عند المراهنة يشعر بعض المستثمرين في سوق الأسهم (البورصة) بتسارع دقات القلب ويزداد ضخ هرمون «التستوستيرون» داخل الجسم، في انتظار النتيجة غير المضمونة كليًّا، تمامًا مثلما يشعر الشخص الذي يراهن على حصان حذره منه الكثير من قبل، ولكنه يرى أن الأمر يستحق المخاطرة ويراهن عليه، فتكون النتيجة هي الخسارة كما حذره من هم على دراية بحالة الخيول المشاركة في السباق.

حدث هذا الأمر في سوق الأسهم العالمية بداية هذا العام 2021، حين راهنت صناديق التحوط على انهيار سعر سهم شركة «gamestop»، فيما راهن المستثمرون الصغار على ارتفاعه، فتسبب المستثمرون الصغار بخسائر فادحة لصناديق التحوط، وأعلن أحدها إفلاسه في لندن؛ بسبب ارتفاع السعر بشكل جنوني بعد أن راهن على انخفاضه، فلماذا يتجاهل المستثمرون الشواهد التحذيرية الخاصة بصعود الأسهم أو هبوطها؟ محدثين عدم استقرار في سوق الأسهم العالمية، وهل يمكن تفسير هذا الأمر طبيًّا؟

الجوع يجعلك تشتري أي شيء.. والهرمونات تتحكم في إنفاقك

«لا تتسوق وأنت جائع».. مقولة أمريكية متداولة تقال على سبيل السخرية من الرغبة في شراء شيء أثناء الشعور بالجوع ثم فقدان الرغبة فيه بمجرد الشعور بالشبع؛ وهو ما يعد دليلًا على أن الجسد أو الأمعاء قد تتخذ القرار الشرائي نيابة عنك في لحظة الجوع؛ لكن تلك الجملة لم تعد مجرد مقولة شائعة، بل أصبحت حقيقة علمية.

ففي شهر مارس (آذار) من هذا العام 2021 نُشرت دراسة بعنوان «Hunger hormone ghrelin affects monetary decision making» أو «هرمون الجوع وتأثيره في القرارات الشرائية»، والتي أكدت أن ارتفاع نسبة هرمون «الجريلين» الموجود في الأمعاء والذي يطلق عليه الأطباء «هرمون الجوع» قد يتسبب بالفعل في قرارات شرائية متهورة قد يندم عليها الفرد بمجرد أن يشعر بالشبع، وأثبتت أن هناك علاقة وطيدة بين الهرمونات في جسم الإنسان والقرارات الشرائية التي يتخذها، فهل الأمر يتوقف عند ذلك؟ أم أن الهرمونات قد يكون لها تأثيرات اقتصادية أكثر أهمية في الفرد والمجتمع؟

هل هناك علاقة مباشرة بين هرمون الذكورة والقرارات الاقتصادية؟

في البداية يجب أن نشرح لك سريعًا المعنى الطبي لـ(هرمون الذكورة) «التستوستيرون»؛ فهو يعد من أكثر الهرمونات المؤثرة في التكوين الجسدي والنفسي للرجل، وهو المسئول عن إنتاج الحيوانات المنوية، ويتدخل في تكوين كل ما يخص مظاهر الرجولة في جسد الرجل مثل العضلات، ونمو الشعر في الجسد، والتوازن النفسي أيضًا.

وهرمون الذكورة لا يوجد في جسد الرجال فقط، بل يوجد بنسبة ضئيلة في جسد النساء، وينبعث لدى النساء من المبيضين، والغدة الكظرية، ولكنه ليس الهرمون المهيمن على جسمهن على عكس الرجل، بل يهيمن هرمون «الإستروجين» (هرمون الأنوثة) على جسد المرأة، لذا فإن هيمنة واحد من الهرمونين؛ «الإستروجين» (هرمون الأنوثة) و«التستوستيرون» (هرمون الذكورة) هو ما يحدد جنس الإنسان إذا كان ذكرًا أم أنثى.

وفي عام 2015 نُشرت دراسة بعنوان «Cortisol and testosterone increase financial risk taking and may destabilize markets» أو «يزيد الكورتيزول والتستوستيرون من الرغبة في المخاطرة المالية وقد يهددان استقرار الأسواق المالية»، وكان الهدف منها محاولة فهم حالات عدم الاستقرار التي تحدث في الأسواق المالية على مستوى العالم بسبب بعض القرارات المتهورة وغير المدروسة من طرف المستثمرين، والتي ليس لها أي ركيزة اقتصادية.

وأوضحت الدراسة وجود علاقة طردية مباشرة بين مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال واضطراب سوق الأسهم المالية العالمي، مؤكدة أن أغلبية المستثمرين في الأسواق المالية من الرجال، وأن قراراتهم الاقتصادية سواء التي جرى التفكير فيها أو المُخاطِرة؛ تعتمد على نسبة الهرمونات في جسدهم، ما بين الكورتيزول والتستوستيرون. فكيف يحدث هذا؟

شهية الذكور مفتوحة على التهور.. والنساء أكثر حذرًا

كان سبب الشروع في إجراء الدراسة هو البحث عن سبب بيولوجي لفترات عدم الاستقرار التي تمر بها الأسواق المالية العالمية، وتوصل الباحثون إلى أن المنافسة التي يتعرض لها أصحاب الأعمال، والتي يتوقف عليها مصير رأسهم المالي تزيد من توترهم والذي يزيد بدوره من الكورتيزول والتستوستيرون.

ويمكن أن يدفع هرمون «التستوستيرون» المستثمرين في الأسهم المالية، الذين معظمهم من الرجال، إلى اتخاذ قرارات متهورة بغرض الوصول لما يعرف بـ«تأثير الفائز» – وهو زيادة مستويات هرمون التستوستيرون بعد صفقة ناجحة- فالأمر يكون أشبه بشجار في حانة، أو المراهنة على خيل أمام أصدقاء آخرين برعونة، وبغرض الفوز السريع؛ وهو ما يحدث أيضًا في الأسواق المالية والقرارات الاقتصادية الحساسة؛ إذ كلما زادت المنافسة زادت نسبة هرمون التستوستيرون في جسم الرجال، وزادت رغبتهم في المخاطرة، وزيادة المخاطرة تؤدي لمزيد من المنافسة ومزيد من التستوستيرون وهكذا.

ومرة أخرى في عام 2018 نُشرت دراسة تحت عنوان «Testosterone, Cortisol and Financial Risk-Taking» أو «الكورتيزول، والتستوستيرون والإقبال على المخاطرة المالية»؛ وتوسعت في شرح مدى تأثير الهرمونات وعدم توازنها في اتخاذ القرارات المالية وتسببها في إقبال الرجال على قرارات بها مخاطرة تخص الشراء والبيع في الأسهم العالمية.

وأوضحت نتائج الدراسة أن الرجال بشكل عام لديهم ميل أكبر للمخاطرة بالنسبة للإناث، سواء فما يخص المقامرة أو السلوك المحفوف بالمخاطر، كما وصفت النتائج أن للذكور «شهية» أكبر للإقبال على المخاطر المالية، بينما النساء عادة ما تميل للتشاؤم في تلك المخاطرة وتتوقع الأسوأ.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
لن ينجو أحد.. سنوات عِجاف تنتظر الاقتصاد العالمي بعد «كورونا»

وفي العام نفسه نُشرت دراسة بعنوان «Decision-making, financial risk aversion, and behavioral biases: The role of testosterone and stress» أو «دور التستوستيرون والتوتر فيما يخص المخاطر المالية وصنع القرار»، وأكدت الدراسة أنه كلما زادت نسبة هرمون التستوستيرون في جسم الرجل، زادت رغبته في المخاطرة؛ لأنه الهرمون المسئول عن السلوك العدواني والمنافسة والثقة الزائدة في النفس، ولكن كلما زاد الكورتيزول قلت رغبة الفرد في المخاطرة المالية واتخاذ القرارات غير المدروسة.

ومؤخرًا في العام 2020 نشرت دراسة أخرى بعنوان «Psychological Perspectives on Financial Decision Making» والتي اعتمدت بشكل أساسي في تحليلاتها على البيانات العلمية المجمعة منذ العام 2008 عن تأثير الهرمونات في اتخاذ القرارات الاستثمارية لدى رجال الأعمال، وأكدت الدراسة أن دور الهرمونات في تشكيل اقتصاد العالم قد يكون أكبر مما نتصور.

المنافسة على النساء.. اليد الخفية التي تحرك الاقتصاد العالمي

تشير الدراسة السابق ذكرها إلى أن بعض النوازع البدائية من الصعب أن يتخلص منها الإنسان بشكل واعٍ، ولغريزة التكاثر، بغرض بقاء النوع بشكل عام، وبغرض تمرير جينات المرء لجيل جديد بشكل خاص، دور فعال في إفراز هرمون «التستوستيرون» لدى الذكور، وتبدأ المنافسة على الأنثى أو من أجل الحصول على شريك، وتزيد تلك المنافسة من نسبة التستوستيرون لدى الرجال، ومن ثم تزيد من رغبتهم في المخاطرة.

وأشارت ورقة بحثية تابعة لجامعة هارفارد في عام 2008 إلى أن منافسة الرجال في الأسواق العالمية تتحول بشكل غير واعٍ إلى منافسة ذكورية من أجل إثبات ذات الذكر بوصفه جديرًا بشريك أفضل، خاصة أن معظم الرجال يسعون إلى الثراء بغرض الوصول الأيسر والأسرع للعلاقات النسائية المتعددة، ومن ثم تمرير جيناتهم في عملية التكاثر، وعلى الرغم من أن كل هذا يحدث بشكل غير واعٍ لدى الرجال، فإن التكاثر في هذه الحالة يعد اليد الخفية التي تحرك الاقتصاد العالمي وتهدد استقراره.

ففي الاقتصاد العالمي توجد ظاهرة تعرف باسم «فقاعة سوق الأسهم المالية» هي نوع من أنواع الفقاعات الاقتصادية التي تحدث في أسواق الأسهم؛ إذ يدفع المشاركون في السوق أسعارًا للأسهم أعلى من قيمتها المعتمدة في نظام تقييم الأسهم، وبحسب رأي المحلل الاقتصادي ماثيو بروكر في «بلومبرج» فقد عانت الأسواق المالية «الكثير من الألم» بشأن الفقاعات التي انطلقت مؤخرًا مع بداية هذا العام 2021؛ فهل كنت تصدق أن هرمون الذكورة هو أحد أسباب تلك الفقاعات الاقتصادية؟

المصادر

تحميل المزيد