تثير الأرقام التي تنشرها المؤسسات المالية الدولية عن اقتصاد الدول جدلًا مستمرًا، وخلافًا تقنيًا حول مطابقة هذه المؤشرات للأوضاع الاقتصادية الحقيقية لهذه الدول وأحوال مواطنيها، وقول البعض إنها «خادعة» تستند لمقاييس وهمية، لا تعبر عن حقائق الأحوال.

وينتقل هذا الخلاف التقني إلى العلاقة بين الأنظمة الحاكمة التي توظف هذه الأرقام والمؤشرات للتأكيد على مساراتها الصحيحة، وأنماط إدارتها «الحكيمة» التي استطاعت كسب ثقة هذه المؤسسات، وبين المعارضين السياسيين الذين يرون في هذه الأرقام وسيلة تضفي بها هذه المؤسسات الدولية شرعية على أنماط حكم الأنظمة «المستبدة».

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
هكذا رسخ صندوق النقد والبنك الدوليين عروش الاستبداد في العالم

يحاول التقرير التالي التعرف على حقائق وقدرة الأرقام التي تنشرها المؤسسات الدولية على التعبير عن الأوضاع الحقيقية من عدمه، وعن المعايير التي تستند لها هذه المؤسسات المالية الدولية في الوصول لهذه المؤشرات التي عادة ما تكون محل خلاف وجدل حولها.

صدق أو لا تصدق.. المؤشرات «الجامدة» ليست مقياسًا حقيقيًا!

يرتبط الجدل القائم حول مشكلة الأرقام الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية بقصور في المؤشرات التي ترتكز على الكم دون الكيف، وتغييب للفوارق الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات في الدول محل للتقييم، من حيث مستويات وشرائح الدخل والإنفاق المختلفة. كما أنها تغفل الأعراض الجانبية للسياسات الاقتصادية، والتي بدورها تؤثر على طبيعة الأرقام الصادرة عنها.

ويدفع هذا القصور في بعض المؤشرات إلى التباين الذي نراه في الدول التي تنال إشادات دولية حول أوضاعها المالية ونسب النمو المرجوة وبين أحوال مواطنيها المعيشية.

يبرز في ذلك عدد من الأمثلة، من بينها نيجيريا، الدولة الأفريقية التي شهدت مع أوائل عام 2013 زيادة كبيرة في الاستثمار الأجنبى المباشر، بفعل النمو الاقتصادى الذى وصل إلى 7%، وسط تقارير للمؤسسات الدولية تمتدح التجربة النيجيرية، بعدما تحسن تصنيف نيجيريا الائتمانى وتراجع تكلفة الإقراض لها مع ارتفاع احتياطات البلاد من النقد الأجنبى لأعلى مستوياتها منذ أربع سنوات.

غير أن هذه الأرقام المتفائلة والصورة الإيجابية للوضع الاقتصادي للدولة الأفريقية كانت تقابلها صورة أكثر تشاؤمًا تتمثل في ارتفاع نسب البطالة، وازدياد معدل الفقر المدقع بين مواطنيها حتى بلغت نسبته نحو 60.9%، حتى أنهم أصبحوا غير قادرين على توفير تكلفة الاحتياجات الأساسية من الطعام، والملبس، والمأوى.

Embed from Getty Images

تناقض الصورتين يفسرهما الباحث الاقتصادي وائل جمال، في مقال منشور له بصحيفة «الشروق المصرية»، بأن هذه الاستثمارات تتركز فى قطاع النفط، ولا تمتد إلى القطاعات الخالقة للعمالة، كما أن «الاستثمار الأجنبى وتدفق الأموال من الخارج لا يصنعان، بالضرورة، ولا أوتوماتيكيا، تنمية، ولا تشغيلًا، ولا عدالة اجتماعية».

نموذج آخر لتناقض الأرقام الصادرة عن المؤسسات الاقتصادية عن واقع ما تعيشه مجتمعات هذه الدول هي مصر، التي شهدت في سنوات ما قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، نموًا كبيرًا في معدلات النمو، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي 187.3 مليار دولار أمريكي، بعدما تضاعف عن الرقم المسجل فى بداية عام 2000. كذلك حققت النسبة السنوية لنمو الناتج المحلي ارتفاعًا غير مسبوق في الأعوام من 2003 إلى 2007 تجاوز 8%.

وانهمرت التقارير الحكومية آنذاك ممتدحة سياسات النظام الحاكم، التي نجحت في العبور بالبلاد من الأزمة المالية العالمية، قبل أن تصطدم هذه الأرقام والتقارير باحتجاجات واسعة إثر سوء الأوضاع الاقتصادية التي كشفت من جديد إشكالية الأرقام التي تصدرها المؤسسات الدولية حول مصر.

هذا التناقض عمومًا رآه باحثون في كتاب صدر عن منتدى البدائل العربي بعنوان «نحو مؤشرات اقتصادية بديلة» هو انعكاس لمنهجية قياس التضخم واللامساواة التي تتجاهل توزيع أعباء الأزمات الاقتصادية اجتماعيًا، وبيان حجم اللامساواة في الاستهلاك، مراجعة قياسات التضخم الرسمية.

ودفعت قياس مؤسسات التمويل الدولية عدد من المبادرات المستقلة لتصميم مؤشرات تقيس التضخم بناء على مستويات وشرائح الدخل والإنفاق المختلفة، مثل مؤشر التقدم الاجتماعي المصري، الذي ارتكزت مؤشراته على واقع الحياة اليومية للمواطنين، ومدى أهمية المؤشر محل القياس لدى الجمهور، باعتباره أحد معايير اختيار المؤشرات، وكذلك الأولويات المجتمعية كعنصر رئيس لتطوير المؤشرات والمقاييس.

لكن.. لماذا تعتبر أرقام المؤسسات الدولية غير حقيقية؟

يدفع تناقض الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية وواقع مجتمعات هذه الدول للتساؤل حول الأسباب التي تنتج هذه الهوة، وعما إذا كانت هذه المؤسسات تتعمد خداع الجمهور بهذه الأرقام، ومجاملة حكومات هذه الدول، أم أنها تستند لمعايير تقفز على بعض المؤشرات الكيفية.

من جانبه يقول أشرف حسين، الذي عمل مستشار تنمية في العديد من المؤسسات الدولية، في تصريحات لـ«ساسة بوست»: إن «معدل النمو باعتباره أحد المؤشرات الأكثر استخدامًا من جانب هذه المؤسسات الدولية، يخبرنا عن متوسطات عن حجم النمو، لكنه لا يفيد في التعرف على أثر وكيفية تأثير هذا النمو على معدلات الفقر مثلًا، في ظل افتراض المؤسسات الدولية أن عوائد النمو تتساقط بشكل متساو على كل الفئات الاجتماعية، وهو افتراض غير صحيح».

Embed from Getty Images

ويُضيف حسين، الذي عمل أيضًا مدير سابق لوحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بـ«المبادرة المصرية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، أن فكرة المتوسطات التي تستند لها هذه المؤسسات الدولية لا تصلح، ويقول: «هناك فكرة جوهرية تنطلق منها المؤسسات التنموية الدولية وهي تساقط آثار النمو، وكيف أنها لا تعمل بحيث إن النمو آثاره تتساقط بطريقة شديدة التفاوت، بل يمكن أن تحدث تأثيرات سلبية على قطاعات اجتماعية في نفس الوقت الذي يحدث فيه تطور متوسط إجمالي للاقتصاد».

ويوضح حسين أن بعض الدول قد تستخدم النمو الهائل في مديونياتها لاستخدامها في بناء مشاريع كبرى تؤدي إلى زيادة في معدل النمو، بينما تؤدي خدمة الديون الناتجة عن هذه المشاريع إلى انخفاض الانفاق الحكومي في قطاعات الصحة والتعليم، ويضيف أن الآثار الإيجابية للإنفاق على المشاريع الكبرى لا يترتب عليها بالضرورة نمو للعمالة، أو للتحصيل الضريبي الذي يعوض الآثار السلبية، مشيرًا إلى أنه «لو حدث نمو في العمالة، فقد لا يخرج العمال من دائرة الفقر لأنها وظائف مؤقتة منخفضة الأجور».

وبحسب مصدر يعمل في البنك الدولي في إحدى الدول العربية، تحدث لـ«ساسة بوست»، فالأرقام ليست كما يحاول البعض تصويرها على أنها «خادعة»، لكن «الأرقام والمؤشرات قد تعبر عن الاقتصاد بشكل كلي فعلًا، لكن الواقع الفعلي يعكس مدى سوء أحوال المواطنين الناتج عن أسباب كثيرة منها ارتفاع اللامساواة».

ويشرح المصدر قائلًا: «لا يستفيد الجميع من النمو، بل تقتصر الاستفادة على فئات بعينها، أو أن النمو متركز في قطاعات ريعية، وليس بتولد فرص عمل جيدة أو مستدامة».

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«ستراتفور»: الاقتصاد المصري ينمو.. ولكن من يدفع ثمنه؟

على سبيل المثال أظهرت أرقام المؤسسات الدولية في آواخر عهد مبارك معدلات نمو مرتفعة، دون انعكاس لهذه الأرقام على الأوضاع المعيشية، وتحديدًا على الطبقات محدودة الدخل وسط ارتفاع لنسب الفقر، بسبب ما يذكره المصدر بتحقق هذا النمو في قطاعات ريعية لا توفر فرص عمل كثيرة. ويختتم تصريحاته قائلًا: «هناك طبقة معينة تستفيد بكل ثمار النمو ده، والباقي يتبقي له الفتات؛ ولهذا ينتقد البعض هذه الأرقام بشكل دائم».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد