الاثنين الماضي، كانت إسرائيل على موعد مع الحرائق الأضخم منذ العام 2010. أحوال الطقس الجافة ساعدت على انتشار الحرائق مبتدئة في الغابات لتنتقل إلى المدن.

لم تكن نشأة هذه الغابات طبيعية، إذ تعود إلى بداية الاحتلال الإسرائيلي الذي عكف على زرع الغابات قبل أن يأتي باليهود من العالم، وذلك بهدف تثبيت ملكية اليهود للأرض، وتغيير المشهد البيئي لصالحهم، وهو ما دفع الفلسطينيين لمقاومة هذه الغابات بالحرق باعتبارها عدوًّا بيئيًّا واستراتيجيًّا، حتى أنهم تغنوا في الانتفاضة الأولى بـ«براس الكرمل الغابة بشرارة زرعنا جهنم الحمرا بايدينا«.

لم يعد الأمر مجرد حدث طبيعي، إذ سرعان ما بدت الفرحة في عديد ردود الفعل بالمنطقة العربية، بهذه الحرائق، وهو ما قد يغير ما أبدته إسرائيل من تفاؤل في الفترة الأخيرة حول ما اعتبرته «حدوث تحولات إيجابية في توجهات الرأي العام العربي تجاهها».

ما الذي حدث؟

لا تزال ألسنة النيران مشتعلة في غابات ومدن إسرائيل وبحاجة لعشرة أيام على الأقل لإطفائها نهائيًا، وتواصل طواقم الإطفاء المكونة من أكثر من ألف رجل إطفاء وأكثر من 150 سيارة إطفاء و20 طائرة،
إخماد هذه الحرائق مع الاستنجاد بدول خارجية.

خريطة توضح الحرائق في إسرائيل- صحيفة هآرتس

وتظهر خريطة نشرتها صحيفة «هآرتس» العبرية أن الحرائق امتدت من مناطق نهاريا وترشيحا ويركا في الشمال، حتى مستوطنة لخيش في الجنوب، وبسبب اتساع رقعة الحرائق، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلية مطارها الأهم «مطار بن غوريون» وميناء حيفا، وتحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن إجلاء أكثر من 70 ألف إسرائيلي من مدينة حيفا وحدها، فهي المدينة الأكثر تضررًا من الحرائق، إذ اشتعلت النيران في أحراش جبل الكرمل المجاور للمدينة ثم امتدت النيران إلى المدينة، وأُجلي عشرات آلاف الأشخاص من بيوتهم، بعد أن وصلت حرائق الأحراش المجاورة إلى أطراف مدينة حيفا، وقال رئيس بلدية حيفا يونا ياهف، في تصريح صحفي: «كان علينا إجلاء نحو 60 ألف شخص من منازلهم وأماكن عملهم.. وهذا أمر غير مسبوق فيما يتعلق بحيفا«.

ورغم أن نقص الأمطار وجفاف الهواء وهبوب رياح شرقية قوية ساهم في انتشار حرائق الغابات في وسط وشمال البلاد، إلا أن إسرائيل سارعت بالحديث عن افتعال فلسطيني لهذه الحرائق، تارة تعلن عن اعتقال أشخاص، وأخرى تتحدث عن العثور على سيارة تحمل كميات من البنزين في إحدى الغابات.

في إخماد الحرائق.. إسرائيل نمر من ورق

«إن الوضع حرج، وهناك خطر حقيقي على الأرواح، والمدارس، والممتلكات، وندعو كل من يستطيع مغادرة المدينة أن يغادرها فورًا» هذا ما تؤكده طواقم الإطفاء العاملة في مدينة حيفا، مع استمرار فتح مراكز إيواء في المراكز الاجتماعية والنوادي وملاعب كرة القدم للمناطق التي يجري إخلاؤها.

مدرسة دينية يهودية في حيفا- وكالة شهاب الفلسطينية

وعلى سبيل المثال من أخطر ما يمكن أن تواجه إسرائيل الآن هو فشل نقل خزانات «الأمونيا» من مدينة حيفا المحتلة، إلى صحراء النقب؛ حيث تشير التقديرات الإسرائيلية إلى احتمالية مصرع نحو 17 ألفًا و500 إسرائيلي في حال انفجرت تلك الخزانات، حسب «i24» الإسرائيلي، ويظهر هذا الوضع ضعف قدرة إسرائيل في التعامل مع إخماد الحرائق، وافتقادها فرق مكافحة وفرق جوية مؤهلة لمكافحة الحرائق، ويؤكد مسؤولون في جهاز الإطفاء الإسرائيلي على أن: «جهاز منع نشوب الحرائق تم إهماله ولم يحظ بالاهتمام المناسب»، وتابع أحد هؤلاء القول: «لو جرى تطبيق هذه الخطوة، لما وقعت أحداث مثل احتراق عشرات البيوت، ولو أن هذا البرنامج كان موجودًا لما وصلنا إلى وضع احترقت فيه عشرات البيوت بشكل كامل».

يقول المحلل في الشأن الإسرائيلي محمود مرداوي: «ظهرت دولة الاحتلال ضعيفة جدًا والاحتياطات لم تحم هذه الدولة الهشة من مجرد حرائق وضعتها تحت اختبار أمام الدول فشلت به وظهرت هشة ضعيفة «، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «دولة تطالعنا في صحفها وعناوين أخبارها بتمارين متتالية واستعدادات مستمرة لمواجهة حرب يسقط آلاف الصواريخ فيها على عدة مدن، ادعت أنها جاهزة لمواجهتها، اليوم جاء الخبر اليقين أن كل ذلك ذر للرماد في العيون«.

مستوطن يؤدي صلوات تلمودية لوقف الحرائق

اقتصاديًا، ليس بالإمكان الآن إحصاء الخسائر الاقتصادية لهذه الحرائق الأكثر خطورة منذ عام 2010، لكن تحدثت مصادر إسرائيلية عن أكثر من 7500 دونم احترقت في المستوطنات والمدن الإسرائيلية، يقول مرداوي: «الخسائر ستكون فادحة جدًا ومرهقة للدولة وسيضطر وزير المالية لتغيير مخصصات وزارات من أجل القدرة على مواجهة حجم الأضرار البالغة التي أصيبت بها منطقة القدس وحيفا»، وتابع: «كل موارد الطوارئ الخاصة في الأحداث المفاجئة قد نفدت من المخازن وهذا سيكلف الدولة كثيرًا كما أن حالة النزوح وتغطية استئجار بيوت مؤقتة حتى ترميم المنازل التي تضررت كليًا وهي بالمئات في حيفا والعشرات بالقدس سترهق ميزانية وزارة الأمن الداخلي ويقتطع من وزارات أخرى لتغطية حجم الخسائر«.

العرب والحرائق

أبدى الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية في إسرائيل الاستعداد لإيواء يهود متضررين في بيوت العرب وتقديم المساعدة لهم، تزامن ذلك مع قيادة رئيس الحكومة الإسرائيلية «بنيامين نتنياهو» ووزرائه لحملة بث تصريحات عنصرية تتحدث عن مؤامرة كبيرة من العرب في إسرائيل.

https://www.youtube.com/watch?v=XsSCGWOEpig

قال نتنياهو: «توجد مؤشرات على إضرام نار متعمد أيضًا»، أما جهاز الأمن العام في إسرائيل (الشاباك)، فأكد أن: «الحرائق التي شملت مناطق واسعة في إسرائيل منذ ثلاثة أيام، نتيجة عملية إرهابية«، وزعم وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي «جلعاد إردان» أن: «نصف الحرائق التي اندلعت في البلاد سببها إضرام نار متعمد»، ولم يصمت إردان عند هذا الحد بل دعا الشرطة الإسرائيلية لتركيز جل جهودها للتوصل إلى المحرضين على إضرام الحرائق، وذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، بينما عجل وزير التربية والتعليم «نفتالي بينيت»، بكتابة منشور قال فيه: «فقط من لا ينتمي لهذه البلاد قادر على إحراقها» في إشارة واضحة إلى الفلسطينيين.

وعجلت المصادر الإسرائيلية بالحديث عن «عمل لتعديل القانون بحيث يجبر المبادر إلى الحرائق لدفع تعويضات مالية للضحايا باعتبارها أحد أشكال الردع«، كما جاء في الموقع الالكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، وانتشرت المواقف المعادية للعرب في إسرائيل حتى أُرجع سبب هذه الحرائق إلى «القبول بوجود عرب في المدينة»، كما قال الإسرائيلي «ديفيد بوكاي»، الذي ترك منزله في «حي الهدار» بحيفا، بعد تعرّضه للحريق، وانتقد بوكاي الدعوات التي  كانت تهدف إلى التعايش المشترك بين العرب واليهود في المدينة.

وينظر الائتلاف لمناهضة العنصرية في إسرائيل بعين الخطر للتصريحات العنصرية وذكر الائتلاف: «هناك من يطالب باستغلال الحريق الملتهب أيضا لإشعال لهيب الكراهية والحرق، كل من تسبب بقصد أو عبر إهمال بالحريق، يجب أن يلقى عقابه، ولكن من المؤسف أن هناك وسائل إعلام وسياسيين يستغلون الحدث الأليم كي يحرّضوا ضد المجتمع العربي»، وأضاف البيان: «حان الوقت للعمل سويّا كي نساعد سكان حيفا، عربًا ويهودًا، على حد سواء، بدلًا من استخدام الحريق باعتباره عذرًا لمزيد من الكراهية والتعريض الشعبوي الأرعن».

يقول ‏رئيس تحرير صحيفة المدينة الصادرة في إسرائيل عبد الإله المعلواني: «في وقت نجد أن غالبية المناطق التي اشتعلت فيها النيران يقطن فيها فلسطينيون، بدأت العنصرية تفوح من أفواه العنصريين الإسرائيليين بدءًا من أكبر رأس، مرورًا بالوزراء، وليس انتهاء بأصغر أزعر عنصري»، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «يعفون أنفسهم من المساءلة على تقصيرهم في احتواء حرائق صغيرة، وقريبًا ستفضحهم لجان تحقيق سابقة بشأن الحرائق» وانتقد المعلواني استغلال الإسرائيليين لمثل هذه الكارثة الطبيعية لأجنداتهم السياسية بهدف إشعال حريق أكبر، وقال: «كل شيء متوقع في هذه المؤسسة التي ينخر فيها السوس، والتي تأكل نفسها حقدًا وكراهية».

الشماتة العربية تحرق إسرائيل أيضًا

«إسرائيل تحترق.. شماتة في شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي»، كان هذا عنوان تقرير صحيفة «يديعوت أحرونوت» بالأمس، ولم يكن الوحيد في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي اهتمت بردة الفعل في العالم العربي، إذا أفردت الكثير من المساحات للحديث عن فرحة العرب بالحرائق في إسرائيل واستعانت بتدوينات وتغريدات على شبكات التواصل الاجتماعي لجميع الفئات في المجتمع العربي.



https://www.youtube.com/watch?v=qsVt26QB0jE

إذًا إسرائيل الآن بين ناريين، النار التي تشتعل في غاباتها ومدنها ونار أخرى من ردة الفعل العربية الشامتة فيها، فقد اكتسح هاشتاق «إسرائيل_تحترق» الذي عبر فيه قطاع كبير من الشارع العربي عن سعادته بالحرائق «تويتر»، لتسحق ردة الفعل تلك التفاؤل الإسرائيلي الذي أكده نتنياهو مؤخرًا بشأن «حدوث تحولات إيجابية في توجهات الرأي العام العربي تجاه دولة الاحتلال». يقول الكاتب والمدون الفلسطيني ساري عرابي: «إسرائيل دولة هشة مهما بدت قوية ومتماسكة، وبالرغم من صغرها الجغرافي فإن هذه الحرائق عادة ما تظهرها عاجزة عن احتوائها سريعًا، وبالتالي كيف لو دخلت مواجهة أكبر؟ يشعر الصهاينة بهذا، لا سيما وهم يدركون أنهم جسم غريب محاط بعشرات ملايين العرب»، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «الأمر الذي يؤكد للصهاينة أنهم ما يزالون جسمًا غريبًا، وأن العرب لن يتوقفوا عن اعتبار إسرائيل كيانًا عدوانيًا وغاصبًا، وبالتالي المواجهة مع العرب ستطل احتمالًا قائمًا، ومن ثم شعور إسرائيل الدائم بالتهديد الوجودي«.

الدفاع المدني الفلسطيني يخمد الحرائق!

سواء تمت «الاستجابة لطلب إسرائيل للمساعدة في إخماد الحرائق» كما قال الدفاع المدني الفلسطيني، أم «وصلنا عرض للمساعدة من السلطة الفلسطينية، وسوف ندرسه» كما قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي جلعاد أردان، فإن «فرق من الدفاع المدني الفلسطيني تستعد للتوجه للمساعدة، دون تفاصيل حول الطلب الإسرائيلي ومن تقدم به» كما جاء في بيان الدفاع المدني الفلسطيني.

لقد توجهت ثمانية طواقم إطفاء مع ثمانية مركبات للقدس وحيفا، ليأتي ذلك «ضمن الرسالة الإنسانية التي يحملها جهاز الدفاع المدني، وأنها ليست المرة الأولى التي يقدم فيها المساعدة لدول مختلفة، مثلما حصل مع زلزال هاييتي عام 2010، وحريق الكرمل عام 2011«، كما قال مدير عام الدفاع المدني يوسف نصار.
ونقلت وكالة «وفا» الرسمية عن مدير عام الدفاع المدني اللواء يوسف نصار، قوله أن «دولة فلسطين ستقدم المساعدة في إخماد الحرائق المندلعة في عدة مناطق في إسرائيل»، مضيفًا: «المساعدة الفلسطينية ستكون من خلال إيفاد طواقم وإطفائيات، حيث ستنضم إلى الطواقم الدولية العاملة في هذا المجال«.
ودفع ذلك
مدير عمليات الدفاع المدني بغزة الرائد رائد الدهشان لاستنكار ما أقدمت عليه السلطة الفلسطينية قائلًا: «في وقت تتجاهل فيه منذ سنوات مطالبات الجهاز واحتياجاته الملحة في قطاع غزة، فطواقم الدفاع المدني في غزة تعاني من نقص كبير في المعدات والإمكانات فضلا عن قطع الرواتب عن كافة مرتبات الجهاز منذ سنوات  . «

الغابات ليست طبيعية.. زرعت لتوطين اليهود

«الأشجار هي أفضل مَن يحرس الأرض ويحافظ عليها»، هذا القناعة التي جاءت على لسان رئيس قسم الأحراش في الصندوق القومي الصهيوني، عند بداية مشروع التشجير الاستعماري في فلسطين هي بمثابة قناعة إسرائيلية منذ وطأت أقدام اليهود فلسطين، ولتطبيق هذه القناعة أقيم «الصندوق القومي لإسرائيل» عام 1909 وحصرت وظيفته بشراء أراضي في فلسطين «باسم الشعب اليهودي ولصالحه»، وهو اليوم مسؤول عن مساحة تقدر بمليون ونصف دونم من أراضي فلسطين تُغطي أغلبها الغابات والأشجار.

لذلك لا غرابة في أن نعلم كون الغابات الموجودة ليست غابات طبيعة وإنما أوجدتها الصهيونية بغية تثبيت ملكية اليهود لأرض فلسطين، فهي أشجار غريبة عن الطبيعة البيئية لفلسطين، كما استخدم التشجير أحيانًا لرسم الحدود حول الأراضي التي انتقلت لملكية الحركة الداعية لإقامة دولة إسرائيل، بطريقة أو بأخرى.

ومن أمثال هذه الغابات غابة «حطين» التي أقيمت عام 1926، وغابة «جنيجر» عام 1928 وغابة «ساريد» عام 1930 وغابة «كفار هحورش» عام 1931.
وكان الدافع من عمليات التشجير الاستعماري الإسرائيلي التي بدأت أواخر فترة الحكم العثمانية هو تجفيف المستنقعات في منطقة «الخضيرة»، أول غابة صهيونية ذات مردود اقتصادي، ثم بعد الفشل بمحاولات زراعة الزيتون خلال هذه المرحلة، قرر الإسرائيليون خوض المرحلة الثانية التي تمثلت في زراعة ستة ملايين شتلة على مساحة تقترب من الـ 25 ألف دونم، وخلال هذه الفترة ما بين 1930 – 1940 تضاعف فيها الاستيطان اليهودي ثلاثة أضعاف، واهتم اليهود بمساعدة الانتداب البريطاني بزراعة الصنوبريات من الأشتال التي تحتوي على درجة حامضية PH عالية تشكل بيئة معادية للنباتات الأصليّة، وتساهم في تغيير المشهد البيئي في أرض فلسطين.

وسجلت خلال هذه الفترة أعمال الحرق للغابات على يد الفلسطينيين، كونهم اعتبروا الغابات عدوًا وخطرًا استراتيجيًا وبيئيًا يهدد وجودهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد