لسنوات فقدت أستوديوهات بيكسار ميلها للمخاطرة لتعود هذا العام بفيلم عن عالم يعرفه الجميع ولكن لم يره أحد، فيلم سيجعلك تضحك وتبكي أكثر مما فعلت في أول 10 دقائق من فيلم Up” 2009، فنصيحة احتياطية اذهب للفيلم بفائض من المشاعر تنفقها وأنت تراقب رسومات تلعب بتجاويف عقلك.

فيلم “Inside out” رقم 15 لشركة بيكسار وأحدث أفلامها والذي أعادها لأفضل حالاتها يكشف ما يحدث بالعقل بينما ننضج، وتغيير ما يعنيه أن تكون سعيدًا بينما أنت تحتاج أن تحزن ولو قليلًا، هذا لا يجعل من الفيلم محزنًا فهو مضحك للغاية مع طاقات متفجرة، لكن احترامه الشديد للحزن والطريقة التي يجرؤ بها على الاعتراف بأن الحياة تسطع بسهولة كما تلقي بظلالها علينا.

جدير بالذكر أن “Inside out” هو أول فيلم لبيكسار يتم إنتاجه ويحقق هذا النجاح دون ستيف جوبز مؤسس بيكسار الذي كان له وجود قوي في الأستوديو حتى وفاته 2011.

أضاف “Inside out” درجة أخرى لسلم إنتاج بيكسار مع مزيج من الجرأة والذكاء وخفة الظل ومنح العواطف فرصة للتعبير عن نفسها، الفيلم من تأليف وأفكار بيت دوكتر الذي تواصل مباشرة مع المخرج المشارك روني ديل كارمن وجوناس ريفيرا، “Inside out” يبدأ من فرضية مجردة وجريئة “اللعب بالمشاعر الإنسانية داخل عقل ريلي أندرسن” الفتاة الصغيرة التي أدت صوتها كايتلن دياس، وباقي أبطال الفيلم من مشاعرها “فرح، حزن، غضب، اشمئزاز”.

في البداية تتساءل واحدة من تلك المشاعر، “فرح”: “هل قمت من قبل بالنظر لشخص ما وسألت نفسك عما يدور داخل رأسه؟”، أنت الآن حاولت أن تتخيل كيف يمكن لهذه الحالات النفسية أن تبدو؟ وكيف يمكنهم خلق قصة تمتد لنحو 100 دقيقة؟

بحرفية وقف “Inside out” على هذه البقعة بعيدة المنال التي صنعت منه فيلمًا ممتعًا للأطفال والكبار، يبدأ الفيلم من غرفة مظلمة تضيء بولادة الصغيرة “ريلي” تراقبها “فرح” من الغرفة والتي تظن أنها هنا وحدها لتراقب ضحكات “ريلي”، تنقر على استحياء على الأزرار، وفي العالم الحقيقي “ريلي” حديثة الولادة تضحك في عين والديها وهما يذوبان فرحة، اللحظة التي تحولت لكرة بولينج ذهبية تتدحرج إلى أسفل وسط أنابيب لتستقر في محطة “الذاكرة الأولى لريلي” المكون الأساسي الذي ستستخدمه “فرح” لبناء نفسيتها.

مشاعر “ريلي” تراقب لحظاتها السعيدة مع والديها

 

“فرح” تبدو عفوية، متوهجة ومتفائلة بشكل مرضي عكس “حزن” التي لحقت بها للعمل بعينين كبيرتين وصوت بارد وملابس شتوية، تبدو “ريلي” سعيدة على شاشة مراقبة تشبه السحابة تتأملها “فرح” حتى سرعان ما انضمت العواطف الأخرى: الخوف، الاشمئزاز والغضب، وتشبه هذه الأخيرة إسفنجة حمراء تجلس القرفصاء وتنفجر في رأسها النيران عند استفزازها، حياة هؤلاء الخمسة تدور حول رصد “ريلي” وتوجيه استجاباتها من خلال لوحة من الأزرار تشبه “البلاي ستيشن” تحاول “فرح” السيطرة عليها دائمًا مقتنعة بأن المشاعر الإيجابية مع شيء من الهوس سيبقيان “ريلي” بخير دائمًا، وأن زملاءها مساعدون فقط عليهم ألا يلمسوا الأزرار.

المشاعر الخمسة أمام أولى أزماتهم و”ريلي” تتحول من طفلة لمراهقة صغيرة

 

بدأت الأزمات، وعمر “ريلي” الآن 11 عامًا، تنتقل مع والديها من ولاية مينيسوتا إلى سان فرانسيسكو حيث مدرستها الجديدة، عليها أن تتخلى من الآن عن ممارستها الهوكي على البحيرة المتجمدة والعيش بولاية تقدم محلاتها البيتزا بـ”القرنبيط”، تحاول “فرح” السيطرة على صدمات اليوم الأول بالمنزل الجديد لـ”ريلي”، كئيب، وغير مؤثث، لكن الصدمة الأكبر كانت في اليوم الدراسي الأول والذي تسبب في انهيار “جزيرة الشخصية” شخصية “ريلي” أمام زملائها بالفصل بينما “فرح” و”حزن” منشغلتان عنها.

بينما يحاول “اشمئزاز” و”غضب” و”خوف” حفظ مشاعر “ريلي” تحت السيطرة تجد “فرح” و”حزن” نفسهما خارج المقر الرئيسي تتجولان في تجاويف العقل بين أستوديوهات الأحلام، وخزانة ذكريات الطفولة، وقطار الأفكار، ومنطقة الفكر المجرد، واكتشاف آليات النسيان أثناء محاولتهما العودة للمقر الرئيسي وإنقاذ “ريلي” التي تحاول الهرب من بيت أسرتها بعدما خسرت في مباراة الهوكي وافترقت عن صديقتها وتشاجرت مع والدها.

شعرت “ريلي” بحرج شديد ثم بدأت بالبكاء وهي تحكي عن مينيسوتا ولايتها القديمة

 

الفيلم استعارة كبيرة للتغيرات التي تحدث بقلبك وعقلك بين مرحلتي الطفولة والمراهقة، ومبارزة العواطف داخلك وتلك التي تزيح الأخرى وتحل محلها وتعيد الترتيب استعدادًا لقدر من النضج، وهو ما حاول المخرج شخصنته في الفيلم لترى مشاعرك وهي تتفاعل مع بعضها، وكيف تنشأ الحالات العاطفية حتى تلك العواطف المركبة أو المتحاربة، الفيلم لا يسير فقط نحو النضج بل الحكمة أيضًا، فمع بداية الفيلم لا تخضع “ريلي” لجميع عواطفها لكنها تعيش حالة عاطفية افتراضية حتى الوقت الذي عليها تطوير علاقتها بعائلتها وحياتها الاجتماعية الجديدة المعقدة داخل المدرسة، لتتعلم كيفية التعامل مع عواطفها بتحدٍ أكبر، وتتعلم عواطفها كيف تدير المواقف الصعبة وتتخلى عن الافتراضات القديمة حول الحالة العاطفية الأفضل.

نحن نصف معظم عواطفنا بأنها سلبية في حين أنها ليست كذلك على الإطلاق، ولكن المواقف الحياتية هي ما يدفعنا لعيش لحظات غير سارة، والتي هي في حد ذاتها شيء بشري تمامًا وصحي، كما هو طبيعي جدًّا لدى “حزن” أن تحاول الانخراط أكثر في إدارة المقر الرئيسي والحديث حول سيطرة “فرح” على ذاكرة المدى الطويل وإبعاد زملائها عن العمل، إلا أن غيابها ومحاولتهم إنقاذ “ريلي” من أزمتها جعل الفتاة تتصرف مثل طفلة تبلغ من العمر 11 عامًا طبيعية وتتقلب مشاعرها بشكل طبيعي.

وفي الوقت نفسه فلدى الفيلم ما يقوله حول طرق تخزين الذكريات في العقل، وكيف يمكن للذكريات أن تتغير مع مرور الوقت، بالإضافة للفرق بين الذاكرة طويلة وقصيرة المدى والذكريات التي أصبحت أساسية، وتلك التي يؤرشفها بعقلك رجل يشبه أمين المكتبة وهو يلقي بالكتب غير المهمة “من وجهة نظره” إلى النفايات.

“بينج بونج” صديق “ريلي” الوهمي يقابل “حزن” و”فرح” في ممرات الذاكرة الطويلة

 

صورت بيكسار الصديق الوهمي لنا في الطفولة بمزيج غامض من الأشياء المفضلة، “بينج بونج” الصديق المثالي الذي يبكي سكاكر وله رأس فيل وجسم دولفين وتغطي جسمه خيوط حلوى وردية، يعيش “بينج بونج” في ذاكرة “ريلي” القديمة ويتذكر ما كانا يفعلانه وهي صغيرة لكنه اليوم عاطل عن العمل يركب قطار أفكارها الكلاسيكي الذي يتجول بين محطات منسية يتم إزالتها واحدة واحدة من عقل “ريلي”.

“بينج بونج” هو هذا النوع من الخيال الذي نلمسه في عقول الأطفال عندما نراهم في الغرفة يتحدثون لأنفسهم ويقولون “أنا أتحدث لصديقي”، “بينج بونج” هو هذا الخيال الذي ملأ الفراغ بعقلنا جميعًا بهذا السن، والذي رأيناه في الحصان الخشبي بعدما ادخرنا من أجله مصروف الجيب والوحيد الذي يتمنى لنا الخير ولا يلقي الأوامر مثل الوالدين أو يجرح مشاعرنا كالأصدقاء، والذي ضحى بنفسه من أجل عودة “فرح” للمقر الرئيسي وإنقاذ “ريلي” وأعدادها لفترة المراهقة ليعقب “بينج بونج” الملايين من الذكريات والتجارب الأخرى.

انتهت أسطورة أن الأطفال الوحيدين فقط من لهم أصدقاء وهميين، ففي دراسة أجريت عام 2004 من قبل علماء النفس في جامعة واشنطن أن 65% من الأطفال قبل سن السابعة عرضة لمصادقة وهميين معظمهم اختفوا بدخول المدرسة.

“بينج بونج” كان صديق “ريلي” الوفي فرغم نسيانها له إلا أنه ركب عربته الصغيرة مع “ريلي” وظل يغني بقوة لتدفعهما نحو المقر الرئيسي، وعند فشلهما أكثر من مرة قرر النزول عن العربة، وقال إنه يدرك أهمية “فرح” لمستقبل “ريلي” وأن عليها أن تتركه وراءها في قاع ذكرياتها التي تتحول إلى رماد يتطاير حوله، وفقد أمله في أن يعود لذاكرة صديقته وما زال يغني أغنيته “من الأفضل في كل شيء وتحب الغناء معه.. بينج بونج.. بينج بونج”.

الذكريات السعيدة صفراء متوهجة يتحول لونها ما إن لمستها “حزن”

 

خرج الفيلم بمساعدة اثنين من علماء النفس: بول إيكمان وهو من عمل على تعابير الوجه للمشاعر، وديتشر كليتنر من جامعة كاليفورنيا، إيكمان وكليتنر هما من أصحاب ما يعرف باسم “نظرية المشاعر الأساسية”، ويمكننا القول بأنها النظرية السائدة في دراسة العواطف. من الناحية النظرية – التي لها جذور في تعريف داروين لعواطف الإنسان والحيوان- فإن العواطف منفصلة “وظيفيًّا” عن أفعالنا لكنها تساعدنا في التكيف وخدمة رفاهيتنا وبشكل أكثر تحديدًا فإنه حتى للمشاعر السلبية هدف مهم ينطوي عليه الفيلم عند زيادة وعي “فرح” بأن “حزن” هي أكثر من عاطفة كسولة ومتشائمة بل مفيدة و”ريلي” تحتاج إليها.

يقول كليتنر بأنه إذا كانت المشاعر “شخصيات الفيلم” هي شخصية “ريلي” فكيف تحب “فرح” “ريلي”؟ ووصف كليتنر بأن هذا الحب مثل حبك لسيارتك أو علاقتك الغرامية، ففي الحقيقة يملك الجميع إرادة حرة في انفعالاته كما علاقاته – إذا كان واعيًا لذلك- فإن شعورك بالغضب أو الخوف ليس مفروضًا عليك وليس تبريرًا منطقيًّا لتصرفاتك، فإن ما تفعله هو اختيارك.

مشاعر “حزن” قد تنقذها أو تدفعها لركوب السحابة في الطريق لإنقاذ “ريلي”

 

الشيء الأكثر دهاءً في الفيلم والذي أخضعه عالما النفس للتجريب هو تأثير العواطف على تفاعلنا الاجتماعي، فالعواطف هي الهيكل والمضمون خلال تعاملنا مع الآخرين، فإذا وقعت بحب شخص فإن كل ما تقوم به من شراء الزهور وقراءة الشعر محكوم من قبل العواطف، فتضع هذه العواطف نمط تواصلك مع شريكك، وهو ما وضحه الفيلم خاصة في معارك “ريلي” مع والديها قبل الهروب من المنزل وحتى عودتها إليه محكومة بمشاعر “الحزن”، حزن من إمكانية فقدها ذكرياتها السعيدة مع والديها.

نجاح “حزن” في إعادة “ريلي” لمنزلها عند لمسها ذكرياتها السعيدة كان تعبيرًا واقعيًّا عن قدرتنا في التحيز نحو الماضي أو رفض تذكره، فالذاكرة بطبيعتها ناقصة تخسر الكثير بمرور الوقت والعواطف هي جزء من إعادة بناء الماضي، الماضي الذي قررت “ريلي” نسيانه لحظة هروبها وأعادته “حزن” لها وأثارته ليكون دافعها للعودة وعلامة على النضج وإدراك أن السعادة مجموعة كاملة من العواطف تظهر في الوقت المناسب، وأننا نحتاج الحزن ونحتاج الغضب ونحتاج الخوف وهذا ليس شيئًا سيئًا.

Inside out”” ليس فقط لتذكيرنا بتركنا الطفولة وانقضاء نعيمها، ولكن بسعينا المستمر نحو السعادة واختلاف مفهومها عبر مراحل النمو، وأنه لا بأس بأن تكون حزينًا وأن تتحمل بمشاعر لم تكن تعتقد بضرورتها فهو فيلم للحب ولحب الفرح والحزن أن يعيشا سويًّا، ومع هذا الهجين من الشعور والتأكيد على أن ما نعاني منه صحي وجزء طبيعي من النمو.

 

جاءت بيكسار هذا العام لمحبي السينما بهدية رقيقة، فيلم غنائي قصير لمدة 6 دقائق بعنوان “Lava” يحكي عن أمنية بركان بأن يأتيه من يشاركه وسط المحيط مثل الأسماك والسحاب الذي يتلاحم والطيور كل يوم أمامه حتى تأتي من تغني معه أغنيته بعدما تفجرت بحممها من قاع البحر لسطحه، وجاءت الأغنية كمقدمة لفيلم Inside out.
لمشاهدة فيلم Lava

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد