جرت عملية  تشغيل أحدث مفاعل انصهاري في المملكة المتحدة، اسمه «ST40»، منذ عدة أيام، لتتمكن بالفعل من الوصول إلى «البلازما الأولى المستقرة». فقد تمكن المُفاعل بنجاح من توليد السائل الحارق من الغاز المشحون كهربائيًّا (أو البلازما) داخل قلب المفاعل بشكلٍ دائم، بعدما كانت هناك تجارب سابقة تنتهي خلال ثوانٍ قليلة في عدة دول حول العالم.

هذا المفاعل هو أحد أنواع مفاعلات توكاماك، الذي سيجري فيه تسخين البلازما إلى درجة حرارة تصل إلى 100 مليون درجة مئوية (180 مليون درجة فهرنهايت) بحلول عام 2018، هذه الحرارة هي أكثر سبع مرات سخونةً من حرارة مركز الشمس. هذه الحرارة تمثل العتبة التي يحدث عندها «الانصهار»، وهي العملية التي تبدأ ذرات الهيدروجين عندها في الاندماج مع ذرات الهيليوم، مع إطلاق العنان لطاقة نظيفة لا حدود لها.

توكاماك.. البداية كانت للسوفييت

توكاماك هو عبارة عن جهاز يستخدم المجال المغناطيسي لحصر مادة البلازما في شكل طارة (مثل الشكل الموجود في الصورة بالأسفل)، ومن أجل الحصول على توازن ثابت لمادة البلازما، فإن هذا يتطلب خطوط مجال مغناطيسي تدور حول هذه الطارة بشكلٍ حلزوني. ويمكن الحصول على هذا المجال عبر إضافة حقل مغناطيسي يتحرك حول الطارة أفقيًّا، وإضافة حقل مغناطيسي آخر متعامد عليه.

كلمة توكاماك هي اختصار لعبارة روسية تعني «الغرفة الدائرية داخل المستحثات المغناطيسية». وقد تمّ اكتشاف هذه الطريقة في فترة الخمسينات من القرن الماضي بواسطة الفيزيائيين السوفيتيين: إيغور تام، وأندريه ساخاروف، وقد اعتمدا فيها على الفكرة الأصلية للعالم أوليغ لافرينتييف.

وتعتمد طريقة عمل الجهاز على رفع درجة حرارة البلازما إلى حد الاندماج النووي، وهنا يجب ألا تلمس هذه البلازما فائقة السخونة أيًّا من مكونات المفاعل، وإلا أتلف المفاعل وتسببت في برودتها نتيجة توقف التفاعلات الاندماجية لفقد الحرارة العالية. في هذه المفاعلات التي تعتمد على طريقة توكاماك يتم جعل البلازما تطفو وسط المفاعل دون أن تلامس أيًّا من أجزائه من خلال مجالات مغناطيسية تحافظ على سير البلازما في مسار دائري.

وبالعودة إلى ما حدث في المملكة المتحدة، فقد قال ديفيد كينغهام، الرئيس التنفيذي لشركة «توكاماك إنيرجي»، وهي الشركة التي تقف خلف «ST40»، إن اليوم -يوم تشغيل المفاعل – هو يوم مهم لتطوير الطاقة الاندماجية في المملكة المتحدة والعالم. وأضاف: «نحن نكشف النقاب عن أول جهاز عالمي للتحكم في عملية الانصهار جرى تصميمه وبناؤه وتشغيله من قبل مشروع خاص وليس حكومي، و(ST40) هو الجهاز الذي سوف يصل إلى درجة حرارة الانصهار – 100 مليون درجة مئوية- مما يجعله مفاعلًا منتجًا للطاقة بصورة فعالة من حيث التكلفة، ويمكننا من استغلال هذه الطاقة تجاريًا خلال سنوات، وليس عقود».

التفاعل الاندماجي

الاندماج النووي هو العملية التي تغذي شمسنا، وإذا استطعنا أن نجد طريقة لتحقيق الشيء نفسه هنا على الأرض، فإنه سيسمح لنا بالاستفادة من إمدادات غير محدودة من الطاقة النظيفة التي تنتج دون انبعاثات الكربون. وخلافًا للانشطار النووي، الذي يتحقق في المفاعلات النووية اليوم، ينطوي الاندماج النووي على دمج الذرات معًا، وليس فصلها عن بعضها البعض، ولا يتطلب سوى القليل من الملح والماء، وينتج في المقام الأول الهيليوم كنفايات للتفاعل.

ولكن كما أن الانصهار أو الاندماج النووي هو شيء واعد للغاية، إلا أنه شيء يكافح العلماء لتحقيقه. في شهر فبراير (شباط) 2016،
استطاع علماء في أحد المفاعلات النووية الصينية
تخليق مادة البلازما في درجة حرارة بلغت 50 مليون درجة كلفنية، أي 49.999 مليون درجة مئوية، وذلك لمدة 102 ثانية.

تمت هذه التجربة الفريدة من نوعها داخل آلة تسمى آلة توكاماك المتقدمة التجريبية فائقة التوصيل أو«Experimental Advanced Superconducting Tokamak»، والتي تعرف اختصارًا باسم «إيست EAST» في معهد فيزياء البلازما بالأكاديمية الصينية للعلوم في مقاطعة جينانغ سو.

وكان هؤلاء العلماء يأملون في الوصول للهدف المسبق من هذه التجربة، ألا وهو الوصول إلى درجة حرارة 100 مليون درجة كلفنية ولمدة 1000 ثانية، أي حوالي 17 دقيقة. ولكن، الوقت الذي تم الوصول إليه هو 102 ثانية، والذي كانت فيه البلازما تحت التحكم التام، يعتبر وقتًا فريدًا من نوعه.

وعلى الرغم من أن درجة الحرارة التي تم الوصول إليها هنا لا تعد الأكبر، فهناك مفاعلات تجريبية أخرى حول العالم وصلت لحرارة أكبر، لكن المميز في الأمر هو أنه لم يسبق لأي مفاعل أن ولد بلازما لهذه الفترة الطويلة نسبيًّا.

وعلى مدى العام الماضي كانت هناك بعض الانتصارات الكبيرة. وحطم العلماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الرقم القياسي المتعلق بضغط البلازما مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) 2016. وفي ديسمبر (كانون الأول)، أصبح باحثون كوريون جنوبيون أول من استطاعوا الحفاظ على بلازما «عالية الأداء» تصل إلى 300 مليون درجة مئوية (540 مليون درجة فهرنهايت) لمدة 70 ثانية.

في ألمانيا، تمكن نوع جديد من مفاعلات الانصهار يسمى «ويندلستين 7-X ستيلييراتور» من السيطرة بنجاح على البلازما. لكننا ما زلنا بعيدين عن القدرة على وضع كل هذه القطع معًا، بمعنى إيجاد طريقة معقولة لتوليد البلازما عند درجات الحرارة المطلوبة للاندماج، ومن ثم التمكن من تسخيرها لفترة طويلة بما يكفي لتوليد الطاقة.

وركز العلماء الألمان هنا على تكنولوجيا قام باكتشافها الفيزيائي الأمريكي، ليمان سبيتزر، في الخمسينات من القرن الماضي تدعى «ستيلاراتور – stellarator»، وهو عبارة عن جهاز يستخدم تقنية معقدة لتوليد مجالات مغناطيسية تشبه تلك الموجودة في جهاز «توماكاك»، وهو النسخة السوفيتية من ستيلاراتو.

ويتوقع أن هذا الجهاز سيحافظ على البلازما لفترة أطول من الجهاز السوفيتي، ومع أنه الجهاز الأمريكي أكثر هدوءًا إلا أنه أكثر تعقيدًا من نظيره السوفيتي. وقد بلغت تكلفة هذا الجهاز والمفاعل الموجود به حوالي 435 مليون دولار أمريكي، وجرى تشغيله في البداية عبر ضخ غاز الهيليوم، وذلك في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2015. ويتميز غاز الهيليوم بسهولة عملية تسخينه، كما أن هذا الغاز يمكنه تنظيف الجهاز من أي جزيئات صغيرة ظلت عالقة في أعقاب عملية بناء الجهاز والمفاعل.

يذكر أن تكلفة إنشاء هذا المشروع منذ بداية الفكرة قبل 20 عامًا كلفت الحكومة الألمانية حتى الآن 1.06 مليار يورو. لكن الحكومة صممت على استمرار المشروع رغم كل الاعتراضات.

كذلك هناك مفاعل بدأ بناؤه بالفعل في جنوب فرنسا يسمى «المفاعل التجريبي النووي الحراري العالمي»، والذي يسمى اختصارًا «iter»، وهو يمثل مفاعلًا تجريبيًّا دوليًّا للأبحاث الخاصة بالاندماج النووي بمنطقة كاتاراش في جنوب فرنسا. هذا المفاعل هو من أحد أكبر المشاريع العملاقة في العالم؛ إذ تبلغ تكلفته أكثر من مليار دولار، وسيكون هذا المفاعل هو المحتوى الذي يتم فيه الحبس والسيطرة على التجارب الفيزيائية المتعلقة بالبلازما.

ويهدف هذا المشروع إلى التحول من التجارب الاختبارية الخاصة بدراسة البلازما إلى الإنتاج الكامل والكبير للكهرباء من خلال مفاعل نووي اندماجي. هذا المفاعل الاندماجي تم تخصيصه لإنتاج 500 ميغاوات من الطاقة، في الوقت الذي يحتاج فيه المفاعل إلى 50 ميغاوات فقط لتشغيله، ومنح البلازما الطاقة الكافية للاندماج النووي. وتعتمد فكرة هذا المفاعل على جهاز توكاماك السوفيتي.

فوائد أكبر بآثار جانبية أقل

يجب أن نعلم أن الطاقة الناتجة من الاندماج النووي هي أضعاف أضعاف طاقة الانشطار النووي، وبالتالي فإن توليد الطاقة عبر الاندماج أفضل بكثير من حيث كمية الطاقة المتولدة من استخدام المفاعلات النووية الانشطارية التقليدية، والمستخدمة حاليًا حول العالم في توليد الطاقة.

ليس هذا فحسب، ولكن إحدى أهم ميزات الاندماج النووي هو عدم وجود نفايات نووية خطيرة بالمقارنة مع نواتج الانشطار النووي ونفاياته السامة، والتي تمثل عبئًا في التخلص منها والاضطرار إلى دفنها في مناطق نائية.

أضف إلى هذا أن وقود الاندماج النووي متوفر بشكل كبير حولنا، فكميات كبيرة من غازي الهيدروجين والهيليوم توجد بشكل طبيعي حولنا في كل مكان، وهي أشهر وأكثر المواد استخدامًا في التفاعلات الاندماجية، والأقل احتياجًا للطاقة، وذلك لوجود بروتون واحد أو اثنين في النواة؛ مما يجعل طاقة التنافر هي الأقل. لكن الوقود المستخدم في المفاعلات الانشطارية هو البلوتونيوم واليورانيوم، وهما من المواد شديدة الندرة في الطبيعة.

الخطوة القادمة

«ST40» هو ما يعرف باسم مفاعل توكاماك، والذي يستخدم لفائف المغناطيسي عالية الطاقة للسيطرة على جوهر من البلازما الحارقة في شكل حلقي.

الخطوة التالية هي مجموعة كاملة من تلك الملفات المغناطيسية يتم تثبيتها واختبارها ضمن «ST40»، وفي وقت لاحق من هذا العام، سوف تهدف شركة توكاماك إنيرجي استخدامه لتوليد البلازما في درجات حرارة 15 مليون درجة مئوية (27 مليون درجة فهرنهايت).

في عام 2018، يأمل الفريق في تحقيق عتبة الانصهار 100 مليون درجة مئوية (180 مليون درجة فهرنهايت)، والهدف النهائي هو توفير طاقة الانصهار النظيفة لشبكة المملكة المتحدة بحلول عام 2030.

ورغم أن هذه الشركة الآن هي أقرب نحو تحقيق هذا الإنجاز غير المسبوق، فهي أيضًا ليست الوحيدة التي لديها مفاعل توكاماك تقوم بتطويره، هذا الأمر يجعلنا نأمل في تسريع السباق للحصول على مفاعل الانصهار التجاري قريبًا جدًّا.

البلازما

ويمكن وصف البلازما بأنها غاز متأين تكون فيه الإلكترونات حرة وغير مرتبطة بالذرات، أو الجزيئات. وهذا يحدث للغازات عند تسخينها لدرجات حرارة عالية جدًّا تصل إلى ملايين الدرجات المئوية، فإذا كانت المادة موجودة في إحدى الصور الصلبة أو السائلة أو الغازية، فإنه يمكن اعتبارها الصورة الرابعة من صور المادة.

وتختلف البلازما في الكثير من خواصها عن الخواص التقليدية للغازات. ليس للبلازما شكل محدد، فهي تأخذ نفس شكل الغاز العادي الشبيه بالغيوم، وقد تتأثر بالمجال الكهرومغناطيسي فتكون لها بنية معينة على صورة خيوط أو حزم أو طبقة مزدوجة، كما أنه من الممكن أن تحتوي على غبار أو حبيبات.

وتمثل البلازما حوالي 99% من المادة الكونية في النجوم والمجرات من حيث الكتلة والحجم. كما توجد بعض الكواكب التي تشكل فيها البلازما الغالبية العظمى، فيعتبر كوكب المشترى مثلًا كتلة هائلة من البلازما.

وتنتج البلازما نتيجة تسخين الغازات إلى درجات عالية جدًّا؛ فتتحول إلى هذه الصورة المتأينة المتميزة. وتتواجد البلازما كثيرًا حولنا مثل البرق وما يسببه من تأين الهواء، وطبقة الغلاف المتأين في غلافنا الجوي، والشفق القطبي، كما أن جميع النجوم هي كرات ضخمة من البلازما وسديم المجرات المختلفة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد