فَتِّش عن الأرباح.. الجانب المظلم للنظام الغذائي النباتي

هل هناك دوافع سياسية واقتصادية وراء انتشار صيحة النظام النباتي الغذائية؟ 

في ظل عالم تتحكم فيه الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وفي ظل نظام رأسمالي سمح لهذه الشركات بالتمدد والتدخل في السياسات العالمية من أجل خدمة مصالحها؛ ربما أصبح لزامًا علينا أن ننظر بعين الشك والريبة إلى كل اتجاه جديد يظهر وينتشر، وتكون إحدى أو بعض هذه الشركات هي من تقف وراءه أو المستفيدة منه.

إذا أردت الحصول على بعض النصائح الصحية بخصوص نظام التغذية ونوعية الغذاء الأفضل لصحتك، فمن الطبيعي أن تلجأ إلى أطباء وأخصائيي التغذية؛ لأنهم الأكثر إلمامًا وخبرة في هذا المجال. إذا كنت تصدق الصحف ومنشورات النصائح الغذائية، فربما تعتقد أن هؤلاء هم الأشخاص الذين يوجهوننا في هذا المجال. لكن ما لا تعرفه هو أن لتوجهات الغذاء حول العالم دوافع سياسية واقتصادية أكثر مما يبدو عليه الوضع. وبالطبع ابحث دائمًا عن المستفيد.

منافع اقتصادية وراء «موضة» النظام النباتي

يمكن إعادة تفسير العديد من المناقشات المتعلقة بالغذاء في أيامنا الحالية بشكل مختلف، عندما ننظر إليها على أنها جزء من صورة اقتصادية أوسع. على سبيل المثال، شهدت السنوات الأخيرة وجود انتشار كبير للغذاء النباتي بوصفه الأكثر صحة للإنسان. لكن إذا نظرنا بشكل أعمق، فسنجد أن مشاركة النظام النباتي بشكل ما في برنامج سياسي يمكن أن يكون له تأثير سلبي على الزراعة التقليدية الصغيرة لصالح الزراعة الصناعية على نطاق واسع. بكلمات أخرى فإن البعض استغل هذا التوجه ودعمه لصالح الشركات الغذائية الكبرى.

هذا جزء من اتجاه أوسع نطاقًا، يهدف إلى الابتعاد عن المنتجين الصغار والمتوسطين، إلى الزراعة على نطاق صناعي، ويدفع باتجاه سوق غذاء عالمي تصنع فيه الأغذية من المكونات الرخيصة التي تشترى من سوق السلع العالمية، والذي يتميز بأنه يخضع لمنافسة شرسة ومفتوحة.

قد يبدو هذا الكلام معقدًا وغير مفهوم، لذلك دعنا نستعين بمثال. خذ بعين الاعتبار عملية إطلاق مجموعة جديدة كاملة من اللحوم المقلدة (اللحوم النباتية)، التي ابتكرت في المعامل، ليست اللحوم فقط، بل أيضًا منتجات الألبان المزيفة، والبيض المزيف، والتي ظهرت في الولايات المتحدة وأوروبا. يحتفل مناصرو النظام النباتي بهذه المنتجات غالبًا كدليل على صعود الحركة النباتية حول العالم. لكن ما يحدث بالفعل هو أن هذه المنتجات الجديدة جعلت القوة السياسية تتحول من كونها في أيدي المزارع التقليدية والأسواق المحلية، إلى شركات التكنولوجيا الحيوية والشركات متعددة الجنسيات العملاقة.

الزراعة والصناعة التقليدية في خطر بفضل النظام النباتي

تتوقع التقديرات الخاصة بسوق غذاء النظام النباتي العالمي، أن ينمو كل عام بنحو 10% ليصل إلى حوالي 24.3 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2026. وقد شجعت مثل هذه الأرقام الكبيرة عمالقة شركات الصناعات الزراعية على التدخل، بعد أن أدركت أن أسلوب الحياة القائم على نظام غذائي نباتي يولِّد هوامش ربح كبيرة، ويضيف قيمة إلى المواد الخام الرخيصة (مثل مستخلصات البروتين والنشا والزيوت) من خلال عملية المعالجة الفائقة لهذه المواد الرخيصة، وتحويلها إلى لحوم وألبان نباتية مصنعة.

شركة «يونيليفر» نشطة بشكل خاص في هذا المجال؛ إذ تقدم ما يقرب من 700 منتج نباتي في جميع أنحاء أوروبا. ويتنبأ باحثون في الولايات المتحدة الأمريكية بأننا «على أعتاب أسرع وأعمق وأسوأ اختلال للزراعة على مر التاريخ». ويقولون إنه بحلول عام 2030، ستنهار صناعة الألبان والأبقار في الولايات المتحدة بأكملها، لأن عملية «التخمير الدقيق»، أو إنتاج البروتينات الحيوانية بكفاءة أكبر عبر الميكروبات، ستعطل إنتاج الغذاء المعتاد الذي نعرفه في ظل انتشار النظام النباتي.

النظام النباتي بين العالم الأول والعالم الثالث

قد يعتقد الغرب أن هذا الثمن يستحق الدفع، لكن في أماكن أخرى هناك قصة مختلفة. ففي حين أن هناك الكثير مما يمكن قوله حول إعادة موازنة الأنظمة الغذائية الغربية، بعيدًا عن اللحوم والفواكه والخضراوات الطازجة؛ لكن في الهند ومعظم أفريقيا، تعد الأطعمة حيوانية المصدر جزءًا لا غنى عنه في الحفاظ على الصحة والحصول على الأمن الغذائي، وخاصة للنساء والأطفال، و800 مليون فقير الذين يعيشون على الأطعمة النشوية في هذه المناطق.

Embed from Getty Images

برجر نباتي

هنا تظهر مشكلة كبيرة، وهي عدم إدراك مناصري أسلوب النظام النباتي في كثير من الأحيان لمثل هذه الفروق الدقيقة بين عالمهم وبقية العالم. هذا الأمر كان واضحًا عندما تحدث أحد العلماء الكنديين في أحد المؤتمرات عام 2019، واصفًا الهند بأنها «مثال رائع»؛ لأن الكثير من مصادر البروتين تأتي من النباتات عندهم. لكن مثل هذا الحديث في الهند هو أبعد ما يكون عن حقيقة الجدل حول الأطعمة النباتية والحيوانية.

الهند تحتل المرتبة 102 من بين 117 دولة في مؤشر الجوع العالمي، هناك يتغذى 10% فقط من الرضع بين ستة و23 شهرًا بشكل كاف. ورغم أن منظمة الصحة العالمية توصي باستخدام أغذية ذات مصدر حيواني كمصادر مغذيات عالية الجودة للرضع، فإن السياسة الغذائية هناك تسيطر عليها القومية الهندوسية العدوانية التي تعامل العديد من الأقليات في الهند على أنهم غرباء. حتى استخدام البيض في الوجبات المدرسية أصبح مسيَّسًا. لذا فإن استهلاك منتجات حيوانية أقل في الهند ليس أمرًا اختياريًّا كونه أفضل، بل يتحكم فيه بُعد سياسي تفرضه قومية سياسية حاكمة، ترفض تناول اللحوم لأسباب دينية، وتفرض الأمر على آخرين.

وبالمثل، هناك حرب غذائية في أفريقيا غرضها تحويل الزراعة إلى المستوى الصناعي من قبل الشركات متعددة الجنسيات والأجنبية، التي تأخذ الأراضي الخصبة على حساب المزارع العائلية الصغيرة، التي تتضمن وجود الأبقار ومنتجات الألبان، وهو ما يتسبب في تفاقم التفاوت الاجتماعي. المحصلة هنا هي أن المصلحة الخاصة والأحكام المسبقة السياسية غالبًا ما تختفي اليوم خلف حديث كبير عن الأنظمة الغذائية «الأخلاقية» والاستدامة، مع أن العواقب لهذا الحديث قد تكون نقصًا في التغذية، وثقافات أحادية مدمرة للتنوع البيولوجي وتآكل السيادة الغذائية.

ماذا يحكي لنا التاريخ عن الدوافع السياسية وراء الغذاء؟

في روما القديمة، كان هناك نظام متبع يدعى نظام «كورا آنوناي»، والذي استخدمه الرومان للرمز إلى المحافظة على إمددات الحبوب تكريمًا للإلهة آنونا. وكانت تجري عملية توزيع حصص الحبوب من معبد سيرس. عملية توفير الحبوب (وهو ما يعني توفير الخبز الذي يصنع منها) كان هو المقياس المركزي للحكومة الجيدة.

مجتمع  منذ 8 شهور

«سنحاربهم بالإيدز».. ماذا تعرف عن جماعات «الإرهاب» النباتية؟!

يرجع هذا الأمر إلى أنه في العصور الكلاسكية القديمة، لم يكن بالإمكان تلبية كامل إمدادات الحبوب لمدينة روما، وخاصة المناطق الريفية المحيطة بها، وبالتالي أصبحت مدينة تعتمد بشكل متزايد على إمدادات الحبوب من أجزاء أخرى من إيطاليا، ومناطق أخرى تحت السيطرة الرومانية، مثل صقلية، وشمال أفريقيا، ومصر. اكتسبت هذه المقاطعات والممرات الملاحية والموانئ المهمة أهمية استراتيجية كبيرة، أيًّا يكن من يسيطر على إمدادات الحبوب، كان يجب أن يكون له مقدرة كبيرة للسيطرة على مدينة روما.

إذا ما انتقلنا إلى بريطانيا في القرن الثامن عشر، أوضح اقتصاديون وجود صلة بين الأجور وسعر الذرة، وبالتالي كان الطعام في مركز الاقتصاد. ولطالما كان السياسيون يراقبون السياسة الغذائية كوسيلة لتشكيل المجتمع. لهذا السبب فرضت الرسوم الجمركية والقيود التجارية الأخرى على المواد الغذائية والحبوب المستوردة في بريطانيا، بين عامي 1815 و1846. وعززت «قوانين الذرة» هذه الأرباح والقوة السياسية لملاك الأراضي، على حساب رفع أسعار المواد الغذائية، وإعاقة النمو في القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وفي أيرلندا، أدت سهولة زراعة نبات البطاطس، الذي استورد مؤخرًا، إلى أن يعيش معظم الناس على نظام غذائي ضيق ومتكرر من البطاطس المحلية مع الحليب. لكن عندما وصلت آفة البطاطاس، مات مليون شخص جوعًا، حتى مع استمرار البلاد في إنتاج كميات كبيرة من الطعام، لكنها كانت تصدرها إلى إنجلترا.

توضح هذه الأمثلة جيدًا أن السياسة الغذائية كانت غالبًا معركة بين مصالح الأغنياء والفقراء. ولهذا، لم يكن أمرًا مستغربًا أن شخصًا مثل كارل ماركس، الفيلسوف الألماني والثوري الاشتراكي، أعلن أن الغذاء يقع في صميم جميع الهياكل السياسية، وحذر من تحالف الصناعة ورأس المال بهدف التحكم في إنتاج الغذاء وتشويهه.

التنمية المستدامةالشركات الأجنبيةالطعام الصحيالنظام النباتيصحة

المصادر