نظرًا للتطور السريع في استخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، وقدرتها على محاكاة أي نموذج مجسم لتكوين صورة طبق الأصل منه، تستمر محاولات العُلَماء والفرق البحثية في أنحاء العالم المختلفة للتوصل إلى كيفية طباعة أنسجة حية، يُمكن زراعتها في جسم الكائن الحي، لتؤدي الوظائف الحيوية التي تؤديها الأنسجة الطبيعية، لكنهم يدركون أن الأمر سيستغرق عدة سنوات حتى يصبح في حيز التطبيق.

لكن بالرغم من تلك المحاولات غير المتناهية، وعلى عكس ما هو متوقع، استطاع الفريق البحثي المكون من العلماء والباحثين بجامعة هارفارد، وجامعة إلينواي، وميشيغان، وكذلك المركز الطبي لجامعة ستانفورد، وبقيادة باحث بيولوجيا القلب، وهندسة الأنسجة، والنانو تكنولوجي «كيت باركر» بطفرة حقيقية في هذا الاتجاه.

إذ استطاع الفريق البحثي في كلية الهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة هارفارد تخليق أول كائن حي اصطناعي باستخدام تطبيقات الهندسة الوراثية، والطباعة ثلاثية الأبعاد. لذلك في هذا التقرير سوف نلقي الضوء على ماهية هذا الكائن الحي المُصطنع، وكيف تم تخليقه، بالإضافة إلى آلية حركته، وكيف سيؤثر في مجال الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال.

الروبوت المُهَجن.. ومصدر جديد للطاقة

صورة توضيحية لشكل الروبوت المُهَجن من خلايا حيوانية، وبوليمرات من المطاط، وهيكل من الذهب

بتطبيق آخر التطورات في مجالات الهندسة، وزراعة الأنسجة، والوراثة، والميكانيكا الحيوية، وعن طريق مزج كل من الأنسجة الحيوانية، والتكنولوجيا الحديثة للطباعة ثلاثية الأبعاد، استطاع العلماء تخليق أول روبوت حيوي، لا يزن سوى 10 جرامات، ومكون من أنسجة حية وطبقات من البوليمر، ويُشبه في شكله قنديل البحر إلى حدٍ كبير. إذ يتميز هذا الروبوت المُهجن بجسم رقيق مطاطي، وهيكل عظمي من الذهب يشبه الغضاريف، مطبوعيْن بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد.

هذا الهيكل يُعَزز بمصدر غير متوقع للطاقة، عبارة عن طبقة مكونة من 200 ألف خلية حية من خلايا القلب لفأر، معدلة وراثيًا لتستجيب للمؤثرات الضوئية. وعن طريق زراعة الأنسجة تمت زراعة تلك الخلايا الحية بعناية على الجسم المطاطي، وحول الهيكل الذهبي للروبوت. حيث تتمكن تلك الخلايا من النبض والانقباض عند التعرض إلى ومضات الضوء مختلفة الشدة والطول الموجي.

وبسبب أن ذلك الروبوت لديه استجابة فعالة للضوء، استطاع العلماء توجيهه صعودًا وهبوطًا باستخدام نبضات الضوء القوية والضعيفة. فعندما تعرض الروبوت الذي يبلغ طوله 16 مليمترًا، لومضة من الضوء وهو في خزان من المياه، استطاع السباحة، إذ انحدر على مهل بسرعة 3.2 مليمترات في الثانية الواحدة، واستطاع تجاوز العديد من العقبات التي وُضعت في طريقه.

دورة الحياة: وضع اللبنات.. عملية الحركة.. والتحكم

صورة توضح المراحل الرئيسية في عملية تخليق الروبوت

تَمر دورة حياة هذا الروبوت الحي بعدة مراحل رئيسية، تبدأ بمرحلة وضع اللبنات وبناء الهيكل الرئيسي، ثم الاستجابة إلى الضوء بالحركة، وأخيرًا مرحلة التحكم في اتجاه الحركة وسرعتها، التي تعتمد على قوة الشعاع الضوئي الذي يتعرض له الروبوت. فتبدأ عملية الهيكلة ووضع اللبنات بأربع خطوات متتالية يتم فيها تركيب طبقات هيكل الروبوت المختلفة، بداية من جسمه المطاطي، ثم هيكله المكون من الذهب، والذي يُعدّ المخزن الرئيسي للطاقة. ثم الطبقة الثالثة المكونة من المطاط، والتي تغطي الهيكل الذهبي للروبوت. وأخيرًا الطبقة الرابعة في عملية التخليق والمكونة من العضلات، المصنوعة من الخلايا القلبية لفأر، والمعدلة وراثيًا لتستجيب للأشعة الضوئية مختلفة الترددات.

صورة توضح حركة الروبوت استجابةً للمؤثرات الضوئية وفقًا لشدتها

تبدأ عملية الحركة عندما يستحث الضوء مُقدمة الروبوت، مما يؤدي إلى شن موجة من الانقباضات على طول المسار العضلي للروبوت، فينتج عنها حركة لولبية متموجة صعودًا وهبوطًا تؤدي في النهاية إلى تقدم الروبوت إلى الأمام. إذ تتم عملية التحكم في سرعة الروبوت واتجاهه عن طريق قوة الضوء الذي يتعرض له. فعندما تتعرض العضلات إلى شعاع ضوئي ضعيف يتحرك الروبوت هبوطًا إلى أسفل، ثم بزيادة شدة الشعاع يتجه الروبوت صعودًا مرة أخرى إلى أعلى، وبتوالي الحركة هبوطًا وصعودًا تتشكل حركة الروبوت إلى الأمام. وللمزيد من التوضيح عن تركيب الروبوت، وكيفية حركته وفقًا لقوة الموجات الضوئية التي يتعرض لها؛ يمكنكم مشاهدة هذا الفيديو:

لكن لماذا يُشكل هذا الروبوت طفرة في مجال الذكاء الاصطناعي؟

مقارنة بين شكل وحجم قنديل البحر الحقيقي على يمين الصورة.. والروبوت الاصطناعي المهجن إلى اليسار

يتمثل الذكاء الاصطناعي في قدرة البرامج الحاسوبية على محاكاة القدرات الذهنية للبشر وأنماط عملها دون البرمجة سلفًا، كالقدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل. إذ يُستخدَم في العديد من المجالات التي تبدأ بألعاب الفيديو، ومحركات البحث. مرورًا بمعالجة اللغات، والتحكم الآلي. بالإضافة إلى التشخيص الطبي للأمراض، ووصف الأدوية، وهندسة البرمجيات والروبوتات الحركية.

فعملية تخليق روبوت نابض بالحياة باستخدام تطبيقات الهندسة الوراثية، وزراعة الأنسجة، والتقنية الحديثة كالطباعة ثلاثية الأبعاد، على الرغم من كونها في حيز التطبيق المعملي فقط، إلا أنها تفتح الباب على مصراعيه للإبداعات الهندسية المتخصصة لأغراض محددة، مثل الديدان المُصنعة، والتي تمتلك القدرة على التعرف على الخلايا السرطانية ومن ثم البدء في إزالتها دون الإضرار بخلايا الجسم السليمة. أو كإنتاج أجزاء معقدة تستخدم في المجالات الطبية، ويمكن إدخالها إلى جسم الإنسان، كالمفاصل والأطراف الصناعية وأطقم الأسنان لأولئك الذين عانوا من المرض، أو تعرضوا للحوادث والحروب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد