في عام 1098 ميلاديًّا، أطلق البابا أوربان الثاني، دعوته من أجل انتزاع القدس وعموم الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، فكانت الحملة الصليبية الأولى.

نحن الآن في شهر شعبان من عام 491 هجرية الموافق لشهر يوليو (تموز) عام 1098 ميلادية. فرض الجيش المصري بقيادة وزير الدولة الفاطمية والرجل الأقوى فيها، الأفضل بن بدر الدين الجمالي، حصارًا مُطبقًا على بيت المقدس، التي رفض أميراها التُركيَّان – من الأتراك السلاجقة – سقمان، وإيلغازي، تسليمها دون قتال.

أمر الأفضل بنصب أكثر من 40 منجنيقًا شرعَت في قصف أسوار القدس لأيام، حتى أحدثت ثغراتٍ جوهرية في تحصينات المدينة بعد أكثر من ستة أسابيع من القصف، فأُسقط في يد حاميتها، فاستسلمتْ. لم يبطش الأفضل بخصومه داخل المدينة، إنما اكتفى بإخراجهم إلى دمشق الخاضعة لحكم الأتراك السلاجقة، ثم أحكم قبضته على معظم مناطق فلسطين التي طالما كانت ساحة للصدام الحربي والسياسي بين السلاجقة والفاطميين على مدار عقود، منذ صعود المد السلجوقي في منتصف القرن الخامس الهجري.

تاريخ

منذ 8 شهور
بدر الدين الجمالي.. قصة المملوك الأرمني الذي أنقذ مصر من الهلاك

من سخرية الأقدار، أن الأفضل لن يهنأ بذلك النصر طويلًا؛ إذ خلال شهور قليلة سيشن الصليبيون الحملة الصليبية الأولى، وسيصل الغزو الصليبي المندفع من الشمال إلى الجنوب إلى فلسطين، ويظهر ما رآه حُكَّام الدولة الفاطمية خطأ غيثًا أتاهم من بعيد لإغراق خصومهم السلاجقة، على حقيقته المرة القاتلة، سيل عرمرم يوشك أن يغمرهم وخصومهم، وعشرات الآلاف من الأبرياء معهم بالدم، والدموع.

يسرد أمين معلوف في كتابه الذي استقاه من المصادر العربية المعاصرة لأحداث الغزو الصليبي «الحروب الصليبية كما رآها العرب»، محاولات الأفضل العبثية لتعطيل الحملة الصليبية الأولى والاجتياح الصليبي لفلسطين. فراسل أولًا صديقه الإمبراطور البيزنطي ليستخدم نفوذه على الصليبيين لتأخير هجومهم، لكن الإمبراطور فاجأه بحقيقة أنه لم يعد له سيطرة على الصليبيين.

حاول الأفضل التواصل مباشرة مع الصليبيين للتوصل لاتفاق سلام، يقضي باعترافه بما تحت أيديهم في شمال الشام مما انتزعوه من خصومه الأتراك، مقابل عدم هجومهم على فلسطين، وأن يضمن لهم حرية الحج إلى القدس دون سلاح. فرد الصليبيون بأنه ليس للأفضل عندهم سوى السيوف والرماح!

دهم الصليبيون فلسطين، واستولوا على الكثير من أجزائها دون مقاومة مؤثرة، وحاصروا القدس في صيف عام 1099م الموافق لعام 492هـ، ثم اقتحموها بعد أسابيع بعد أن جاءتهم سفن جنوة الإيطالية بالأخشاب اللازمة لبناء أبراج الحصار.

لم يفرق الصليبيون بين حامية المدينة من العسكر الفاطمي، وسكانها المدنيين، فذبحوا عشرات الآلاف من المسلمين واليهود، وجعلوا الدماء للركب حرفيًّا لا مجازًا، في طرقات المدينة المقدسة ودور عبادتها خلال الحملة الصليبية الأولى. في حين لم يكن الجيش المصري قد أكمل استعداداته بعد في القاهرة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فلسطين.

الحملة الصليبية الأولى.. لماذا نظر الفاطميون بإيجابية إلى الغزو الصليبي في البداية؟

كان الخصم الرئيس للفاطميين في العقود السابقة للغزو الصليبي هم الأتراك السلاجقة، الذي رفعوا لواء المذهب السني، سياسيًّا وفكريًّا وعسكريًّا في مواجهة الخلافة الفاطمية الشيعية.

أبعد السلاجقة سطوةَ الفاطميين عن بغداد، وأعادوا لعاصمة العباسيين بعض الحيوية التي افتقدتها لقرنيْن من الزمن، وأحكموا قبضتهم على العراق، ثم استولوْا تباعًا على معظم حواضر الشام مثل حلب، وحمص، ودمشق، وبيت المقدس، والتي كانت قد خضعت لسنواتٍ لحكم الفاطميين، وبدا أن المد السلجوقي إن استمرَّ لسنواتٍ أخرى، فقد تصل أذرعهم الطولى إلى مصر نفسَها.

الفاطميون والحملة الصليبية الأولى

كذلك خاض السلاجقة جولاتٍ مظفَّرة من الصدام مع البيزنطيين الذي كانوا لفتراتٍ حلفاءً سياسيين للفاطميين ضد خصومهم على الساحة الإسلامية.

«ولم يكن رجل القاهرة القوي، الوزيرُ المُتنَفِّذ الأفضل بن بدر الجمالي، يخفي سروره حين قدم إليه موفدو الإمبراطور البيزنطي يخبرونه بحشود الفرسان الإفرنج، وأنهم سيشرعون في مهاجمة آسيا الصغرى. ونقل إلى الإمبراطور تمنياته بالنجاح. وطلب أن يكون، بوصفِه صديقًا، على علمٍ بأخبار الحملة» *أمين معلوف، من كتاب «الحروب الصليبية كما رآها العرب»

عندما وردتِ الأنباء إلى القاهرة بتقاطر الآلاف من الفرسان والمقاتلين من مختلف الأمم الأوروبية على القسطنطينية، كان لها وقع إيجابي على حكام القاهرة، الذين ظنُّوا أن هؤلاء الوافدين الجدد لن يكونوا سوى مرتزقة تابعين للإمبراطور البيزنطي، الذي لا يجد في الدولة الفاطمية مشكلةً مع مطامعه المنحصرة في بعض حواضر شمال الشام، لاسيَّما أنطاكية التي كانت في حوزة الأتراك السلاجقة خصوم الطرفيْن.

لكن الشهور العصيبة التالية أظهرت أن الرهان الفاطمي كان خاسرًا، وأن فرسان الحملة الصليبية الأولى القادمين من وراء البحار يريدون ابتلاع جميع ما تحت أقدام الإخوة الأعداء في الشرق الإسلامي!

ما بعد صدمة الحملة الصليبية الأولى.. محاولات الوقت الضائع

«وصل الأفضل إلى عسقلان في الرابع عشر من شهر رمضان، فبعث إلى الفرنج فوبخهم على ما كان منهم؛ فردوا إليه الجواب، وركبوا في إثر الرسل فصدفوه على غرة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيرًا. وانهزم منهم بمن خف معه فتحصن بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك في شجر الجميز، فأضرَموا النار حتى احترقتْ بمن تعلَّق فيها، فهلكَ خلقٌ كثيرٌ، وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جلَّ قدره، ولا يمكن لكثرته حصره» *تقي الدين المقريزي، متحدثًا عن أول مواجهة عسكرية بين الأفضل والصليبيين بعد مذبحة الحملة الصليبية الأولى

أفاقت القاهرة سريعًا من أثر الصاعقة التي وقعت في فلسطين وبيت المقدس، وخرج الوزير الأفضل بنفسه بعد أشهرٍ قليلة على رأس جيشٍ كبير لتخليص فلسطين من الاحتلال الصليبي ودحر الحملة الصليبية الأولى. لكن وقع ما لم يكن في الحسبان؛ إذ تمكَّن الصليبيون من إيقاع الجيش المصري في كمينٍ مُحكَم، ملحقين به خسائر فادحة، مجبرين من نجا وعلى رأسهم الأفضل، على النجاة بأنفسهم خلف أسوار مدينة عسقلان. وغنم الصليبيون ما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الأسلحة والأقوات والذخائر الثمينة.

خرجت حملة عسكرية جديدة من مصر عام 494 هجريًّا الموافق 1101 ميلاديًّا،  لمواجهة الصليبيين في فلسطين، بقيادة الأمير سعد الدولة، ليصطدموا قرب عسقلان بأكثر من 10 آلاف فارس وراجل من الصليبيين، فانهزم الجيش المصري في البداية، وقُتِل سعد الدولة، لكن ما لبث المصريون أن استعادوا نظامهم، وكرُّوا على الصليبيين فهزموهم، وأجبروهم على الانسحاب إلى يافا شمالًا، ثم عادوا بالغنائم إلى مصر. لكن لم يكن لهذا الانتصار المحدود أثرٌ كبير في الخارطة وتوازناتها القائمة.

في العام التالي، جدَّد الفاطميون هجومهم على أفراد الحملة الصليبية الأولى في فلسطين، فاصطدموا ببغدوين – تسميه المصادر العربية بردويل – ملك بيت المقدس و700 فارس صليبي، فهزموهم هزيمة منكرة، ونجا بغدوين من القتل بأعجوبة، لكنه أصيب بحروقٍ شديدة ظلَّ يعاني منها الأمرَّيْن حتى وفاته. ورغم ذلك الانتصار العريض، لم تنجح الحملة المصرية المنتصرة في فرض تغيير كبير على الساحة السياسية والعسكرية في فلسطين، واكتفت بالانتصار التكتيكي.

حاول الأفضل عام 496هـ، التغافل عن تاريخ طويل من العداء بينه وبين الأتراك في الشام، فراسل حكام دمشق الأتراك من أجل شن هجوم مشترك ضد صليبيِّي مملكة بيت المقدس، بحيث ينقض عليهم الجيش المصري بقيادة ابنه الأمير شرف بن الأفضل من الجنوب، ويباغتهم الدمشقيون من الشمال، على أن يحمل الأسطول المصري المؤن عبر البحر إلى عسقلان ويافا الباقية تحت الحكم المصري.

وافق الدمشقيون على ما طلبه الأفضل باللفظ في البداية، لكنه لم يحدث أبدًا على أرض الواقع، وما لبثوا أن اعتذروا، ولعل التاريخ الطويل من سوء الظن والتناحر بين الجانبيْن حال دون القيام بمثل هذا الهجوم الذي كان لِيهدد الوجود الصليبي في الشام برمَّته. رغم ذلك توغَّل الجيش المصري في فلسطين، وهزم الصليبيين في غيرِ موقعة، ووصل في زحفه إلى الرملة، ثم تردَّد قائده ما بينَ الهجوم على القدس أو يافا، فلم يبادر إلى هذه أو تلك.

في العام التالي، استغلَّ بغدوين قدوم مددٍ صليبيٍّ من أوروبا، مع أسطولٍ قويٍّ تابعٍ لمدينة جنوة الإيطالية، واستولى على ميناء عكا الحيوي بعد قتالٍ شرس، وستصبح عكا هي المعقل الصليبي الأقوى والأهم خلال القرنيْن التالييْن، وستنهال عليها الإمدادات الصليبية عبر البحر. وكان لسقوط عكا أثر سلبيُّ بالغ في آمال الفاطميين في استعادة فلسطين من الصليبيين.

عام 498هـ = 1105م، سيعاود المصريون الكرَّة، ويهاجمون فلسطين، ويراسلون حاكم دمشق الجديد الأتابك طغتكين للقيام بهجومٍ موحَّد ضد الصليبيين، لكن الأخير سيعتذر بوجودٍ تمردٍ ضدَّه في بُصرى. هذه المرة سيواجه بغدوين المصريين بقوةٍ عسكرية أكبر تشمل أكثر من ألف فارسٍ و8 آلاف من المشاة، وسيُلحق هزيمة مُرَّة بالجيش المصري بين يافا وعسقلان.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من ملاحم رمضان.. تعرف إلى «موقعة حارم» التي أُسر فيها كبار أمراء الصليبيين

ثم بعد أعوامٍ قليلة، وقع فصلٌ مؤلمُ بارز من الصراع الفاطمي – الصليبي، فقد كانت مدينة طرابلس حاضرة الساحل الشامي محاصرة من الصليبيين على مدار خمسة أعوام، فوقع فيها انقلابٌ عام 501هـ = 1108م ضد حاكمها القاضي فخر المُلك بن عمار، من أحد أبناء عمومته، مستغلًّا غيابه في بغداد لأشهر يطلب نجدةً من الخليفة العباسي، والسلطان السلجوقي محمد بن مَلِكشاه. أعلنَ المُنقلبون الولاء للفاطميين، وأرسلوا للأفضل يستنجدونه لفك الحصار البري والبحري الخانق عن المدينة.

ظلَّ الطرابلسيون أسابيعَ ينتظرون وصول الأسطول المصري القوي مُحمَّلًا بالمدد من الرجال والأقوات. وقد وصل الأسطول فعلًا في العام التالي 502هـ = 1109م ولكن بعد أيامٍ من اقتحام الصليبيين لطرابلس، فقام بإجلاء بعض من نجا من الطرابلسيين، ثم قدَّم بعض الدعم العيني للموانئ الأخرى المُحاصرة مثل صيدا وبيروت، والتي لن تلبث أن تسقط في قبضة الصليبيين خلال السنوات القليلة التالية لسقوط طرابلس رغم المقاومة الشرسة التي أبداها أهل تلك المدن – لاسيَّما بيروت عام 503هـ – ومن انضم إليهم من عسكر البحر المصري في النجدات التي أرسلها الأفضل.

أما ميناء صور – في لبنان حاليًا – فقد نجح الدعم المصري، في تأخير سقوطه أعوامًا، لكنه سقط آخر المطاف عام 511هـ، وبذلك لم يستطِع الفاطميون، رغم ما يقارب 20 عامًا من الصدامات الدموية المتوالية مع الصليبيين، استعادة ما فقدوه في فلسطين والشام، وتمكَّنوا بالكاد من الاحتفاظ بثغريْ عسقلان وغزة لبضعة عقود تالية. لتثبت تلك المواجهة بشكلٍ حتمي أن عدوَّ عدوي، قد يكون أنكى من عدوي، أو من ظننته عدوي.

المصادر

تحميل المزيد