في الوقت الذي تتحدث فيه الأرقام عن نمو الاقتصاد الفرنسي، وما ذكره تقرير وكالة «بلومبرج» على أنه أصبح «ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، متفوقًا على ألمانيا فيما يخص النمو الاقتصادي»؛ يأتي مشهد استمرار تظاهرات حركة السترات الصفراء ليلقي بكثير من التساؤلات حول عدالة توزيع الثروة في هذا البلد الذي يرفع شعار «الحرية والمساواة والإخاء» منذ الثورة الفرنسية التي انطلقت في 1789.

وبالرغم من أن مؤشر «بلومبرج» لأغنى مليارديرات العالم كشف عن أن أغنى 14 شخصًا في فرنسا زادت ثراوتهم بمقدار 78 مليار دولار، أي بنسبة زيادة 35% خلال أقل من عام؛ إلا أن عشرات الآلاف ما زالوا يشاركون في تظاهرات السترات الصفراء منذ 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، والتي كان السبب في انطلاقها الاحتجاج على تراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الفرنسيين، وارتفاع أسعار الوقود وزيادة الضرائب.

ومنذ بدء الاحتجاجات لقي 11 شخصًا مصرعهم، وأصيب أكثر من 4 آلاف و245 آخرين، بينهم 1797 شرطيًا، فيما احتجزت الشرطة أكثر من 12 ألفًا و107 من المحتجين، حسب بيانات الحكومة الفرنسية.

وبالتدقيق في أسماء المليارديرات الفرنسيين، ستجد أنها تتركز في أباطرة صناعة مستحضرات التجميل والعطور والسلع الفارهة والمواد الترفيهية، وفي مقدمتهم برنار أرنو، وفرانسوا بينو، وفرانسواز بيتنكور مايرز، وريثة إمبراطورية مستحضرات التجميل «لوريال»، بمجموع ثروات بلغ 53 مليار دولار، وهو ما يشير إلى أن من يقطف ثمار النمو الاقتصادي الفرنسي ذي الأرقام الكبيرة هم مجموعة محدودة للغاية. وأن فرنسا تعاني من انقسام اجتماعي واقتصادي، وليس فقط ثقافيًا وسياسيًا، مثلما يؤكد ذلك الكاتب الفرنسي جيروم سانت ماري في مقابلة مع صحيفة «لوفيجارو».

فرنسا.. بلد واحد ومجتمعان اثنان

على الوجه الآخر من الصورة يبرز «العمال القرويون» الذين أطلقوا شرارة تظاهرات السترات الصفراء، وسرعان ما اشتعلت الاحتجاجات عبر مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي وعبر الأجيال المختلفة، الغاضبين من تزايد حدة التفاوت الاجتماعي، والطريقة التي يدير بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البلاد.

وتُركز معظم مطالب محتجي السترات الصفراء على العدالة الاجتماعية؛ إذ يطالبون بتخفيض الضرائب على العمال والمتقاعدين، ورفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة الضرائب على الأثرياء، وزيادة الإنفاق العام لمساعدة الطبقة العاملة، ثم تطوّرت الأمور فيما بعد لتصل للمطالبة باستقالة ماكرون.

وبالرغم من تراجع المشاركة في تظاهرات الحركة في الشهور الأخيرة، إلا أنه في ذروة نشاطها كان يشارك في مسيراتها نحو ربع مليون شخص بمختلف أرجاء فرنسا. وتشير استطلاعات الرأي إلى دعم أكثر من 80% من الفرنسيين لها، وخاصة في المناطق الريفية، ومعظم المحتجين لديهم وظائف، ومن بينهم العاملون في السكرتارية وعمال تكنولوجيا المعلومات، وعمال المصانع، وعمال النقل وغيرهم، ويقولون جميعًا: إن رواتبهم المنخفضة لا تكفي لتغطية نفقاتهم إلى نهاية الشهر.

حُمّى «السترات الصفراء» تجتاح العالم.. كيف ألهمت مظاهرات فرنسا الشعوب الغاضبة؟

هذه النسبة الداعمة للحركة، والتي تشير إلى أن معظم الفرنسيين ضاقوا ذرعًا بالسياسات المالية، تأتي بينما كان للأثرياء نصيب كبير من الاستفادة من النمو العام للاقتصاد الفرنسي. فوفق ما أظهرت بيانات اقتصادية نشرتها «بلومبرج» فإن النصف الأول من العام الحالي زادت ثروات أثرياء فرنسا بوتيرة أسرع من وتيرة زيادة ثروات الأثرياء في أية دولة أخرى من العالم. وربما يرجع ذلك إلى إلغاء ماكرون ضريبة الثروة في أول موازنة له عام 2018 بحجة تحقيق إصلاح اقتصادي.

وفي خلفية هذه الصورة يأتي مشهد إغلاق المحتجين لأكثر من مرة خلال مظاهرات «السترات الصفراء» شارع الشانزليزيه في باريس، والذي تحول مع مرور الوقت إلى أحد معاقل الاحتجاجات في أيام السبت، قبل أن تُمنع من قبل السلطات في منتصف مارس (آذار) 2019 إثر أعمال عنف ونهب هناك.

فلسفة الضرائب الفرنسية.. نأخذ من جيوب الفقراء لنضع في أرصدة الأغنياء!

يمكن القول إن الإصلاح الذي ضاعف ثروات الطبقات الغنية لم يعرف طريقة إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة إلا تحت مطرقة احتجاجات السترات الصفراء بعدما خضع ماكرون بسرعة لمطلبهم الأول وألغى الزيادة في الضريبة على الوقود، وقدَّم 10 مليارات يورو في صورة تخفيضات ضريبية أو مبادرات أخرى للمتقاعدين والعمال.

Embed from Getty Images

ثم أطلق ماكرون ما عرف بالحوار الوطني في الفترة ما بين يناير (كانون الأول) ومارس الماضي في محاولة لاحتواء هذه الملفات الشائكة التي هزت الشارع الفرنسي.

غير أن هذه الإجراءات لم تلب طموحات الفرنسيين الذين واصلوا الخروج للتظاهر كل يوم سبت معتبرين أن سياسات ماكرون تزيد الفقراء فقرًا، وتزيد الأغنياء غنىً، نتيجة الصعوبات الاقتصادية والمعضلات الاجتماعية التي تعاني منها الطبقة الفقيرة، وحتى المتوسطة، بسبب تدني الرواتب وارتفاع أسعار الطاقة.

ويدل الغضب الشعبي في فرنسا على قلق عميق بين الفرنسيين تجاه الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء الذين رأوا أن الهدف من ضريبة الوقود تمويل العجز الذي قد ينتج عن التخفيضات الضريبية للشركات الكبرى. أي أن فلسفة هذه الضرائب تعتمد في حقيقتها على أخذ أموال من جيوب الفقراء، ووضعها في أرصدة الأغنياء، وهو ما يضرب مبدأ «المساواة» الذي نادت به الثورة الفرنسية في مقتل.

«رائحة الثورة معلقة في الهواء».. هل الاحتجاجات الفرنسية ثورة جديدة؟

«إنها الثورة في إحدى تجلياتها» كما تقول سيلفي كوفمان، رئيسة التحرير السابقة لصحيفة «لوموند» الفرنسية، وهي تصف احتجاجات السترات الصفراء، مضيفة: «لا أحب استخدام أوصاف مبالغ فيها، لكن ما يحدث هنا هو شيء لم يسبق له مثيل».

وتشير كوفي إلى الأزمة التي تعيشها الساحة السياسية الفرنسية، التي تشهد غضبًا في الشارع، بينما تخلو المؤسسات الرسمية من قيادات كارزمية تستطيع احتواء الأزمة، وافتقار فرنسا إلى التقاليد اللازمة لحل المشكلة حتى الآن.

Embed from Getty Images

فخلال الأزمات الماضية كان لدى الحكومات الفرنسية المتعاقبة دائمًا محاورون واضحون وأصحاب كفاءات وأسماء لامعة، سواء كانوا قادة الحركة الطلابية في عام 1968 أو قادة النقابات العمالية في المواسم المضطربة الأخرى. أما الآن فقد تغير كل ذلك، وتضيف كوفمان: «ليست لدينا الأدوات الصحيحة لحل الأزمة الحالية، فهي ليست في الدستور.. هذا شيء جديد».

العديد من الصحف الأجنبية لاحظت الميول الثورية لدى المتظاهرين وكتبت عنها، مثل الموقع الإلكتروني لصحيفة «دي فيلت» الألمانية الذي كتب أن «رائحة الثورة معلقة في الهواء». بينما نقلت صحيفة «لوسوار» نقلًا عن متظاهرين من مدينة «رين» الفرنسية: «إنها الثورة»، مؤكدين أن الغضب موجه مباشرة ضد رئيس الجمهورية، وأن المتظاهرين «لا يبحثون عن مطالب تتعلق بالمال فحسب، بل عن المزيد من المساواة والأخوة».

هذه هي أوجه التشابه بين الثورة الفرنسية والسترات الصفراء

منذ انطلاق حركة السترات الصفراء، كان الكثير من فعالياتها يُذكّر بـ«الثورة الفرنسية»، هذا الحدث التاريخي والرمزي. فهناك الكثير من العوامل المشتركة بين الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الحالية مع الأزمات التي سبقت الثورة التي انطلقت عام 1789. وفقًا للمؤرخة الفرنسية، منى أوزوف.

وأوضحت المؤرخة أنه «كما حدث أثناء الثورة الفرنسية، تمرد ضريبي، وشعور بالغضب، وتعامل بنوع من الازدراء تجاه الثورة؛ هناك لحظات تتشابه كثيرًا مع ما تعيشه فرنسا اليوم. ومن خلال فعاليات السترات الصفراء اكتشف الكثيرون ما كان كثير من الناس يكتشفونه خلال الثورة».

 هناك أيضًا شعور مماثل بين هذه الأيام وفترة الثورة يتمثل في أن «المجتمع محجوب ومغيب»، مشيرة إلى الكلمة الشهيرة لأنطوان بارنيف السياسي البارز خلال فترة الثورة حين قال: «كل الطرق مغلقة»، وبالنسبة للمؤرخة المتخصصة في فترة الثورة الفرنسية، فإنها ترى أن هذه العبارة نموذجية في التعبير عن لسان حال «السترات الصفراء».

تصحيح أخطاء تاريخية

«هذه الروح الثورية التي أعادتها السترات الصفراء إلى شوارع باريس وباقي المدن الفرنسية، كان لا بد لها أن تعود لتصحيح أخطاء تاريخية» بحسب الكاتب الفرنسي كريستوف جيلوي في مقال له بصحيفة «الجارديان»، أوضح فيه أنه: «منذ الثمانينات وما بعدها، كان من الواضح أن هناك ثمنًا يجب دفعه للمجتمعات الغربية التي تتكيف مع نموذج اقتصادي جديد يضحى بالطبقة العاملة في أوروبا وأمريكا».

Embed from Getty Images

فلم يكن أحد يتوقع أن تصطدم التداعيات السلبية للرأسمالية بأساس الطبقة الوسطى أيضًا. ولكن من الواضح الآن أن النموذج الجديد من الاقتصاد النيوليبرالي لم يضعف فقط الطبقة العاملة، بل طالت آثاره السلبية معظم فئات المجتمع.

المفارقة هنا هي أن هذا الواقع الصعب الذي تعيشه فرنسا حاليًا ليس نتيجة لفشل النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، بل كان نتيجة لنجاحه. ففي العقود الأخيرة واصل الاقتصاد الفرنسي مثل الاقتصادات الأوروبية والأمريكية تضاعُف الثروة، ولكن لدى مجموعة محدودة أصبحت أكثر ثراء، بينما في الوقت نفسه تزداد نسب البطالة وانعدام الأمن والفقر.

ففي فرنسا كما هو الحال في جميع الدول الغربية، مرت المجتمعات على مدى العقود الماضية بنظام اقتصادي وسياسي وثقافي غير متكافئ، ولا يستفيد منه سوى الأثرياء من خلال حصولهم على مزيد من الثروة، بينما تتراجع المستويات المعيشية لفئات كثيرة داخل المجتمع لم تحصد من هذا النظام سوى مزيد من المعاناة.

ومن هنا نفهم أن مطالب التغيير التي تنادي بها حركة السترات الصفراء لا تخضع لنظرية المؤامرة، وليست مجرد تعبير عن الرغبة في التخلص من الفقر، بل تعكس بعض ملامح الأزمة الناتجة عن هذا النموذج الاقتصادي الذي تزداد فيه الفجوة بين فئات المجتمع.

فيما ينظر معظمهم إلى ماكرون على أنه مصرفي استثماري سابق ويعتبرونه رئيسًا للأثرياء ومنعزلًا عن أوجه المعاناة التي يكابدها دافعو الضرائب الذين يحافظون على استمرارية خامس أكبر اقتصاد في العالم. ولذلك ترتفع بين الحين والآخر مطالب بإجراء انتخاباتٍ مبكرة.

أزمة «جغرافيا اقتصادية» في فرنسا

أزمة احتجاجات السترات الصفراء، تأتي بالتزامن مع أزمة جغرافية اجتماعية جديدة، تتمثل في أن فرص العمل والثروة أصبحت أكثر تركيزًا في المدن الكبرى. أما المناطق الريفية والمدن الصغيرة والمتوسطة وحتى المناطق الصناعية فقد باتت أقل ديناميكية. بالرغم من أن في هذه الأماكن يعيش غالبية الطبقة العاملة.

وبذلك وللمرة الأولى لم يعد «العمال» يعيشون في المناطق التي توجد فيها فرص العمل؛ ما أحدث صدمة اجتماعية وثقافية إلى جانب المعاناة الاقتصادية، وهو ما يفسر لماذا خرجت احتجاجات السترات الصفراء من هذه المناطق، ولماذا حين انتقلت الاحتجاجات إلى باريس مورست أعمال عنف تجاه الممتلكات العامة والخاصة!

لذا يمكن القول إن ارتفاع سعر الوقود لم يكن السبب الحقيقي في اشتعال احتجاجات حركة السترات الصفراء وانتشار فعالياتها عبر المدن الفرنسية؛ لأن غضب الفرنسيين له أسباب أعمق نتيجة عملية انحسار اقتصادي وثقافي بدأ في الثمانينات ودارت رحاه على معظم فئات المجتمع، سوى فئة محدودة من الأغنياء والمسؤولين الذين نظروا باستغراب ودهشة إلى أصحاب السترات الصفراء كما لو أنهم اكتشفوا قبيلة جديدة في منطقة الأمازون.

ينفق 12 ألف دولار شهريًا على وسامته من أموال الضرائب! هل ستخلع فرنسا ماكرون؟

المصادر

تحميل المزيد