تشهد أستراليا حرائق واسعة النطاق بدأت قبل ثلاثة شهور ودمّرت حتى الآن ألفي منزل، وقتلت 25 شخصًا وما يقدّر بملايين الحيوانات. ما زالت الحرائق مستمرةً وتتوسع، وفي هذا السياق بدأ الحديث عن ظاهرة ملفتة للنظر في الطبيعة الأسترالية؛ إذ تقوم طيور جارحة بتوسيع نطاق النيران ونشرها بهدف الانتفاع منها.

الطائر حامل النار

أثبتت دراسات علمية أولية أنّ ثلاثة أنواع من الطيور، الحدأة السوداء والحدأة المُصفِّرة، والصقر البني، يعملون على توسيع نطاق النيران والحرائق. إذ تلتقط الحدأة السوداء غصنًا أو خشبة صغيرة مُشتعلة لترميها في منطقة سليمة بعد منطقة الحريق، لتشتعل فيها النار مجددًا، ويستمر خط الحريق.

يقول عالم الطيور العامل على توثيق هذه المشاهد في الدراسة، أنّ محاولات الطيور «ليست ناجحةً دائمًا، ولكنها تؤدي إلى الاشتعال أحيانًا». بينما وجدت دراسة أخرى أن بعض محاولات الطيور، فردي وبعضها جماعيّ، غالبًا ما تنجح، إذ تنشر الطيور النيران مستخدمةً مناقيرها أو مخالبها لحمل العيدان المشتعلة ورميها في مناطق أخرى.

تعكس تقاليد السكان الأصليين لشمال أستراليا سلوك هذه الطيور منذ وقت طويل، فمشاهد الطيور التي تشعل النار مألوفة في تراثهم الاحتفاليّ. وفي أحد احتفالاتهم المقدسة يظهر ممثل يؤدّي دور طير ينشر النيران وينقلها من مكانٍ لآخر. فمن يعيش من الأصليين في شمال أستراليا يجدون هذا المشهد، نشر الطيور للحرائق، مشهدًا طبيعيًّا وعاديًّا. لكن هذا السلوك ليس مقتصرًا على شمال أستراليا، ويذكر الباحث الأمريكي بوب جوسفورد أن ظاهرة نشر النار متكررة في غرب أستراليا، وعلى ساحلها الشرقيّ أيضًا، ويشير إلى وجود أسراب تنشط معًا في بعض المناطق، وتظهر حول النيران الحيّة.

يعمل جوسفورد ورفاقه من العلماء منذ ستّ سنوات مع السكان الأصليين للشمال الأسترالي وإدارة مكافحة النيران لتوثيق سلوك الطيور توثيقًا علميًّا، وسجّلوا حتى الآن شهادات 20 مالكًا ومديرًا لأراضٍ من أهل الشمال.

هذه الظاهرة المثيرة تضيف للعلم شيئًا جديدًا. ألكس كاسيلنيك، مختص بمهارات الحيوانات في جامعة أكسفورد ببريطانيا، تحدث عن أنّ كثيرًا من «الحيوانات تعلمت الاستجابة للنار بالهروب أو باستغلال النيران باقتناص الفرائس الهاربة منها. ولكن هذه الطيور أظهرت نوعًا من التحكم في النار»، معتبرًا أن هذه المهارة تُشاهد لأول مرة لدى حيوانات غير بشريّة. وقال كاسيلنيك إن الطيور الصغيرة ستكتشف هذه المهارة لدى كبار السرب وستكررها باستمرار في مناطق مختلفة.

«صقور النيران الجارحة»

تعمل هذه الجوارح على نشر النار لهدف بسيط؛ إفزاع فرائسها من حيوانات وزواحف. لتهرب الأخيرة من النيران فتتحرك، وتنكشف أمامها، فتنقضّ عليها وتنالها فريسةً سهلة. أحيانًا تستخدم هذه الطيور النيران لمحاصرة فرائسها من عدة جهات، وفي معظم الأحيان لدفعها للهرب من النيران، إذ تنقل النار إلى المناطق الكثيفة عشبيًّا، وفور اشتعالها تنقضّ على الأفاعي والضفادع والسحالي، وأحيانًا تأكلها بعد احتراقها. لكن هذا التفسير لسلوك الطيور لم يُثبت علميًّا بعد، ولو أنّ رواية بعض السكان الأصليين أن هذه الجوارح تظهر مباشرةً عند إشعالهم للنار.

يذكر جوسفورد أن هذه الجوارح تتركز بالمئات حول خطوط النيران، وتُغِير عليها لتأخذ منها ما تشعل به أرضًا تبعد مسافة كيلومتر. «صقور النيران الجارحة» كما يسميها أهل المناطق الشمالية في أستراليا، تسهّل تجاوز الحرائق للحواجز الطبيعية، أو التي من صنع البشر، التي تمنع انتشار النيران، وتنقل الجوارح النار من الجهة المشتعلة وتعبر فوق جداول مائية تصد النار لتنقل الحريق إلى الجهة الأخرى.

يرجّح جوسفورد أن هذا الفعل مقصود، وأن الطيور تدرك أنها تنشر النار، مستبعدًا أن يكون هذا الفعل الجماعي، واسع النطاق، مجرد صدفة. وفي حال ثبتت هذه الظاهرة علميًّا فقد تساعد في فهم كيف نشأت غابات وسهول السافانا، وربما نجد للطيور دورًا أهم من الإنسان في حرق هذه الأراضي وتطهيرها مما عليها.

لا تكتفي الطيور بنشر الحرائق الطبيعية، بل تسرق أعوادًا مشتعلة حتى من النيران التي يشعلها الناس. عاش السكان الأصليون في أراضيهم وتعاطوا مع الحرائق فيها منذ 50 ألف عام، ما منحهم تأقلمًا ومعرفة واسعة بالبيئة المحيطة بهم وبسلوكيات الطيور، ويشير الباحث الأسترالي مارك بونتا إلى أن هذه المعرفة مهددة بالاختفاء لعدم اهتمام الأجيال الجديدة من السكان الأصليين بها.

إنفوجرافيك

منذ شهرين
هذه الأطعمة الشهيرة والحيوانات ستختفي بعد 80 عامًا
5822
نهاد زكي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد