل بالقول: «هذا خبر حزين للغاية، لقد كان باسل إنسانًا في منتهى الروعة والشجاعة».

13- باسل خرطبيل.. النابغة الذيي انتهى على مشانق الأسد

باسل خرطبيل الصفدي مواليد دمشق عام 1981، فلسطيني سوري، وهو مهندس تقني ومطِّوِّر برمجيات مفتوحة المصدر، وأحد الناشطين في مجال حقوق الإنسان، وخاصةً فيما يخص الحق في المعرفة وحرية تداول المعلومات. نشط الصفدي من أجل توسيع نطاق وصول الشعب السوري عبر شبكة الإنترنت، ومحاولة فتح سوريا على العالم، وتوثيق وتوصيل المعلومات لهم، خاصةً في ظل التكتم والرقابة على المعلومات من قِبل النظام السوري.

صنف باسل بأنه العقل التاسع عشر في العالم في علم البرمجيات الحديث بسبب مساهمته في عدة مشاريع تتعلق بـ«المصدر المفتوح» للمعلومات في شبكة الإنترنت، مثل «موزيلا فايرفوكس» و «ويكيبيديا» وأطلق في دمشق عام 2010، برنامجه الإلكتروني «إيكي» للتقنيات التعاونية التي منحت الناس أدوات جديدة للتعبير، وكذلك كان المدير التقني لشركة «الأوس» للنشر، وهذه مؤسسة نشر بحثية متخصصة بعلوم وفنون الآثار في سورية. 

وهو السوري الفلسطيني الذي شغل منصب مدير مشروع لصالح «منظمة المشاع الإبداعي» في سوريا، والتي حاولت أن تجعل الإنترنت وخدماته الهائلة متاحة للسوريين الذين تأخر كثيرًا عنهم. وكانت لباسل مساهمات حقيقية في إنشاء «ويكيبيديا» العربية كما أنه ساهم في تطبيق برامج «أوبن كليب أرت»، «فابريكيتورز»، و«شاريزم».

قام النظام السوري باعتقال باسل في مارس (آذار) 2012، حيث قامت شعبة الاستخبارات العسكرية باعتقاله في حي المزة بدمشق، وتم التحقيق معه وتعذيبه لخمسة أيام متواصلة، بالإضافة لتفتيش منزله ومصادرة حاسوبه ومتعلقات أخرى، ومُثل باسل أمام قاض عسكريّ بدون محام بتهم تتعلق بـ«المساس بأمن الدولة»، أرسلته الاستخبارات العسكرية إلى سجن عدرا في دمشق، الى أن تم تنفيذ حكم الإعدام بحقه.

لم يكن باسل خرطبيل مجرد ناشط في التقنيات والحريات الرقمية فقط، بل أيضًا عمل على التركيز والربط بين هذه التقنيات، وبين الفنون والآثار، حيث أنشأ «مشروع تدمُر الجديدة»، الذي كان أساسه إصلاح ما أفسده تنظيم (داعش) في المدينة الأثرية، حيث عمل الصفدي على هذا المشروع، وهو قابع في زنزانته، عبر التواصل مع رفقائه خارجها.

والمشروع هو عبارة عن إنشاء صور ثلاثية الأبعاد لمدينة تدمر التي تمثل أهم معالم عراقة سورية وحضارتها، حيث وضع تصورًا مرئيًا في الوقت الحقيقي، وقد كان أول عمل عربي يقام على هذه الشاكلة لمنطقة أثرية. وفي 21 أكتوبر 2015 أعيد وأنشئ «مشروع تدمر الجديدة»، لاستئناف عمل باسل على نموذج ثلاثيّ الأبعاد، في حين أن باسل نفسه كان قد انتقل إلى بارئه.

حصل باسل على المركز التاسع عشر في قائمة «فورين بوليسي» لأفضل مفكرين عالميّين، مع ريما دالي، وذلك «للإصرار على سلمية الثورة السورية ضد كل الظروف»، كما حصل على جائزة «مؤشر الرقابة في مجال الحريات الرقمية» في مارس 2013.

وفي أغسطس 2017 كتبت نورا غازي الصفدي زوجة باسل على حسابها في موقع «فيس بوك» منشورا في تاريخ أكدت فيه خبر إعدام زوجها وقالت: «تغص الكلمات في فمي، وأنا أعلن اليوم باسمي واسم عائلة باسل وعائلتي، تأكيدي لخبر صدور حكم إعدام وتنفيذه بحق زوجي باسل خرطبيل صفدي بعد أيام من نقله من سجن عدرا في أكتوبر 2015.. نهاية تليق ببطل مثله».

كما علقت «منظمة العفو الدولية» على خبر إعدام الصفدي، وقالت أنّا نيستات، المدير العام للبحوث في المنظمة: «نشعر بأسى وغضب عميقين لسماع هذا الخبر المحزن. وسيبقى باسل خرطبيل في ذاكرتنا، على الدوام، كرمز للشجاعة وكمناضل سلمي من أجل الحرية حتى النهاية. وستظل أفكارنا وقلوبنا مع عائلته».

أسماء الأسد.. الحسناء التي تضع المساحيق على وجه النظام السوري

المصادر

تحميل المزيد